#adsense

النظام السوري لم يعطِ إشارات إلى تسهيل حكميّ لانتخاب الرئيس

حجم الخط

النظام السوري لم يعطِ إشارات إلى تسهيل حكميّ لانتخاب الرئيس
واكتفى بإعلان جاهزيته لفتح “بازار كبير”

لعبةُ “الكلمات المتقاطعة” بين دمشق وطهران

نصير الأسعد

 

إلامَ تشيرُ المعطيات الإقليمية الخارجية عند المنعطف الحالي الذي يجتازه الاستحقاق الرئاسي اللبناني؟.
مع التبدّل الذي طرأ على السياسة الدولية حيال النظام السوري في الأسابيع القليلة الماضية، والمتمثّل بالانتقال إلى “خطة الاستيعاب” على إيقاع الضغوط بدلاً من تصعيد الضغوط لفتحها باتجاه إجراءات عقابية متدرّجة، والقاضي ـ أي التبدّل ـ بنوع من “الفكّ” بين دمشق وطهران، أعطى نظام الأسد عدداً من الإشارات التي تفيد أنّه على استعداد لـ”التعاطي” مع السياسة الدولية الاستيعابية الجديدة.


التعاطي السوري مع “الخطّة الاستيعابية” الدولية


المشاركة في مؤتمر أنابوليس الشهر الماضي كانت أبرز الإشارات إقليمياً. بموجبها “أعطى” النظام السوري “غطاء” للحاجة الأميركية إلى عملية سلمية إقليمية وللحاجة العربية إلى تجديد الانخراط في العملية السلمية بدون مزايدة سورية، لكنّه “أخذ” في المقابل “عضويّة” متجدّدة في “النظام العربي” وشراكة في المسار السلمي و”وعداً” بالعودة إلى علاقات طبيعية متدرّجة مع المجتمع الدولي.


المحكّ لـ”الخطّة الاستيعابية” الأميركية ـ الدولية وللتعاطي السوري إيجاباً معها هو لبنان.
في لبنان، “أعطى” النظام السوري إشارات أولية أو جزئية، أبرزها على الإطلاق تمثّل بمغادرة إميل لحود قصر بعبدا بدون خطوات ممّا جرى التهديد به خلال الشهور المنصرمة بما في ذلك “الحكومة الثانية”، وهي الإشارة التي أتت مصحوبة بـ”وعد” سوري بتسهيل حصول الاستحقاق الرئاسي ولو بعد انتهاء المهلة الدستورية.


النظام السوري يرسم مشهد انتظار “البازار”


في المقابل، “أخذ” النظام السوري في لبنان ما يمكن وصفه بأنّه “انخفاض للسقف” لدى 14 آذار تكيّفاً مع التبدّل الخارجي المشار إليه آنفاً. وقد أتت مبادرة 14 آذار إلى ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان على تقاطع مع هذا التبدّل الخارجي على اعتبار أنّ سليمان هو أكثر من يمثّل خطة التموضع الجديد عربياً ودولياً تجاه سوريا والنظام فيها.
بيد أنّه من الواضح الآن انّ الأمور تقف عند هذه “الحدود”. سياسة أميركية ـ دولية ـ عربية استيعابية يقابُلها إعلانٌ من جانب النظام السوري انّه مستعدّ معطياً الإشارات اللازمة إلى ذلك.. لكنّه إعلانٌ عن انتظار “البازار”، ولا خطوة إضافية حتّى يحصل “البازار الكبير”. بكلام آخر، رسم نظام الأسد المشهد وينتظر.


وإذا كان لهذا الكلام من ترجمة سياسية دقيقة فهي أنّ النظام السوري أبدى استعداده وجاهزيته لأخذ مسافة عن إيران، لكنّه لم “يتفق” مع الولايات المتحدة وينتظر عروضاً بشأن لبنان ونفوذه فيه ولا يعتبر المتحقق كافياً.


إيران ولبنان بالعلاقة مع أميركا


على الضفّة الإيرانية من المسألة، من الواضح انّ إيقاع الأزمة بين إيران والمجتمع الدولي يفرضُ نفسه على التعاطي الإيراني مع الوضع في لبنان. فإذا لم تشهد هذه الأزمة حلحلة سيستمر الاسترهان الإيراني للبنان واستحقاقه.
في الساعات الماضية، قدّر عددٌ من المراقبين انّ التقرير الاستخباراتي الأميركي الذي ينفي وجود نشاطات نووية عسكرية لإيران يمكن أن يعني اتجاه الأزمة الإيرانية ـ الدولية نحو الانحسار. غير انّ شيئاً لا يحتّم ذلك في ظلّ إعلان الرئيس الأميركي جورج بوش مواصلة سياسته حيال طهران، والمفتوحة على كلّ الإحتمالات. وفي الوقت نفسه، تعاملت إيران مع التقرير الأميركي على أنّه “انتصارٌ” لها.


وهذا كلّه ما يعني أنّ إيران تضع لبنان واستحقاقه بين إحتمالين: إمّا الاستمرار في الاسترهان وإمّا تصعيد الشروط ثمناً لـ”الانتصار”.


إذاً، يقيم الاستحقاق الرئاسي اللبناني “الآن” على تقاطع معطيين سوري وإيراني. المعطى السوري يفيد أنّ نظام الأسد يريده مناسبةً لـ”بازار” سوري ـ أميركي ـ دولي “كبير” لم يحصل حتّى الآن أو انّه لم يشفِ غليل بشّار الأسد. أمّا المعطى الإيراني فيفيدُ انّ طهران تحرص على “التمترس” إلى أن يتّضح الأفق الدولي تجاهها فيكون الموضوع اللبناني على “دفتر حسابات” أي تسوية إذا كانت واردة.


“المفاوضات اللبنانية” و”الهامش”


قبل أن تتوضّح هذه الأمور جميعاً، لن يُنجز الاستحقاق الرئاسي. لا بل يمكنُ القول انّه في اللحظة التي سيظهر انّ الاستحقاق على طريق الإنجاز، سيكون الأمر ممهّداً بالمعنى المشار إليه آنفاً. وأكثر من ذلك، يمكنُ القول إنّ “المفاوضات اللبنانية” إنّما تحصلُ “على الهامش” بين الواقع القائم “الآن” على انتظار النظام السوري لـ”البازار” وعلى مقاربة إيران للبنان بأفق علاقتها بالمجتمع الدولي من جهة، وإحتمال تطوّرات “على” هذا الواقع من جهة أخرى.
الجنرال الواجهة المرشّحة لـ”الطعن”


في هذه الأثناء، يلطى النظام السوري وإيران و”حزب الله” وراء الجنرال ميشال عون. ولا يصحّ للحظة الظنّ انّ دمشق مسهّلة فيما طهران معطّلة، دائماً بحسب المقدّمات السابقة.


وراء الجنرال، يستطيع نظام الأسد القول إنّ المشكلة ليست عنده بل عند غيره. وهذا على كلّ حال ما قاله بشّار الأسد للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي: المشكلة عند عون. ووراء الجنرال تستطيع إيران و”حزب الله” القول إنّ التعقيدات مسيحية ولبنانية داخلية.


لكن على افتراض أنّ الجنرال ليس مسيّراً سوريّاً أو إيرانياً، أي على افتراض انّه لا يكوّع بإشارة من العاصمتين أو إحداهما، فإنّ معيار أن تكون دمشق “ماشية” في الاستحقاق هو أن تنعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بدون إبطاء، حتّى لو بقي الجنرال متمسكاً بشروطه. ومعيارُ أن تكون دمشق وطهران “ماشيتين” هو أن يذهب التحالف الشيعي السياسي إلى الانتخاب حتّى لو لم يشأ الجنرال ذلك. ومعيارُ أن تكون دمشق “ماشية” حتّى لو كانت إيران “غير ماشية” هو حصول الاستحقاق ولو متأخراً أيّاماً قليلة.


صمود 14 آذار في وجه “البازار” السوري
هذه المعادلات يجب ألاّ تغيب عن الأذهان.


بكلام آخر، يمكنُ تلخيص الوضع الحالي على النحو الآتي: إذا انعقدت جلسة الانتخاب في أقرب وقت بدون تعقيد لمسألة آليات تعديل الدستور ومن دون ربطٍ للانتخاب بعناوين أخرى، تكون سوريا قرّرت السماح لحلفائها بـ”الإفراج” عن الاستحقاق.. أمّا إذا استمرّت الاشتراطات والعراقيل، تكون سوريا لا تزال تأسر الاستحقاق ربطاً بـ”البازار”.


ما تقدّم لا يعني انّ ما تضعه “المعارضة” من شروط لا يعكسُ رغبة النظام السوري بالتحكّم بالمرحلة اللبنانية المقبلة أو أنّه لا يعكسُ رغبة هذا النظام بتحسين ظروف “البازار”. لكنّ ما تقدّم يعني حكماً انّ الاستحقاق الرئاسي هو الآن في صميم محاولة النظام السوري استدراج هذا “البازار”، ويُفترض أن يعني انّ على 14 آذار واجب الصمود في وجه الشروط ومهمّة تعطيل أي “بازار” يمسّ الاستقلال والطائف والنظام الديموقراطي. وفي الخلفيّة انّ على 14 آذار أن تدرك تماماً أن ليس ثمّة وجه شبه بين المرحلة الحالية ومرحلة 1991 ـ 1992 السابقة عندما فُوّض النظام السوري بلبنان، وأنّه في “أحسن الأحوال” لو حصل “البازار” لا “يحقّ” له بما يطالب به عبر حلفائه أي لا يحقّ له رئيساً مكبّلاً ونفوذاً حكومياً طاغياً.
ليس الوقت بالنسبة إلى 14 آذار لتنازلات “موجعة”، فإمّا تسوية على الرئاسة والرئيس لا تقفل المسار الديموقراطي الدستوري، وإمّا صمودٌ يحفظ التوازن اللبناني.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل