الخطة (أ) والخطة (ب)
وليد شقير
وليد شقير
ما من شك في أن قرار الأكثرية وقوى 14 آذار في لبنان ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان للرئاسة، خلط الأوراق في شكل فاجأ المعارضة وحليفيها الإقليميين، سورية وإيران، وبقيت قوى المعارضة أياماً من دون ان تعلن ملاقاتها للأكثرية في موقفها هذا، في وقت كان الجميع يأمل أن تعتبر المعارضة ان الأكثرية لاقتها وترحب بهذه الخطوة، بدلاً من ان تشكك بها وتستريب من الإقدام عليها وتطرح الأسئلة على جهات خارجية، عما اذا كانت فخاً أو مناورة.
وعلى رغم ان بعض رموز المعارضة كان أعلن انه مع هذا الخيار، ومع ان البعض الآخر كان طرح خيار سليمان على أنه خيار المعارضة في الاتصالات من اجل التوافق، قبل موافقة الأكثرية عليه، فإن الصمت الذي غلب على قيادتي «أمل» و «حزب الله» إزاء مبادرة الأكثرية الى دعمه متجاوزة تحفظها عن تعديل الدستور، كان فرصة لاستيعاب المفاجأة، واتخاذ القرار بالخطوات اللاحقة.
ليس خافياً على الوسط السياسي اللبناني أن دمشق هدفت الى إحداث الفراغ في الرئاسة، وأن قرار زعيم تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري اللجوء الى خيار العماد سلميان كان هدفه الأول، من بين أهداف أخرى، هو ملء الفراغ في أسرع وقت وتقصير أمده. فالفراغ بالنسبة الى دمشق، في غياب رئيس شبيه بلحود، هو أولاً تمديد جديد لعهد الرئيس السابق إميل لحود، بما يعني من تعطيل للمؤسسات وشلّها وتعليق اللعبة السياسية داخلها. وهو ثانياً يستدرج القوى الخارجية الى دمشق كي تفاوضها على الإفراج عن الرئاسة مقابل الأثمان التي تأمل بها من وراء هذا الاستدراج، سواء كانت هذه لبنانية، تتعلق بركائز نفوذها في لبنان، أو في المحيط الإقليمي ومطالبها منه… أم في علاقاتها الدولية. وهذه حال إيران ايضاً التي تمسك بأوراقها في لبنان بقوة وتضع إمكانات كبرى من اجل الاحتفاظ بها وتأكيد نفوذها فيه. وفي النهاية فإن الفراغ يتيح لدمشق ان تكون لها دالة ما على الرئيس العتيد، لأن إفراجها عن انتخابات الرئاسة يعني بالنسبة إليها انها سلّفت الرئيس العتيد مجيئه الى هذا المنصب، كائناً من كان.
لقد كان الحد الأدنى هو الوصول الى الفراغ، ولو ليوم واحد. وبعض الأغراض من وراء ذلك تحقق. فالتواصل الفرنسي مع دمشق، بتفويض أوروبي وأميركي، أخذ طريقه مثلما تأمل وأكثر حتى استمرأت الأمر…
في الحياكة الدقيقة لضمان تمديد عهد اميل لحود بالفراغ، قدمت المعارضة عرضاً للحريري تدرك سلفاً انه سيرفضه، فقدم هو عرضاً للمعارضة لا تستطيع ان ترفضه، للخروج من الفراغ. وكان لا بد من الالتفاف من جانب حلفاء دمشق على هذه الخطوة، على رغم ان بعض هؤلاء الحلفاء يعتبر ان الأكثرية تعرضت لهزيمة، لأن رجحان كفة العماد سليمان هو نتاج تقارب ما، أميركي – سوري في نظرهم، وأن واشنطن تخلّت بذلك عن قوى 14 آذار، أي ان هذا البعض من المعارضة يتسلّح بما كان يعيبه على خصومه في الأكثرية من علاقة مع واشنطن ويوجه إليها اتهامات العمالة بسببه.
ان طرح الشروط المسبقة على الأكثرية من جانب المعارضة لتعديل الدستور من اجل انتخاب سليمان يعود الى قرار باستخدام الفراغ الى أقصى الحدود من اجل تحصيل «أقصى ما يمكن» للمعارضة تحصيله قبل الخروج منه، ويعود ايضاً الى رغبة «حزب الله» وسورية في «إعادة إنتاج» ترشيح سليمان باعتباره خياراً تعود إليهما وحدهما أحقية إنجازه وتحقيقه، وليس للحريري والأكثرية، أو للدول التي تدعمهما. وبهذا المعنى يراد إفهام العماد سليمان انه مدين للحزب وسورية بالوصول الى الرئاسة، باعتبار أن انهاء الفراغ هو في يدهما، وليس للأكثرية لأنها رفعت تحفظها عن تعديل الدستور، ولا لمصر والسعودية لأنهما دعمتا خياره. قد تنجح خطوة الأكثرية باللجوء الى خيار سليمان في تقصير امد الفراغ الرئاسي فيتم قياسه بالأيام بدل الأسابيع، أو ببضعة أسابيع بدل الأشهر، لكنها لن تقصره بالقدر الذي أملت به. وفي المقابل فإن المعارضة ما ان تستنفد قدرتها على إطالة الفراغ، عند حدود الضغط الدولي الذي سعت دمشق الى تجنبه، فإنها ستعبئ طاقاتها الى المرحلة المقبلة التي لها عنوان رئيس هو السعي الى اعاقة تشكيل الحكومة لنقل الفراغ الى مجلس الوزراء. وهذا ما تنبئ به مطالبها الراهنة. والهدف الأساس هو إضعاف الأكثرية عن طريق مجموعة من الخطوات ابرزها منع عودة الرئيس فؤاد السنيورة الى رئاسة الحكومة تعويضاً عن عدم التمكن من إسقاطه بفعل تحركاتها طوال السنة ونيف الماضية. وتقضي الخطة (أ) في هذا السياق بالمجيء برئيس للحكومة من غير تيار «المستقبل» والحؤول دون ترؤس سعد الحريري لها، لأن الهم الرئيس هو نزع حصرية التمثيل السني عن آل الحريري وإضعاف زعامتهم من الآن وحتى الانتخابات النيابية عام 2009. أما الخطة (ب) فهي وضع الشروط على تشكيلة الحكومة عند تأليفها إذا كان الحريري سيكلف بها، لضمان فرملة انجازاته من خلالها، إذا لم يكن لإفشاله، على ان يواكبها اضطراره الى التفاوض مع سورية من موقعه الرسمي الحتمي في شكل يزيل ما في الأذهان من اتهامات لها في جريمة اغتيال والده… على أمل ان يضعف ذلك التحلق الشعبي من حوله.