نقاط اعتراضية هادئة على وثيقة الرابية (2)
وسام سعادة
تحرص «وثيقة الرابية» على الخروج بمظهر المستلهم الوفي لمضامين الإرشاد الرسولي. هذا مع أن «وثيقة الرابية» تشايع بشكل «أكثر من ضمني» فكرة «تحالف الأقليات»، بقصد الوقوف سدّاً منيعاً ضد الأخطار «الداهمة» الآتية من جانب المذهب الغالب على الصعيد الاقليمي، وهي أخطار تحدّدهما الوثيقة في «التوطين» «والمديونية»، عملاً بمقولة شعبوية بالية تجد منفذاً لها في نص الوثيقة التي تخشى أن تفرض «مقايضة» المديونية بالتوطين.
أما الارشاد، فلم يكتب من أصل، الا لقطع الطريق على فكرة «تحالف الأقليات» وابراز تهافتها كمبدأ برنامجي قد يزّين للبعض أنه يمكنه البناء عليه. تخال فكرة «تحالف الأقليات» أنه بإمكان المسيحيين، وهم على ما عليه من ضعف عددي ونوعي، أن يعوّلوا على الانقسامات المذهبية بين المسلمين. ان فكرة كهذه ان هي الا استبطان للعقلية الذمّية التقليدية، خصوصاً أنها اذ تعوّل على الانقسامات المذهبية بين المسلمين فإنها تقرن ذلك بالتعامي عن التمايزات بين مسلمين أصوليين، ينطلقون من مبدأ أن اسلام غيرهم ما عاد كافياً ولا بد من تأسيس إمارات إحيائية آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر ومطلقة لسراح آية السيف، وبين مسلمين تحديثيين، يريدون أن يقتبسوا بشكل أو بآخر نموذج الدولة ـ الأمة، ويحققون هذا النموذج في كل بلد من بلدانهم.
ومن الناحية العملية ـ التاريخية، أسهم الإرشاد عندما طُرح في أيار ,1997 في تحفيز الأجواء المسيحية السانحة بالإقلاع عن تلك النظرة «الأقلوية الذمّية»، ما مهّد السبيل لإطلاق حركة استعادة السيادة اللبنانية، انطلاقاً من نداء مجلس المطارنة الموارنة في أيلول ,2000 مباشرة في إثر الانتخابات النيابية، هذه الانتخابات التي أعادت رفيق الحريري الى رئاسة الوزراء، بعد أن كان اميل لحّود قد لعب على وتر «تحالف الأقليات» في الحدود التي يعلمها، وقبل أن تتكرّر المحاولة مع «اللقاء التشاوري» الذي استحضر بازاء لقاء قرنة شهوان. كانت الحركة السيادية الضاغطة تنزع أكثر فأكثر للتفلت من أوهام «تحالف الأقليات»، وللبحث عن شراكة مسيحية ـ اسلامية، كفيلة وحدها باسترجاع الاستقلال، وهو ما تحقق بشكل لا رجعة فيه مع دخول البلاد محنة التمديد.
وهنا لا يملك المرء سوى التذكير، بأنه وعلى الرغم من أن المسيحيين قد شكّلوا «رأس الحربة» في مناهضة الوصاية السورية، كما جاء في نص الوثيقة، الا أن الأمور لم تحسم باتجاه تأمين الجلاء العسكري السوري، الا لأن شراكة مسيحية ـ اسلامية قد تأمنت وأوجبت ذلك. فيا ليت الوثيقة حاولت أن تتعامل بشكل ايجابي مع دور هذه الشراكة في إنتاج الاستقلال الثاني، بصرف النظر عن المشكلة التي تولدت ابان انتخابات 2005 وظلّت تتفاقم الى اليوم، بين التيار العوني وقوى 14 آذار.
أما «الذمّية» التي يحذّر منها نص الوثيقة، فبالاحرى العودة الى تفاسير أحكام أهل الذمّة عند كبار الفقهاء. سنجد فيها أن «الذمّة» هي معاهدة أو «تفاهم» يكون أول شروطها أن يتخلى الكتابيون، يهوداً كانوا أم مسيحيين، عن حمل السلاح، وعمّا يمكن وصفه بتعابير حديثة بـ«قرار الحرب والسلم». بمقياس أحكام أهل الذمّة يمكن أن يعد التفاهم المقام بين التيار الوطني الحر وحزب الله عهدة ذمّية.
والمشكلة تتسع مع نص الوثيقة لأنه يجري التخليط بين تعابير وتخريجات يراد منها التحذير من مخاطر فرض أحكام أهل ذمّة أخرى على المسيحيين، تأتي من لدن الأكثرية المذهبية السنية في المنطقة، وبين تعابير وتخريجات يراد منها التأكيد على أنه من مصلحة الأقليات، أن تنضم كأقليات، الى حالة «الممانعة»، التي هي كما يدل الأعم الغالب على استخدام المصطلح في عالم اليوم، ممانعة أمام الهجمة التآمرية الاستعمارية الغربية. يأتي نص الوثيقة على ملفوظ الممانعة مرّتين. المرة الأولى حين يؤكد بأن عدم إعطاء الرئاسة لزعيم المسيحيين ان هو الا «تمديد لتمرير سياسات وأهداف خارجية تضرب مواقع الممانعة والرفض». والمرة الثاني حين تخلص الوثيقة على نحو مهدوي، بأنه «على المسيحيين أن يتذكروا أن الانتظار هو موت بطيء»، وبالتالي عليهم التأهب للانتقال «من مرحلة الاعتراض والممانعة الى فعل المقاومة السياسية الكفيلة وحدها على وجودهم ودورهم». فريد من نوعه هذا المزج بين معجمين في واحد، المعجم المحسوب عادة على الحركات الأصولية في الوسط المسيحي، مع المعجم المحسوب عادة على الحركات الجهادية في الوسط الاسلامي.
ما علينا، المهم أن الضعف الأساسي في الوثيقة يأتي مما هو أكثر وضوحاً للجميع، حيث أنها في الوقت نفسه الذي توحي فيه بأنها تريد أن تتكلم بالطائفية على المكشوف، من موقع أمير المسيحيين اذ يوجه رسالته لأمير المسلمين، فإنها تصر على أن أمرة المسيحيين السياسية ليست لكنيستهم، وانما لأميرهم الدنيوي، وهذه إشكالية تعود لعمرنا الى القرون الوسطى، ولا شأن لها بالطابع «العلماني» الذي تحاول أن توحي به الوثيقة. أما الاستشهاد بالفقرة 112 من الارشاد الرسولي فلم يأت دقيقاً، وبيّن عن استخدام سريع انتقائي للنص، اذ لم ينتبه معد «الوثيقة» بأنه لا يستشهد مباشرة بالارشاد الرسولي، بل انه يستشهد باقتباس عرّج عليه نص الارشاد. فعبارة ليس عند الكنيسة «حلول تقنية، ولا تقترح أنظمة ولا برامج اقتصادية وسياسية»، ترجع الى الرسالة العامة الصادرة عام ,1988 بعنوان «الاهتمام بالشأن الاجتماعي»، وليس ينفع الاستشهاد المباشر بها، من دون الحكم في «سبب نزولها»… بكل الحالات، ليس ينفع الاستشهاد غير الدقيق عن استشهاد سابق حمله الارشاد الرسولي من خارج متنه، في أن يرسي المعادلة المقترحة من العماد عون في نص الوثيقة، حيث يقترح طائفة برأسين، بطريرك وأمير، أو بطريرك وامبراطور.