الأسبوع الأول بعد الفراغ:ترشيح سليمان وارتباك المعارضة
الشراع
الأسبوع الأول بعد شغور سدة الرئاسة الأولى شهد على غرار الأيام العشرة الأخيرة من ولاية الرئيس السابق اميل لحود مزيداً من حبس الأنفاس بفعل تسارع التطورات والاتصالات واللقاءات إلا ان العنوان الأبرز فيه كان اعلان قوى 14 آذار/مارس ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان للرئاسة.
قوى المعارضة التي كان واضحاً ارتباكها في التعاطي مع الترشيح رغم محاولاتها تغطية هذا الإرتباك بتظهير الترشيح وكأنه انتصار لها تمترست حول العماد ميشال عون الذي أتعسه الترشيح وبدد أي أمل له بتحقيق حلم عمره بالوصول الى سدة الرئاسة. وبدا من خلال الشروط التعجيزية التي تطرحها المعارضة عبر عون انها تحاول الالتفاف على الترشيح كونها لا تستطيع المجاهرة برفضه وصولاً الى تعطيله، وهو ربما ما جعل البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير متشائماً.
فهل هناك إيعاز سوري لحلفاء نظام دمشق في لبنان لإبقاء الفراغ في سدة الرئاسة تحت عنوان سلة تفاهم كاملة حول البنود كافة يراد من خلالها تكبيل رئيس الجمهورية واعادة بناء التوازنات داخل السلطة تجاوزاً ليس فقط للأكثرية النيابية بل وللدستور والأصول.
ومع ان ترشيح العماد سليمان يحمل بقوته اندفاعة قد لا تستطيع التعقيدات المفتعلة تعطيله، فإن السباق بين انجاز الانتخاب وتأجيله ما زال يحكم المشاورات لإكمال التعديل الدستوري اللازم قبل جلسة الانتخاب، وحتى ساعة اصدار هذا العدد كان الكباش او عض الاصابع حول ما اذا كان الاتفاق على سلة التفاهم يسبق الانتخاب او يعقبه يتحكم بهذه المشاورات مع الاشارة الى معاودة فرنسا جهدها الكثيف عبر اتصالات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مع الاطراف المعنية وعودة وزير خارجيته برنارد كوشنير الى بيروت للقيام بجولات مكوكية بين الأفرقاء لتذليل الصعوبات.
((الشراع)) تضيء علىبعض ما تميز به الأسبوع الاول بعد الفراغ، وذلك وفق الآتي:
مبادرة تاريخية للحريري لاسقاط الفتنة والحفاظ على ارث الشهيد الكبير
اذا قيض للعماد ميشال سليمان الوصول الى قصر بعبدا وهو المرجح حتى كتابة هذه السطور على الاقل فإن الفضل في سد الفراغ على مستوى رئاسة الجمهورية يعود لزعيم (تيار المستقبل)) النائب سعد الحريري ومبادرته التاريخية الى طرح اسم قائد الجيش كمرشح توافقي يحظى بقبول جميع الاطراف.
ورغم الهالة التي حظيت بها مبادرة الحريري من خلال التجاوب معها شعبياً ونخبوياً والترحيب بها سياسياً وتبنيها من قبل الدوائر العربية والاسلامية والدولية، فإن فترة من الوقت لا بد ان تمر حتى يتم النظر الى القيمة الاستثنائية والتاريخية لهذه المبادرة التي نقلت لبنان فعلاً لا قولاً من سكة الانفجار الى سكة الانفراجات، علماً ان السير على السكة الاخيرة والوصول من خلاله الى محطة الامان يبقى مرهوناً بتوافر ارادة لبنانية جامعة قد يكون ممكناً توافرها حول اسم الرئيس المقبل الا ان توافرها حول المسائل الخلافية الاخرى يبدو غير ممكن حالياً.
لم يتنازل سعد الحريري الا للوطن، وبدا واضحاً كعين الشمس ان وريث رجل التسويات التاريخية ما هو الا سر ابيه يغلب في اللحظات الحرجة والحاسمة مصلحة الوطن على كل ما عداها ويضع امن الناس واستقرارهم ومصالحهم فوق كل اعتبار.
اسقط سعد الحريري بمبادرته فتنة حاكها ومنذ فترة خصوم وأعداء انتفاضة الاستقلال لاغراق لبنان في فوضى وفراغ لا نتيجة لهما الا التصادم والتنازع والتقاتل بين ابناء الوطن الواحد وبين ابناء الطائفة الواحدة وبين ابناء المذهب الواحد.
كان يراد لفتنة سنية – مارونية ان تندلع اوارها بعناوين مختلفة وشعارات عديدة اخطرها ((انقضاض السنية السياسية على موقع الموارنة الاول)) وتركيب رئيس الوزراء السني مكان رئيس الجمهورية الماروني، وخلافاً لكل ما يقال عن ان الحريري خذل مسيحيي 14 آذار/مارس فإنه بمبادرته اكد ما يجمعه بهم من ثوابت ومبادىء وطنية تحرص على عدم المس بالتوزيع الطائفي حتى لو اقتضى الامر تعديل الدستور ومخالفة ما يعتقده البعض في هذا الشأن فغلب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية وقصد بكركي بعد انتهاء الولاية ليبلغها بخياره.
واذا كان العماد ميشال عون طلب منه ان يكونا بشارة الخوري ورياض الصلح الـ 2007 فإن سعد الحريري ادى الدور الصلحي بامتياز وهو يسأل ربما في سره عما اذا كان عون قادراً على أداء الدور الخوري وهو أي عون المتمسك بترشيحه للرئاسة ولو على انقاض وطن وبركان الازمات.
وكان يراد لفتنة سنية – شيعية ان تحرق بنيرانها لبنان وما هو ابعد بعد ارتفاع لهجة التخوين بشكل لا سابق له والتهديد بالويل والثبور وعظائم الامور رغم ان الحجة كانت دائماً المشاركة والتوافق وما شابههما من مفردات وشعارات باتت فارغة من أي مضمون لها لكثرة تداولها بطريقة خشبية وتعبر علانية عما هو معاكس لما هو مبيت.
لم ينتظر سعد الحريري اندلاع الفتنة حتى يقول اننا لن ننجر لها ولو سقط منا الف قتيل، لكنه اقترح مبادرة عملية وفعلية تقطع الطريق في حال نجاحها على أي درب يفضي اليها، ورغم ان كلاماً كثيراً من دون معنى عن ان الخوف هو وراء المبادرة، فإن الكبار في المعارضة توقفوا امام سعة نظر هذا الشاب الوافد الى عالم السياسة حديثاً، حتى ان احد كبار المعارضة قال: ((لقد احرجنا فعلاً.. بوطنيته وبعد نظره وطرح امامنا من لا قبل لنا على رفضه.. انه فعلاً ابن رفيق الحريري)).
العمل على اسقاط الفتنة كان اذن احد دوافع الحريري، اما الدافع الآخر فهو الحرص على مكاسب وانجازات والده الشهيد، فالاقتتال أي اقتتال كان من شأنه تخريب ما خربته ((اسرائيل)) عشرات المرات في عدوان تموز/يوليو 2006، فأكد من جديد ان اليد التي تبني وتعمر لا يمكن ان تهدم او ان تكون وسيلة او اداة للهدم، وان ((تيار المستقبل)) تيار رفيق الحريري هو تيار الاعمار والبناء والعلم وليس ميليشيا كما اراد خصومه او تمنوا.
الحريري في مبادرته (راجع التفاصيل في زاوية اخرى بعنوان دمشق فوجئت بترشيح سليمان) فتح الآفاق امام انفراجات لا سابق لها وبدا وكأنه يؤكد من جديد مقولته بأن الرئيس الجديد سيكون ((صنع في لبنان)).
واذا كان سعد الحريري ايقن في وقت مبكر بأن البلاد ذاهبة الى الفراغ بسبب قرار النظام السوري تعطيل الانتخابات الرئاسية فإن رده جاء بخيار لا يترك مجالاً لأحد لتعطيل الانتخابات خصوصاً وأن اختياره لقائد الجيش جاء بعد سجل حافل للأخير اثبت فيه وقوفه على مسافة واحدة من الجميع فهو رفض قمع انتفاضة الاستقلال او ثورة الارز في 14 آذار/مارس وحمى حرية التعبير لفريق 8 آذار/مارس في اعتصامها ضد الحكومة، وخاض معركة الوطن ضد عصابة ((فتح الاسلام)) رغم ما وضع في طريقه من خط احمر وغيره، كما انه ادى واجبه ودوره في التصدي للعدوان الاسرائيلي ودعم المقاومة واحتضانها ومن ثم الانتشار في الجنوب حتى الحدود الدولية تنفيذاً للقرار 1701.
ومنذ عودتهما للحوار الثنائي، قبل اشهر قليلة والرئيس نبيه بري يمتدح الخصال الجديدة لدى سعد الحريري ويكتشف فيه ما لم يكن اكتشفه من قبله ويحكي امام زواره العديد من الوقائع التي يقول بري انها تعكس حجم التطور السريع في شخصية الحريري، الى درجة لا يحجم، معها رئيس المجلس عن ابداء اعجابه بما اكتسبه نجل ((الصديق)) الشهيد رفيق الحريري من خبرات وتجارب خلال فترة قياسية.
بري الذي لا يخفي تمنياته بأن يتولى سعد الحريري رئاسة الحكومة المقبلة يشيع بأنه لمس رغبة لدى الحريري بتولي الرئاسة الثالثة، وان كان يسارع الى القول بأن هذا الامر منوط بإجراء الاستشارات النيابية الملزمة بعد انتخاب رئيس الجمهورية.
مؤدى الكلام ان مبادرة الحريري ليست محاولة للحد من الخسائر كما يشطح بعض المحللين وليست خياراً بديلاً للاستسلام كما ينظر بعض ((متفلسفي)) المعارضة ولا هي نتاج صفقة اميركية – سورية.. الخ بل هي لابقاء ضوابط وقواعد اللعبة لموازين القوى القائمة ضمن الحدود الوطنية وبما لا يتعارض مع المصالح العليا للبلد للحؤول دون انفلات الصراع الى حيث لا يرتجيه احد من المخلصين في الاكثرية والمعارضة على السواء، وهي قواعد تنأى بالبلاد عن الصراعات المضطرمة في المنطقة وتحميه الى ابعد قدر ممكن من الزلازل التي يقع لبنان على خطها.. وهذا انجاز كبير للبنان الوطن والشعب والمؤسسات مهما قيل ويقال عن المبادرة وخلفياتها وأهدافها.
لأنه صنع في لبنان دمشق فوجئت بترشيح سليمان لكنها تريد ثمناً عربياً لعدم تعطيله
ما هي صحة المعلومات التي أشارت إلى ان دمشق فوجئت بقرار النائب سعد الحريري ومن ثم قوى 14 آذار ترشيح العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية؟ وما هي صحة المعلومات عن انها لم تعلن بعد موافقتها على الترشيح؟ وهل تريد فعلاً ثمناً لقبولها بترشيح سليمان وعدم تعطيل الاستحقاق الرئاسي؟
تقرير دبلوماسي أكد ان العاصمة السورية فوجئت بالترشيح على لسان النائب عمار الحوري ومن ثم النائب الياس عطاالله. ولاحظ أكثر من زائر لدمشق يوم إعلان النائبين عن القبول بترشيح سليمان انهماك المسؤولين هناك بتجميع معلومات حول الأمر الذي باغتهم وجرى اعتباره بداية بأنه ((لا يصدق)) ومن ثم ((مناورة)) قبل أن يتأكد الخبر عبر قنوات دبلوماسية عربية ودولية وبينها القناة الفرنسية.
شعور دمشق بالمفاجأة مرده أولاً إلى ان قرار الترشيح كان قراراً لبنانياً صرفاً بدأت فكرته مع النائب سعد الحريري في العشرين من الشهر الماضي كما بات معروفاً قبل أربعة أيام من انتهاء ولاية لحود. وقد ناقش الحريري الفكرة مع الرئيس فؤاد السنيورة ومن بعده وبحضوره مع زعيم اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط اللذين أيدا الفكرة ومن ثم نقلها كما هو معروف أيضاً مع البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير في 25 تشرين الثاني/نوفمبر لنيل موافقته ومباركته، أي في اليوم الأول لفراغ سدة الرئاسة.
ويقول أحد زوار دمشق ان حاجة مسؤوليها لمعلومات عن الترشيح وخلفياته وظروفها والالحاح في طلب معلومات حول ما جرى يؤكد انها فوجئت ولم تكن أبداً على بينة ولو جزئياً من هذا الاحتمال، لأن الكلام السوري كان في ذلك اليوم وقبلها يتعاطى مع الفراغ الدستوري بطريقة تدل على انه يتوقع استمراره لفترة غير قصيرة وحصول تداعيات لهذا الفراغ خاصة على الصعيد المسيحي.
وقد باغت هذا الترشيح دمشق لأن الواقفين وراءه طرحوا اقتراحاً لا يمكن رفضه من قبلها، فمنذ أمس قريب خرج العماد سليمان ليعلن وقبيل انتهاء معركة نهر البارد ان لا علاقة لعصابة فتح الاسلام بالاستخبارات السورية. وهذه المفاجأة أحدثت الوقع نفسه في أوساط حلفاء دمشق أيضاً وان بوتائر مختلفة ونتائج عديدة.
ومجرد القول بأن دمشق فوجئت بالترشيح يسقط القول بأن ترشيح سليمان جاء نتيجة لصفقة أميركية – سورية، وانه جرى الاتفاق على هذا الترشيح في مؤتمر أنابوليس كما يريد بعض جهابذة المحللين القول سواء كانوا في صفوف المعارضة أو الموالاة.
ورغم انه لم يعرف بعد ما إذا كان النظام السوري أعطى موافقته على الترشيح أم لا، فإن تقارير دبلوماسية أشارت إلى ان باريس تبلغت إشارات إيجابية حول الترشيح من دمشق التي تتجنب أي موقف من شأنه إحراج حلفائها في لبنان، خاصة وان القرار بالأصل لا ناقة لها فيه ولا جمل.
لكن النظام السوري في المقابل يسعى لتقاضي ثمن عربي لقاء موافقته من خلال الدفع باتجاه عقد قمة عربية خماسية سبق الحديث عنها عشية مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد عشية مؤتمر أنابوليس ولم تعقد لأسباب عديدة، والرغبة السورية بعقد هذه القمة مردها إلى محاولة فك عزلتها عربياً خصوصاً وان القمة إذا عقدت ستضم السعودية ومصر والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية.
وليس سراً ان العلاقة السعودية – السورية تمر منذ أزمة تصريحات نائب الرئيس السوري فاروق الشرع قبل أشهر بتوتر لم يحل دون المسعى السعودي مع الولايات المتحدة لدعوة سوريا لحضور مؤتمر أنابوليس وبحث المشكلة الفلسطينية في إطار شامل وفقاً لمبادرة السلام العربية وهي في الأساس مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز كان طرحها منذ ان كان ولياً للعهد في المملكة.
أما الثمن الآخر الذي تريده سوريا مقابل تمرير الاستحقاق الرئاسي فيتصل بحرص دمشق على حضور خادم الحرمين الشريفين مؤتمر القمة العربي الذي سيعقد الربيع المقبل في سوريا، ومحاولة دمشق أخذ ضمان أو تعهد من الآن بأن الملك عبدالله سيشارك في أعمال القمة لضمان نجاحها.
ميشال سليمان رئيساً بالإجماع؟
أول العهد صدمات ايجابية ولا وعود بحلول سحرية
يرفض قائد الجيش العماد ميشال سليمان الدخول في مساومات مع أحد حول ترشيحه لرئاسة الجمهورية او الإنـزلاق في لعبة توزيع الحصص لهذا الطرف او ذاك مقابل كسب اصوات نوابه في التعديل الدستوري او في انتخابه رئيساً للجمهورية.
رفض سليمان، صدم كثيرين في 8 و14 آذار راهنوا على استجلاب وعد او أخذ تعهد من الرجل الذي يبلغ الجميع انه لن يخالف القواعد المعمول بها في كل شأن يتم بحثه معه.
وعندما قال قبل سنوات انه لا يفكر في الرئاسة لأنها لا تحق له في الدستور، كان ينتظر ربما هذا اليوم الذي اصبح ترشيحه موضع اجماع او شبه اجماع، ولو عن طريق تعديل الدستور شعبياً وسياسياً ومن طرفي الصراع الداخلي، كان ينتظر هذا اليوم ليس لأنه عمل او دبر له بل لأنه عرف حقيقة نفسه التي بقي اميناً لها فلم يلتفت الا الى ما يراه في مصلحة الجيش والوطن وبقي اميناً لمعتقده والجيش رغم كل الضغوط والظروف والعقبات، فقال فيه كل طرف الشيء وعكسه مدحاً وذماً في استنساب فاقع حتى اذا دقت ساعة الفراغ لم تجد الجمهورية إلا حاميها ليكون رأسها وهو الذي يسترشد من فؤاد شهاب القدوة والنموذج والمثال.
ووفق معلومات ((الشراع)) فإن سليمان رفض وبشكل قاطع مقايضة أحد او المساومة على ترشيحه رافضاً دفع أثمان على حساب انتظام عمل المؤسسات، فلكل حديث أوانه ولكل استحقاق موعده.
18 ساعة يمضيها يومياً في العمل بقيادة الجيش، يتابع أبسط التفاصيل وأدقها ويقف على جهوزية العسكريين وراحتهم وأمنهم من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب مروراً بكل زاروب في المدينة البعيدة والقريبة وهو يلاحق غول الفتنة ويرده خائباً او يباغت عابثاً بأمن البلد وأهله ويئد بؤراً للإرهاب وما ماثله.
فكم سيمضي سليمان في الرئاسة وهي تحتاج الى اكثر من 18 ساعة من كل يوم من ايامه! وهل سيكون مجرد رمز لهدنة بين اطراف الصراع الداخلي (الاقليمي والدولي) او حارساً للأزمة مانعاً لتفاقمها؟
لا أوهام لدى سليمان وان كان بواقعيته رؤيوياً أعد منذ زمن برنامجاً كاملاً للحكم في لبنان على قاعدة إعادة الدور المرجعي والقائد للرئاسة وسحبها من منـزلقات الحزبية والجهوية والفئوية..
لا حلول سحرية يملكها سليمان والذين يتصورون ان الامور ستحل بكبسة زر واهمون، وما يتعهد به هو الاضطلاع بمسؤولياته اذا انتخب رئيساً وفق نص الدستور والقواعد المعمول بها في المؤسسات.
الامن والاستقرار لهما الأولوية ولذلك فإن ما درج عليه في قيادته للجيش سيلتزم به في رئاسة الجمهورية، لأن الأمن والاستقرار شرطان أساسيان لوقف الإنهيار الاقتصادي أولاً وإطلاق عملية النهوض من جديد ثانياً وحسن سير الحياة السياسية في لبنان بكل ما تحفل به حريات وتيارات وتجاذبات على الطريقة اللبنانية.
وكان لافتاً ما قاله الرئيس أمين الجميل قبل أيام عن ان ما يجمع سليمان من علاقة بسوريا أمر إيجابي ويمكن توظيفه لمصلحة لبنان. هذا فضلاً عن علاقته الجيدة بأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله التي تضمن من جهة عدم نـزع سلاح المقاومة بالقوة مع احترام وإلتزام القرار 1701.
سليمان يرد كل الذين يسألونه عن أي موقف إلى سلوكه وتعاطيه وأدائه في قيادة الجيش، فالمسألة ليست بحاجة إلى إطلاق وعود أو إثبات موقف، فكل صغيرة او كبيرة في البلد كان له معها قصة، فهو ليس شخصية غامضة رغم ابتعاده عن وسائل الإعلام والدعاية الإعلامية فهو معروف بأدائه وإنحيازه الدائم لمصلحة الوطن وشعبه.
لم يستطع أحد معرفة شيء من رؤيته لحكم لبنان، فهو على خلاف المرشحين الآخرين لم يقدم رؤية في مؤتمر صحافي أو برنامجاً في إطلالة تلفزيونية إلا انه جمع ما يمكن اعتباره حصيلة مشاورات أجراها طاقمه الخاص وفي مقدمهم رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش العميد جورج خوري منذ أشهر كثيرة مع سياسيين مخضرمين تجميعاً لنصائحهم وما تنضح به خبراتهم وتجاربهم الطويلة مع تناقضات البلد وزواريب الخلافات المتشعبة فيه.
حصيلة هذه المشاورات ستكون طليعة مفاجآت سليمان وتليها صدمات إيجابية لإراحة المواطنين وإزالة ما يعتريهم من قلق وخوف ليس من الأمن فقط وإنما من الغلاء المعيشي أيضاً.
يحاذر سليمان تكبير ما سيحمله من حجارة إلا ان الذين خبروه وعرفوه يقولون انه يمهد نفسه لأصعب المهام فهو يعرف تماماً بحدسه العسكري وما اكتسبه خلال عقود من تمرسه في الحياة العسكرية انه سيدخل للتو إلى حقل مزروع بالألغام السياسية أين منه حقول الألغام العسكرية وعليه بجلد وطول أناة أن يفككها الواحدة تلو الأخرى.
تعاسة عون لا يحسد عليها وتكتله مهدد بالإنفراط
إطلالة النائب ميشال عون الأخيرة بمناسبة الإعلان عن وثيقة المطالب والثوابت المسيحية عكست حال التعاسة التي يعيشها رئيس تكتل التغيير والاصلاح والوضع الذي لا يحسد عليه الذي وصل اليه بعد اعلان قوى 14 آذار/مارس ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية وقبول القوى الفاعلة في المعارضة به اضافة الى القبول الشعبي الواسع لهذا الترشيح.
فالقبول بسليمان من قبل عون يكاد يكون بالنسبة اليه اسوأ من تجرع السم ليس فقط لانه يشكل سبباً حازماً وقاطعاً لحرمانه من حلم عمره وهو الوصول الى سدة الرئاسة بل وأيضاً لأنه لا يتجرأ على رفضه او على الدخول في مواجهة اعلامية وسياسية ضد الترشيح.
ورغم اعلانه تبنيه الترشيح واشادته بالبزة العسكرية التي تجمعهما، فإن عون وجد نفسه امام ترشيح أفقده الحجة من جهة والشعبية من جهة ثانية عندما كان بصدد تجييش الاجواء المسيحية والمارونية خصوصاً بسبب الفراغ الناجم عن شغور مركز الموارنة والمسيحيين الأول في لبنان.
فسليمان هو رئيس المؤسسة العسكرية نفسها التي يستند اليها عون وبنى شعبيته ومكانته السياسية وحجمه التمثيلي عندما كان قائداً لها.
وسليمان ابن الجيش الذي يعتبره القسم الاكبر من المسيحيين ضمانة للوطن ولوجودهم في لبنان ثانياً وتنطبق عليه كل ما يمكن ان يتحدث عنه سواء بالنسبة لقوة الشخصية او المناقبية العسكرية او البعد الوطني الشامل الذي تعبر عنه المؤسسة العسكرية.
وهو أي سليمان بالاضافة الى كل ذلك موثوق وآدمي وقبضاي وأثبت بالقول والفعل معاً انه شخصية جامعة لا تفرط بأمن الوطن والمواطن سواء بتولي حفظ الامن والاستقرار وردع العابثين بالأمن او بالقضاء على بؤر الارهاب كما حصل في مخيم نهر البارد والأهم من كل ذلك انه حريص على الحرية والسيادة والاستقلال يتصدى للعدوان الاسرائيلي بكل ما أوتي من قوة وللتدخلات الخارجية العابثة بالعزم نفسه.
والوحيد ربما الذي لا يستطيع ان يزايد عليه عون هو ميشال سليمان، ولذلك سارع الى القول انه كان احد المرشحين الذين كان يقترحهم عندما قدم مبادرته ليلة انتهاء ولاية الرئيس السابق اميل لحود، فعون يستطيع ربما ان (يشلح) الباقين مسيحياً أوراقهم او بعضها في المزايدة لكنه لا يستطيع فعل ذلك ابداً أمام ميشال سليمان.
وإذا كان الزميل نهاد المشنوق وصف اختيار النائب سعد الحريري العماد سليمان مرشحاً للرئاسة بأنه (ضربة معلم) فإن ذلك يعود لأسباب عديدة بينها قطع الطريق على محاولات الاستغلال والتجييش المسيحي التي بدأها عون فسحب منه ورقة من اوراق قوته كما ظهر في انتخابات العام 2005 النيابية عندما امتطى عون حصان الاثارة الطائفية متاجراً بقميص عثمان المسيحي تحت ستار التهميش والإبعاد ليحصد عدداً كبيراً من مقاعد النواب المسيحيين.
اما المصدر الآخر لتعاسة عون فهو حال تكتله المعرض للإنفراط اذا اقدم على خطوات غير محسوبة ورفض الامتثال للإجماع الوطني بانتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية.
وفي تفاصيل معلومات موثوقة ان عون لم يعد يملك فعلياً (مونة) القرار إلا على نحو عشرة نواب يستطيع الذهاب بهم في التصويت حيثما يشاء.
فكتلة النائب الياس سكاف ميزت موقفها عن موقفه وباستثناء النائب سليم عون فإن هذه الكتلة كانت بصدد المشاركة في اية جلسة انتخاب رئيس توافقي سواء كان العماد سليمان او غيره.
والنائب ميشال المر ومعه النائبة جيلبرت زوين والنائب وليد خوري كانوا بصدد اتخاذ الموقف نفسه، خصوصاً وان المر الأب كان نشط لتأمين عدد من النواب بمعزل عن قرار عون اذا اقتضى التوافق الوطني على انتخاب رئيس توافقي مشاركة هذا العدد من النواب، لا بل ان تباينه مع عون ظهر الى العلن خاصة عندما خرج الى وسائل الاعلام يذكر بفضله بالاصوات التي جيرها للائحة عون في المتن الشمالي في الانتخابات النيابية عام 2005.
وفي الانتخابات النيابية الاخيرة في المتن الشمالي التي جرت الصيف الماضي وأدت الى فوز مرشح التيار الوطني الحر كميل خوري على المرشح الرئيس السابق امين الجميل.
اضافة الى هؤلاء فإن اربعة نواب هم نعمة الله ابي نصر وفريد الخازن ويوسف خليل وسليم سلهب يقفون في نقطة وسط بين نواب التيار الوطني الحر الذين يأتمرون بقرارات وأوامر عون كيفما كانت وبين النواب المستعدين للخروج من التكتل اذا فرضت مقتضيات ملء الفراغ الدستوري وانتخاب رئيس توافقي ذلك.
لهذه الاسباب فإن عون الذي كان ينتظر الفرصة للثأر من اتفاق الطائف الذي اوقف حرب لبنان وأدى بسبب مواقفه الى اخراجه من قصر بعبدا، يتخبط اليوم بين مرارة الشعور بالخسارة والخيبة، ولذلك بادر الىرفع سقف مطالبه المسيحية عبر الوثيقة التي قدمها داعياً ضمناً الى تجاوز اتفاق الطائف والى نوع من الفدرلة من خلال الاقتداء بنموذجي بلجيكا وسويسرا حيث تنتخب كل اقلية ممثليها ليحصل التوافق بين هؤلاء الممثلين ولكن على مستوى القرار والقيادات، مما يعني ان الفرصة التي كان يجدها عون مؤاتية للانقلاب على اتفاق الطائف يسعى اليوم الى محاولة لتسييلها برفع سقف مطالبه لنيل ثمن يعوض عليه ولو بعض خسائره سواء من خلال حصة حكومية (حرزانة) ودور في وضع قانون الانتخاب الجديد وفي التعيينات التي ستحصل مستقبلاً لا سيما في المؤسسات الامنية.
وإذا كان عون يرفع الصوت بالدعوة الى اختيار رئيس حكومة توافقي من خارج تيار (المستقبل) وقوى 14 آذار، فإنه يدرك ان الأمر رهن بالاستشارات النيابية الملزمة وليس بخياراته هو، وكما نقل عن رئيس مجلس النواب بين بري فإن اختيار النائب سعد الحريري لهذه المهمة هو من صلاحية مجلس النواب وحده.
عون ارتضى ان يرتدي لباس العقدة، وسط مؤشرات متضاربة حول هدف هذا التعقيد بين مراهن على انها محاولة لقبض ثمن قبوله بالتسوية بسبب خوفه مما قد يصيبه في العهد الجديد وبين من يجزم فعلياً بأن عون لن يفارق اسلوبه وسيبقى كما عهده البلد على الدوام العقدة، فهل تتجاوزه ارادة اللبنانيين لانتاج حل بالحد الأدنى؟.
حلفاء سوريا بين الاتجار بالممانعة واللهاث لكسب الود الأميركي
استغربت أوساط دبلوماسية عربية الاجواء والمناخات التي يحاول حلفاء النظام السوري إشاعتها حول صفقة أميركية – سورية أبرمت في مؤتمر أنابوليس، ومباركة هؤلاء لما يمكن أن ينجم عن هذه الصفقة لبنانياً.
وإذ نفت الاوساط نفسها وجود مثل هذه الصفقة كما يروج لها بعض حلفاء النظام السوري، توقفت عند التناقض الواضح في أخيلة الحالمين بعودة الوصاية السورية إلى لبنان.
أما أبرز أوجه التناقض فهي ما يلي:
أولاً: كيف يتم إظهار النظام السوري بأنه نظام ممانعة في وجه الكيان الصهيوني ومشاريع الغزو الأميركية في المنطقة وفي الوقت نفسه يجري اللهاث خلف هذا المسؤول الأميركي أو ذاك ليس فقط لتوسل وكالات بمهمات معينة ضد أبناء العراق وفلسطين ولبنان ودول عربية أخرى تتاجر دمشق بقضاياهم بل ولمجرد حصول اجتماع أو حتى مصافحة مع هذا المسؤول أو ذاك.
ثانياً: كيف تكون الولايات المتحدة موضوعية ومنسجمة مع مصالحها في المنطقة ولا تمثل الشيطان الرجيم عندما تفوض دمشق بالوصاية على لبنان وكيف تتحول إلى قوة احتلال وعدو للأمة عندما تمنع عن النظام السوري ذلك.
ثالثاً: ان اللهاث السوري للمشاركة في مؤتمر أنابوليس ظهرت حقيقة واضحة، بعد ان انتهى عقد المؤتمر ولم يبحث لا من قريب ولا من بعيد ما وصفته دمشق بأنه شرطها للمشاركة ألا وهو إدراج الجولان كبند على جدول الاعمال. فإذا بالأمر ينكشف تماماً وهو ان دمشق كانت وما تزال ((مستقتلة)) لكسب الود الأميركي فشارك وفد منها برئاسة معاون وزير الخارجية فيصل المقداد في المؤتمر الذي لم يبحث لا من قريب ولا من بعيد قضية مرتفعات الجولان السورية المحتلة.
رابعاً: ان الحديث عن ((بيعة)) ما حصلت بين الأميركي والسوري قد يكون صحيحاً وقد لا يكون كذلك إلا ان هدفه ليس كما يعتقد حلفاء النظام السوري السذج أي العودة إلى لبنان بل إبقاء العقوبات ضد النظام السوري في إطار الضغط عليه لتغيير السلوك وليس تغييره فضلاً عن ان مثل هذه ((البيعة)) هي إدانة بشكل رئيسي للنظام السوري الذي يتحدث بلغتين ويضمر غير ما يعلن وهمه الأول والأساس هو حفظ رأسه.
خامساً: إن الحملات على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة واتهامها بأنها أميركية تارة وغربية تارة أخرى ليس له أي مسوغ أو منطق خاصة ان هذه الحكومة أبقت علاقاتها مع كل الأسرة الدولية ضمن العلاقات والمواثيق والأصول المعمول بها عالمياً. والنظام السوري يسعى لعلاقة من النوع نفسه أقله علاقة مع واشنطن وبون ولندن وباريس.. تحفظ رأس هذا النظام وتزيل عزلته بالكامل. هذه العزلة التي بدأ حلفاء النظام السوري التحدث عن بدء انفكاكها بعد ان اكتشف هؤلاء الحلفاء ان الغرب يتحدث مع سوريا للإفراج عن الاستحقاق الرئاسي في لبنان.
بري يودع فيلتمان بمثل ما ودع ايمييه
يحرص رئيس مجلس النواب نبيه بري هذه الايام على توديع سفير الولايات المتحدة في لبنان جيفري فيلتمان بمثل ما ودع به نظيره الفرنسي برنارد ايمييه قبل اشهر.
وبعد البيان اللاذع والشديد اللهجة الذي اصدره باسم حركة ((أمل)) ضد فيلتمان وختمه بالقول الشائع ((يا رايح كثر القبايح)) يبدو بري وكأنه استل سوطاً لجلد هذا الاميركي الذي يتهم بأنه يتصرف اليوم كما كان يتصرف بالامس غازي كنعان او رستم غزالة لا بل انه تجاوزهما بأشواط وانه كان بطريقة ((مهذبة)) تختلف عما يعرفه اللبنانيون او بعضهم ممن امتهن مهنة الوقوف على أبواب المفوضين الساميين من لغة ضابطي الاستخبارات السورية البذيئة والفظة والمتعجرفة.
بري عنّف بشدة سفير واشنطن خاصة في تذكيره بأن واشنطن كانت ضد انتخابه رئيساً للمجلس ويشير الى ان هذا السفير تجاوز كل حد ولم يعد يكترث ولو بالشكل لأدنى الاصول الدبلوماسية، فتراه كما يتهمه معارضون يتدخل بكل صغيرة وكبيرة ويتخذ موقفاً في كل شأن ويتلو بيانات مكتوبة او يدلي بتصريحات شفهية ارتجالية او يشارك في ندوات تلفزيونية مثله مثل سياسي في لبنان، حتى انه يفتي في الدستور ويحاضر في الاقتصاد وينظر في الحريات ويرسم للبنان واللبنانيين صورة الاصدقاء والاعداء، وقد تحول فيلتمان الى مادة دائمة في احاديث بري اليومية بأسلوب ساخر يستعيد فيه رئيس المجلس صوراً ووقائع مما دار بينه وبين فيلتمان وخاصة عندما يمارس رياضة المشي في الحديقة الملحقة بمقره في عين التينة.
آخر مرة التقى فيلتمان فيها بري قال له: هل شاهدت السفير ايمييه (السفير الفرنسي السابق) وهو يصافح وزير الخارجية السوري وليد المعلم في تركيا، فذكره بري بأنه آخر مرة التقاه فيها بحضور وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير قال له هنيئاً لك على انقرة لأنك لن تجد احداً يقرع بابك فيها مثل لبنان.
وحسب المعلومات فإن ايمييه الموجود حالياً في انقرة ينتقل يوماً واحداً الى اسطنبول لأن اولاده يدرسون فيها، وهناك فرق كما يقول العارفون بتركيا بين العيش في انقرة الجافة واسطنبول المدينة التاريخية العريقة، فكيف الفارق بين تركيا ولبنان البلد الذي يفتح ابوابه لكل وافد وأجنبي ويستضيفه ويكرمه فكيف اذا كان برتبة سفير.
بري مازح فيلتمان في آخر لقاء لهما محاولاً الايحاء له بأن مصيره سيكون مثل مصير ايمييه وقال له عندي لك معلومات مهمة فالمفاوضات السورية – الاميركية الدائرة ستعيد السفير الاميركي الى دمشق وأنا اعرفه وعندما سأله فيلتمان من هو؟ اجابه: جيفري فيلتمان.
بري الذي يعرف ان فيلتمان يمضي آخر ايامه في لبنان لمجرد انجاز الاستحقاق الرئاسي لأن مهمته في لبنان مددت لهذا السبب، لا يترك زائراً دبلوماسياً عربياً او اجنبياً او سياسياً لبنانياً الا ويوجه نقده خلاله الى فيلتمان، وهو يمتنع حتى الآن عن تحديد موعد له.
واذا كان بري لم يستقبل السفير ايمييه الا بعد ان حضر وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير هل يفعلها مع الاميركيين ايضاً ام ان استحالة زيارة وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس الى لبنان في هذه الظروف تجعله يغير رأيه؟