تأجيل الاستحقاق أم تأجيل الفراغ؟
بول شاوول
كانوا هناك في البرلمان أمس: نواب داخل القاعة يمارسون الدور الذي انتُخِبوا له، ونواب خارج القاعة يتمشون ويتغندرون في البهو وفي الممرات وفي كل مكان ما عدا حيث يجب أن يكونوا: القاعة إما لانتخاب رئيس جديد للجمهورية وإما لوضع آلية لتعديل الدستور، لكن يبدو أن مشكلة “الآلية” مستمرة منذ سنتين مع ذهاب “عصر الوصايتين” ومجيئ 14 آذار الى الحكم الذي ينتقص كل يوم من بازاريي الثامن من آذار ومن وراءَهما. فالمنقلبون حاولوا منذ تأليف الحكومة الحالية أن يعطلوا كل آلية لها، وصولاً الى “آلية” البرلمان فامتداداً الى آلية رئاسة الجمهورية مع النَتِنِ الذكر والتذكر والفوح اميل لحود. اليوم تستمر مسألة الآلية من خلال “بصيص” ما (أو وهم بصيص) لتعديل الدستور وانتخاب العماد ميشال سليمان، لكن شروطهم التي نطقها الناطق باسم الوصايتين ميشال عون، ليست أكثر من استمرارية لتعطيل آلية بآلية. (هذا إذا تمسكوا بموقفهم السلبي) لا تعطيل آلية انتخاب الرئيس بتعطيل آلية الحكومة ومن ثم بتعطيل آلية مجلس النواب.
ولم يكتفوا بالتعطيل المثلث لدعائم الدولة وآلياتها في السنتين الماضيتين حتى الآن، ولكنهم اليوم يرمون “شباك” الأعطاب الى المستقبل الآتي: أي تجاوز الدستور بتأليف الحكومة العتيدة عبر فرض شكلها وربما أسمائها، وفرض برنامج عمل على رئيس الجمهورية. ومن ثم فرض قانون انتخاب جديد، وفرض قائد جيش جديد. إذاً الأقلية تفرض آليات غير دستورية وخيارات سياسية على الأكثرية تبلغ حدود التعجيز: فالأكثرية أعطت كل ما عندها: تبنّت لائحة البطريرك فتنكر لها “الأقليون”، تراجعت عن تحفظها عن تعديل الدستور، فأملوا شروطاً على تعديل التعديل، وتبنّوا ترشيح العماد سليمان الذي سبق أن رشحه بتوع 8 آذار، فوافقوا لفظياً (حتى الآن) ثم افتعلوا ما يفتعلونه لتعطيل وصوله الى الرئاسة ربما إدراكاً لرئاسة الفراغ. فهؤلاء تعوّدوا رئيساً فارغاً تملى عليه الشروط كإميل لحود، وتعوّدوا فراغاً في الرئاسة جسّدها “أبو ضحكة جنان” ويريدون اليوم أن يستمر هذا الفراغ في الرئاسة عبر مصادرة سلطة الرئاسة بحسب الدستور، واستيعاب أي دور للرئيس العتيد، تحت شعار “حماية حقوق المسيحيين” فيا للغباء! ويا للعهر، وما نطقه ميشال عون كبوق للوصايتين لا أكثر ولا أقل، وكبراان وكبشكير لهما، ليس أكثر من محاولة إلغاء موقع رئاسة الجمهورية المحسوبة للمسيحيين بحسب دستور الطائف. إذ كيف تقطع “آلية” رئيس الجمهورية في تعيين رئيس الوزراء بحسب المشاورات النيابية، ويكون ذلك لمصلحة المسيحيين؟ بل كيف يفرض شكل الحكومة العتيدة تحت مسمى “حكومة الوحدة الوطنية”، ويكون ذلك خدمة للمسيحيين وتحصيناً لحضورهم (!). وهذا ينطبق على المجلس النيابي والحكومة: كيف يتم رفض اسم ما لرئاسة الحكومة قبل تبين إرادة النواب، وهذا يعني استمراراً في تعطيل دوره. وكيف يمكن أن يتصرّف رئيس الحكومة الجديد وقد فرضت الأقلية بيانه الوزاري عليه سلفاً وبرنامجه، وهل سيصوّت المجلس عندها على “سلة” ميشال عون التي علقها على رقبته حزب الله وحلفاؤه امتداداً الى الوصايتين. إذاً لا يريدون صلاحيات لرئيس الجمهورية باسم خدمة المسيحيين (عبر إلغاء دورهم)، ولا صلاحيات رئيس الحكومة ربما باسم خدمة المسلمين عبر إلغائهم أيضاً.
إذاً المسألة برمتها كانت وما زالت وستبقى مسألة آلية ودستور وقوانين ودولة. وهذا يكشف من جديد أن هؤلاء يستهدفون عناصر الدولة ومكوناتها، تمهيداً لاستفراسها ببديل اللادولة، والكانتونات تحت مسمى “الفدرالية” (نطقها زغلول الرابية الصدّاح وزجالها الردّاح)، ويعني أن مكونات السلطة والنظام من رئاسة جمهورية ورئاسة حكومة، ورئاسة برلمان منفصلة تمام الانفصال، بفعل تفريغها من أدوارها الدستورية أولاً وأخيراً لمصلحة خوارج الدولة والساعين الى تقسيم البلد، وتسليمه أشلاء الى الوصايتين.
هذا ما يبدو واضحاً حتى الآن، ويبقى السؤال هل سيعود هؤلاء (الأقلية) الى رشدهم والى مصلحة الوطن، ويسهلون آلية تعديل الدستور وانتخاب العماد سليمان رئيساً؟ السؤال ملتبس حتى الآن لسبب بسيط: لا نعرف ما إذا كان الضوء الأخضر قد “فُقس” من لدن الوصايتين؟ والضوء الأخضر الذي كنا ننتظره من توافق اللبنانيين أنفسهم ها هم ينتظرونه (أو وافاهم فعلاً) من الخارج: وها نحن من جديد على سكة الشروط والاملاءات و”إما”، و”إذا”، يبصقها بوقهم ميشال عون ليخفي (بذكائه غير المعهود) النيات المبيتة وراء العرقلة، وها نحن ننتظر: ضوءاً أحمر أو أخضر أو أصفر أو أسود أو أورانج (يا عين)، وبين هذه الألوان يعيش الناس على أعصابهم وعلى انتظاراتهم: هل تسوى الأمور فَيُعَدَّل الدستور ويُنتَخَب العماد سليمان، أم يُنتَخَب الفراغ ولا يأتي أحد سوى الفراغ والأبوام؟ ونظن، إنه، وأياً تكن الظروف والملابسات والضغوط وأشكال الابتزاز والترهيب والإرهاب والتخويف، فإنه مطلوب من 14 آذار أن تمارس الدور الذي منحتها إياه أكثرية الشعب اللبناني: أي الحفاظ على الدولة والدستور وآلية المؤسسات وتعزيز النظام البرلماني والديموقراطي، وحماية الإنجازات المتعلقة بالمحكمة وبالمقررات الدولية، أي دفع كل مؤامرة لإطاحة كل هذه التحقيقات وصولاً الى نقاط الصفر والفراغ والفوضى الدستورية. وهذا يعني أولاً وأخيراً الدفاع عن الأولويات الراهنة: تعديل الدستور أولاً وانتخاب الرئاسة ثانياً، على أن تخضع كل شروط الأقلية (أبو الميش سيزيدها كل يوم ولا يخاف من الفراغ (الفارغ وحده لا يخاف من الفراغ) فكأن البلاد من ملكياته ومقتنياته العائلية)، لمرحلة ما بعد الانتخابات ووفقاً للآليات الدستورية التي درجت عليها الدولة اللبنانية منذ نشوئها. وما نخشاه هو أنه كلما سُهِّلت “آلية” ما اختُلقت أخرى، وكلما تجووزت عقبة استُنبتت أخرى، الى ما لا نهاية أي حتى استنفاد طاقات الأكثرية ومعها الدولة، لتبرز عندها نواجذ التخريب والمصادرة وتفكيك كل شيء بكل شيء.
صحيح أن الأكثرية أعطت أكثر من طاقتها ولكن الأصح أيضاً أن الأكثرية لا يمكن أن تعطي ما لا يُعطى: التنازل عن اللعبة البرلمانية، وجوهر الدستور، ودور السلطات المحددة.
وهذا يعني أن الرهان على الوقت عاد لا يُجدي، وإنما الرهان على القرار التاريخي الفاصل الذي يحتكم الى الدستور والمؤسسات والدولة والقوانين وبنية النظام نفسه وما حدده له “الكتاب” كما سماه فؤاد شهاب.
أما وقد أجِّلت جلسة الأمس الى يوم الثلاثاء المقبل، فليس على الأكثرية أن تتّكل كثيراً على “منطوق” هؤلاء، ولا على “ألاعبيهم” ولا حتى على وعودهم، وإنما الاستمرار في التفاوض من أجل التوافق، والليونة في المحاورة، من دون نسيان أن هؤلاء قد “يبلعون” كلامهم ويلحسون تواقيعهم، ويبتكرون بمخيلاتهم المعلبة عراقيل جديدة، قد تؤدي الى تأجيل الجلسة المقبلة، فتأجيل الجلسات المهددة الأخرى، فيكون التأجيل هو الوجه الآخر للفراغ الذي يتيح لهم استكمال أدواتهم “الإنقلابية” التي شهدنا صوراً مُبينة منها بإذنه تعالى! وإذا كان للأقلية عبر ضوء من هنا أو ضوء من هناك، أن تستمر في ممارساتها هذه، عبر التأجيل والتسويف والمماطلة، انتهازاً لظروف ما، فإن على الأكثرية أن تحسم أمرها، إذا كان هذا الحسم، وأياً كان، يمنع استحكام “حُكم” الفراغ وتداعياته وظواهره (المعروفة). وصحيح أن الشعب اللبناني قد أصابه الكثير من الإنهاك والانتهاك، وصحيح أنه يعاني ما يعانيه من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية، لكن الصحيح أيضاً أن هذا الشعب الذي “امتهن” الصبر وعضّ الجروح وكذلك تحقيق الانتصارات، فإنه ما زال في كل ريعانه يدافع عن مصيره وعن دولته وعن ديموقراطيته وسيادته واستقلاله ودستوره ومكتسباته التاريخية. وكما حمى هذا الشعب ثورة الأرز وأحبط ما أحبط من المحاولات الانقلابية، وقاوم ما قاوم من الحروب النفسية عليه لإحباطه، فإنه ما زال يحتل مقدمة المقاومة نفسه: إذ أن فعل المقاومة اليوم ليس في مقاومة الدولة وليس في استعداء الجمهورية، أو انتهاكها، وإنما في الدفاع عن حقوقه ووجوده وكيانه ولقمته وكرامته. ومن أجل ذلك فهو ما زال مستنفراً كيومه الأول في الانتفاضة، إذ، لولاه، ولولا قوة إيمانه، لتغيّرت أمور ما كان يجب أن تُغير، وضربت مكاسب دفع ثمنها الدم والموت والشهادة.
إذاً ماذا سيحمل إلينا يوم الثلاثاء المقبل: الألوان الحمراء الداكنة أم الألوان الخضراء المبشرة. هذا ما ننتظره وأيدينا على قلوبنا، وعيوننا على الوطن كله؟ ونحن نأمل بأن يكون الثلاثاء المقبل آخر أيام التأجيل الموعود، وآخر مراحل استكمال آلية تعديل الدستور وانتخاب العماد ميشال سليمان