#dfp #adsense

هل ستعطينا الدول فرصة أخرى؟

حجم الخط

هل ستعطينا الدول فرصة أخرى؟

الأب فادي الاحمر

 

مع فراغ سدّة الرئاسة تكتمل صورة “الفوضى الدستوريّة” في لبنان. فالجمهورية بلا رئيس. السلطة الاجرائية لرئيس الجمهورية انتقلت (بالمعنى الضيّق) إلى الحكومة التي تشكك في “شرعيتها ودستوريتها وميثاقيتها” الطائفة الشيعيّة ورئيس المجلس النيابي وأكثر من ثلث المجلس وعدد كبير من المرجعيات السياسيّة. المجلس النيابي معطّل. فرئيسه يمتنع عن دعوته لممارسة مهماته. وعندما يدعوه لانتخاب رئيس للجمهورية يمتنع أكثر من ثلث النواب عن الحضور، بمن فيهم أعضاء كتلة الرئيس نفسه. فلا يكتمل النصاب وتطير الجلسة. فهل تطير معها الجمهورية؟! هل ان غَرَق لبنان في “الفوضى الدستورية” هذه سيؤدي إلى غرَقِه في الفوضى الأمنيّة تمهيداً لدخوله في الحرب الاهليّة من جديد؟! هل دخل لبنان في “الفوضى الخلاقة” الأميركية تمهيداً لإعادة صياغة السلطة فيه من جديد؟!


إن لبنان، ومنذ فترة، يواجه خطر تدهور أمني سيؤدي حتماً، إذا ما وقع، إلى حرب داخلية. غالبية المسؤولين يعلنون رفضهم الحرب. نعم. ولكن سياساتهم المتلازمة مع سياسات المحاور الاقليمية والدولية سيؤدي بنا إلى التصادم، فالحرب. لماذا؟ ما هي سياسات الدول المعنيّة مباشرة بالملف اللبناني؟


نبدأ بالاميركيين. فمنذ أكثر من سنتين ولبنان في أولويات الإدارة الاميركيّة بالرغم من انهماكها في حروبها العسكرية في افغانستان والعراق، وصراعها الديبلوماسي “الشرس” في وجه المشروع الايراني النووي، ومحاولتها كبح الصعود الاقتصادي والسياسي للصين، ومنافستها الاقتصادية للاتحاد الاوروبي، والوقوف في وجه روسيا التي تسعى إلى عالم متعدّد القطب… إلا أن وجود لبنان في اولويات الادارة الاميركية في هذه المرحلة لا يعني كونه هدفاً بحد ذاته لها. فالهدفان الاساسيان للولايات المتحدة هما: النفط وأمن اسرائيل. ويأتي تدخّلها المباشر في المسألة اللبنانيّة بهدف إزالة الآلة العسكرية والامنية لـ”حزب الله” ونزع سلاح المنظمات الفلسطينية لإلغاء الخطر عن شمال اسرائيل. من هنا عملت على إصدار القرارات الدوليّة بشأن لبنان وشجّعت الحوارات اللبنانية الداخلية علّها تؤتي ثمارها. ولكن فشلت هذه الحوارات في اقناع “حزب الله” والضغط عليه للتخلّي عن سلاحه ومقاومته العسكرية ضد اسرائيل. انتظرت ادارة بوش انتخاب رئيس من قوى 14 آذار يضع هذه المسألة على بساط البحث في الحكومة الجديدة ومجلس النواب. فلم يُنتخب هذا الرئيس. وفي حال الاستمرار في الفراغ الرئاسي، هل يكون الدفع باتجاه التصادم الداخلي إحدى الخيارات الاميركية؟ عندها يوجّه الحزب سلاحه نحو الداخل، فتسقط هالة “قدسيته”.


وللتذكير فقط، تلك كانت الطريقة التي استعملتها الولايات المتحدة واسرائيل في العام 1975 للتخلّص من المقاومة الفلسطينية.


ان سوريا، وبعد خروج قواتها العسكرية “المذّل” من لبنان في نيسان 2005، تريد قلب السلطة التي قامت ضدّها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري للامساك مجدداً بالورقة اللبنانيّة. الفوضى الدستورية والفراغ الرئاسي يهيئان لها الطريق. هذا ما كان يحصل عندما كان رئيس الحكومة يُقاطع رئيس الجمهورية فيستنجد الجميع بالسوريين. والفراغ الرئاسي في العام 1988 ادى الى اتفاق الطائف فوضع اليد السورية على لبنان. والاشكالات الامنيّة هي احدى الوسائل لقلب الطاولة في لبنان.


الإيرانيون، ومن خلال “حزب الله”، أقوياء في لبنان. سياستهم فيه بدأت منذ فترة تتمايز عن تلك السورية ولكن ليس إلى درجة الخلاف على مواجهة الاميركيين في مشروعهم في الشرق الاوسط عامة ولبنان خاصة. هم يفضّلون الهدوء والحوار ولكن ليس لمناقشة سلاح “حزب الله” ومقاومته المسلّحة ضد اسرائيل، إنما من أجل تمتين الوضعية السياسيّة للشيعة في لبنان. منذ ربع قرن والثورة الاسلاميّة تبني هذه المقاومة وتدعمها سياسياً وعسكرياً. ليس من أجل زجّها في حرب داخلية تؤدي إلى “لا غالب ولا مغلوب”، إنما تمهيداً لسيطرة الشيعة على الحكم في لبنان، أو في أسوأ الاحوال تحسين وضعيتهم السياسيّة. انطلاقاً من هذا الهدف فإن الفوضى الدستورية وعدم انتخاب رئيس يلائمان ايران والشيعة في لبنان. فالفراغ الرئاسي الحالي سيدفع في اتجاه طرح مسألة الدستور اللبناني وتعديله من أجل الخروج من الأزمة كما حصل بين العامين 1988 و1989. عندها سيطالب الشيعة في لبنان، المدعومون من إيران القوة الشرق الاوسطيّة وربما “النووية” قريباً، بِحُصّة أكبر في السلطة تتناسب مع حجم الطائفة الشيعية في لبنان وحجم تضحياتها في تحرير ارضه من الاحتلال الاسرائيلي، وتتناسب أيضاً مع قوّة ايران الاقليمية. فهل ستقبل المملكة العربيّة السعوديّة الراعية لدستور الطائف والموحية به؟


باستشهاد الرئيس رفيق الحريري تعرّضت سياسة المملكة العربيّة السعودية في لبنان الى نكسة كبيرة. لذلك، وخلال الازمات السياسيّة المتوالية منذ سنتين، كان للمملكة موقف ثابت: الحفاظ على الهدوء الامني والسياسي في لبنان. فهي لا تريد الفوضى التي ستسمح لسوريا بالقبض مجدداً على الورقة اللبنانيّة، والتي ستؤدي الى فتح جبهة ساخنة مع ايران في لبنان، إضافة الى الجبهتين العراقية والفلسطينية. إن المملكة تُدرك جيداً قوّة النفوذ الايراني الشيعي المتعاظم في الشرق الاوسط وديناميته وخطره عليها. فخلال ربع قرن تمكّنت الثورة الاسلامية الايرانية من “خطف” راية الزعامة الاسلامية، وخطف سوريا من العالم العربي من خلال ابرام تحالف معها، وخطف الورقة الفلسطينية من خلال دعمها حركتي “حماس” و”الجهاد الاسلامي”. أما في لبنان فقد نجحت بابقائه ساحة مواجهة عسكرية مع اسرائيل وافشال، أو تأخير، مشروع اعادة البناء الاقتصادي فيه. ومع سقوط العراق في العام 2003 خسر الاسلام السني دولةً قوية وامتد النفوذ الايراني الشيعي الى قلب الخليج العربي. إضافة الى كل ذلك، تخشى المملكة استمرار المشروع النووي الايراني الذي يصعب على المجتمع الدولي ايقافه. من هنا سعيها لفصل لبنان عن ازمات المنطقة والحفاظ على الهدوء فيه، وبذلك تلتقي مع السياسة الفرنسية. فبعد توقّف المبادرات السعودية قامت فرنسا بالمبادرة للتوصّل إلى رئيس توافقي في لبنان. لماذا؟ ما هي اهداف السياسة الفرنسيّة في لبنان؟


فرنسا تريد العودة الى الشرق الاوسط والتي خسرت كامل اوراقه. في بداية هذا القرن، حاولت العودة اليه من خلال البوابة السورية والرئيس السوري الجديد آنذاك، بشار الاسد. لكنها خُذِلت. في ايلول 2004 التقطت باريس الفرصة حين التقت مصالحها مع مصالح واشنطن مما انتج القرار 1559. لكن استشهاد الرئيس رفيق الحريري، الصديق الشخصي للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، كان صفعة قويّة لها. فكثّفت من تنسيقها مع الولايات المتحدة الاميركية لتحرير لبنان من الوصاية السورية. إلا ان التقاء المصالح هذا لا يعني الالتقاء في الاهداف. فلبنان المستقلّ والآمن والمزدهر والقوي هو هدف لفرنسا لأنه بوابتها الى الشرق الاوسط، كما كان دائماً. بينما هو وسيلة للولايات المتحدة الاميركية. فالأولى تستعمل كل الوسائل لتحقيق هذا الهدف، وقد شهدنا ذلك من خلال مبادراتها المتنوعة، وكان آخرها مبادرتها لانتخاب رئيس للجمهورية. بينما الثانية تستبدل الوسائل عندما تتأكد من عدم جدواها في الوصول الى الهدف: أمن اسرائيل.


ان طرح اسم العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية ربّما يكون المَخرج لتفادي الفراغ في سدّة الرئاسة الذي يُدرك الكلّ مخاطره؟! فهل سيتّفق عليه اللبنانيون؟! وهل ستقبل به الدول المعنيّة؟! وهل الاتفاق عليه والقبول به سيكونان خطوة في اتجاه معاودة الحوار الداخلي؟! وفي حال انتُخب العماد رئيساً للجمهورية، هل سيُقنع الاطراف الداخليّة بالتخلّي عن سياسة المحاور الدوليّة والاقليميّة والتزام سياسة لبنانيّة موحدّة من خلال حكومة لبنانيّة قويّة؟! وهل ستُعطي الدول فرصةً أخرى للبنانيين لحل مشاكلهم بأنفسهم؟!


التعقيدات متشعّبة والتحدّيات كبيرة والصعوبات كثيرة. الا ان مواجهتها في ظلّ وجود رئيس للجمهورية وحكومة يعترف بها الجميع افضل من الاستمرار في الفراغ الرئاسي والفوضى الدستورية التي تُهدّد بالتحوّل الى “فوضى خلاّقة” على الطريقة الاميركية!

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل