#adsense

الحرية

حجم الخط

الحرية

احمد عياش

 

كان يوم احد، مثل اليوم، وفي الشهر كانون الاول، مثل هذا الشهد، عندما انقسم المشهد اللبناني بين جمهورين: الاول كان متدفقا الى وسط بيروت تلبية لدعوة المعارضة التي اطلقت مرحلة الاعتصام الذي لا يزال قائما حتى اليوم. والثاني، متوجها الى بيال على الطرف الشمالي للوسط تلبية لدعوة “النهار” للذكرى الاولى لاستشهاد جبران تويني واطلاق جائزة سنوية دولية تحمل اسمه. ولا تبارح الذاكرة مشهد قسمة الطريق البحرية الممتدة من المرفأ شرقا الى عين المريسة غربا. في القسم الشمالي كان جمهور بيال يتحرك ذهابا وايابا قبالة القسم الجنوبي الذي اعتمده جمهور المعارضة في تنقلاته من والى منطقة المهرجان الذي تحول اعتصاما. وفي منتصف الطريق كانت القوى الامنية تراقب وتحرس تحرك الجمهورين في اتجاه مقصديهما، وانقضى ذلك النهار من دون ان يحدث شيء في الزمن ولكنه انتهى الى احداث وطنية وسياسية كبرى.


اللبنانيون في ذلك اليوم اعلنوا حقهم في حرية التعبير وفق منطقين متباينين كان قد بدأ يتبلور في آذار عام 2005 فانقسموا شيعتين: 8 و14 آذار وهم الى اليوم على هذه الصورة.


اما اليوم فقد طرأ على هذا المشهد بعض التعديل. وهو ليس بالبسيط. فيوم السبت الماضي كان مشهد المجتمعين في مخيم المعارضة لاحياء ذكرى مرور عام على قيامه متواضعا جدا مقارنة بالحشود الضخمة العام الماضي. وقبل يومين، كانت بيروت غارقة في قسمة التدابير الامنية التي تريد ان توفر للنواب ممراً آمنا وهادئا للوصول الى ساحة النجمة للمشاركة في جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية مقابل ممر مكتظ بآلاف السيارات والحافلات التي تحمل المواطنين الذين كانوا يتنقلون لأسباب العيش فاذا بهم ضحية محاولة جديدة تحمل الرقم سبعة لانتخاب رئيس لجمهوريتهم لكنها لم تصل الى نتيجة.


التعديل في المشهد الداخلي يطلق صفارة انذار. فالحرية التي ينعم بها الموالون والمعارضون على السواء ليست من نوع غير قابل للنفاد. والحرب في لبنان قبل 32 عاما مليئة بشواهد وعبر. فاذا لم تؤد الحرية الى استنباط الحلول فان غير الحرية ستفعل ذلك سواء أكانت الميليشيات ام الجيوش الخارجية شقيقة وصديقة وعدوة.


بمنطق الحرية التي لم تنفد بعد، يجتاز الجميع اختبارا يبدو انه حاسم. فاذا تمكن النواب من انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان غدا او بعد غد رئيسا للجمهورية فمعنى ذلك انهم اختاروا الحل الوسط الذي جعل جمهوري 8 و14 آذار يمارسان حريتهما من دون هدم الهيكل فوق رؤوس الجميع. اما اذا عجزوا عن ذلك فانهم يعطون الضوء الاخضر للاحرية التي تتجمع في الافق سحبها القاتمة.


المغزى العميق لقرار الاكثرية تبني خيار العماد سليمان رئيسا للجمهورية مع المرارة التي اثارها في عقول التواقين الى مسيرة الديموقراطية المدنية المدينة الكاملة، هو ان الاحرار يحتاجون الى حماية الحرية بخيار امني عندما تكون الخيارات الاخرى مهددة متوعدة.


الموقف المطلوب من المعارضة الآن ان تلاقي الاكثرية في هذا المنتصف من الخيارات. ولا ينفع الغرق في بابل عدم الاعتراف بشرعية الحكومة للاطاحة بهذه الفرصة. انها ليست تضحية عظيمة ان يعود الوزراء المستقيلون الى السرايا لساعات قليلة فقط ليوقعوا مشروع قانون تعديل الدستور، بل الكارثة العظيمة الذهاب الى مسلك ملتو دستوريا لتسجيل انتصار على الاكثرية في الحكومة يبدو وهمياً بكل ما في الكلمة من معنى.


الذهاب اليوم الى مؤتمر جبران تويني في بيال يحمل علامة مضيئة للحرية في لبنان. ولينتبه الجميع مجددا: ان لصبر الحرية حدوداً فلا تسقطوها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل