#dfp #adsense

قائد الجيش يمثّل “التسوية الممكنة” ومروره بـ”النظام العربي” إشارةٌ إيجابية

حجم الخط

قائد الجيش يمثّل “التسوية الممكنة” ومروره بـ”النظام العربي” إشارةٌ إيجابية

ميشال سليمان ليس فؤاد شهاب لكنّه شهابي

نصير الأسعد

 

لا يزال الوقتُ مبكّراً لمراجعة “شاملة” لتجربة الحركة الاستقلالية “الحديثة” في الفترة الممتدة بين آذار 2005 واليوم، في ضوء النتائج الآخذة في الإرتسام.


ومع انّ “التسوية” القاضية بتعديل الدستور لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، لا تزالُ غير متحقّقة “بالفعل” بسبب عراقيل “المعارضة” التي لم يأتها “الضوء الأخضر” السوري بعد، فانّ هذه “التسوية” التي تشقّ طريقها تسمحُ بالحديث عن نتائج مرحلة سابقة وملامح مرحلة جديدة.


في نتائج المرحلة السابقة انّ 14 آذار لم توصل واحداً منها إلى الرئاسة لا من بين المرشحين رسمياً من صفوفها ولا من الإطار “الوطني العريض” لحركة الاستقلال اللبناني. ولم تستطع أن تجعل من الاستحقاق الرئاسي محطة حاسمة على صعيد تكريس استقلال لبنان وسيادته، ليس لأنّ العماد سليمان غير إستقلالي، بل بسبب التوازنات على غير صعيد.


الخلل في التوازن و”التسوية الممكنة”


وهنا لا بدّ من القول إنّ إنجاز الاستقلال الثاني اصطدم بعاملَين رئيسيين. الأول هو الوضع المسيحي، الماروني تحديداً. كان التصويتُ المسيحي الكثيف للجنرال ميشال عون في انتخابات العام 2005 تصويتاً 14 آذارياً بامتياز أي على شعارات 14 آذار وعناوينها. غير انّ عون وضع هذا “التفويض” في جيبه وانتقل به إلى ضفّة اخرى، ضفّة إعادة سوريا إلى لبنان. أمّا الثاني فهو الوضع الشيعي، إذ حُجزت الطائفة الشيعية بثنائية تمثيلها السياسي ومُنعت من التفاعل مع الحالة الاستقلالية بين التخويف على المصير في مرحلة ما بعد الوصاية السورية وربط مصير الطائفة بموقع حزبها أو أحزابها.


لم يُنجز الاستقلال الثاني إذاً بسبب توازن داخلي لعب التمثيل السياسي المسيحي العوني دوراً سيئاً في إطاره، ولعب التمثيل السياسي الشيعي دوراً سلبياً حياله. وإلى ذلك يضاف انّ التوازن الخارجي، الإقليمي والدولي لم يتقدّم إلى محطة “حاسمة” تغلّب إنجاز الاستقلال اللبناني في هذه المرحلة و”دفعة واحدة”.


على هذا الأساس، فانّ طرح 14 آذار إنتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، إنّما هو طرحٌ “واقعي”. هو تعبيرٌ عن التوازن الموجود وترجمة له من جهة، وهو “التسوية الممكنة” من جهة ثانية، بالرغم من انّ هذه “التسوية الممكنة” لم تُصبح بعدُ “حتميّة”. وأن يكون العماد عنواناً لـ”التسوية الممكنة” ليس فيه إنتقاصٌ لشخصه. لكن أن تكون التسوية هي “الممكنة” وليس أكثر، فمعنى ذلك انّها “ناقصة” أو “غير مكتملة”.


شهاب وعبد الناصر.. سليمان و”النظام العربي”


هنا دور سليمان “الرئيس” كي يستكملها.


ثلاث “تجارب عسكرية” مرّت على لبنان. واحدة منها إيجابية ولو لم تكن كذلك مئة في المئة هي تجربةُ الرئيس اللواء فؤاد شهاب. أمّا التجربتان الأخريان أي الجنرال عون والعماد إميل لحود فدخلتا التاريخ اللبناني الحديث كتجربتين من “لون أسود”. ومعروفٌ عن ميشال سليمان انّه “غير معجب” بتجربتَي عون ولحود، وانّه يعرّف نفسه ويتعرّف عليها في المدرسة الشهابيّة.


في أدائه قبل أن يصبح رئيساً، أعطى قائد الجيش إشارات شهابية. فليس تفصيلاً على الإطلاق أن يكون إعتبر انّ “ممرّه الرئاسي” عربي، في وقت تقوم بينه وبين دمشق علاقة “محترمة”. وذلك يعني ما يأتي: عندما انتُخب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية اللبنانية في العام 1958 بعد حرب أهلية “قصيرة”، وفي أوج المدّ الناصري في المنطقة ولبنان، رأى انّ أفضل حماية للبلد هي تسوية تاريخية بين لبنان وجمال عبد الناصر فتوجّه إليها بإقدام، واستمرّت ساريةً حتّى نهاية العهدين الشهابيين في العام 1970، وقضت بعدم تدخّل القاهرة في الشأن اللبناني في مقابل تناغم لبنان من ضمن طاقته وما يستطيعه مع السياسة الخارجية لـ”الجمهورية العربية المتحدة” آنذاك. أمّا عبد الناصر اليوم لا يمكن أن يكون بشّار الأسد. ذلك انّ بين عبد الناصر المعترف بالكيان اللبناني وبخصوصياته ومميّزاته وحدود قدرته على أن يكون في “المواجهة” وبين بشّار الأسد المتطلّع دائماً إلى إلحاق لبنان، فارقاً كبيراً. عبد الناصر اليوم هو “النظام العربي”، هو محصّلة “النظام العربي”. والتسوية الشهابية اليوم فلا يمكن أن تكون مع النظام السوري وحده باسم “النظام العربي”، ويجب أن تكون مع “النظام العربي” وفي إطاره سوريا.


إذاً، لتأكيد انتمائه إلى مدرسة فؤاد شهاب، لا بدّ أن يسلك ميشال سليمان دروب العلاقة بـ”النظام العربي” مدخلاً إلى حماية لبنان.


الديموقراطيّة والديناميّات.. بلا عسكر


هذا على صعيد إستكمال إستقلال لبنان وحمايته. غير انّ للتجربة الشهابيّة “السابقة” جوانب أخرى. فؤاد شهاب كان مارونياً أو أميراً مارونياً في رئاسة الجمهوريّة، لكنّ الشهابيّة حاولت ما إستطاعت تخطّي الحدود الطائفيّة. وهذا يعني انّه إذا كان طبيعياً أن تشكل الرئاسة اليوم مركز إستقطاب مسيحيّاً، وعلى حساب فريق مسيحيّ، وبسبب من “الخلل السياسيّ المسيحيّ”، فمن الضروريّ في المقابل أن يعرض “الرئيس” سليمان مشروعاً أو رؤية “وطنيّة” أي “لبنانيّة عامّة” خاصةً أنّ رئيس لبنان المارونيّ لم يعد ملِكاً مطلقَ الصلاحيّات بل حكَماً يفترض أن يكون عادلاً. على انّ أهمّ ما يعنيه هذا الكلام هو الآتي: يجب أن يكونَ عهدُ ميشال سليمان عهد إطلاق الديناميّات السياسيّة التي منعت الوصاية السوريّة إنطلاقها طوال خمسة عشر عاماً في ظلّ إتفاق الطائف، أي أن يكون عهدُه عهداً ديموقراطياً.. وكي يكون كذلك لا يمكن أن يعتمدَ على العسكر و”المكتب الثاني” كما في الجانب السلبيّ من تجربة فؤاد شهاب بعد 1960 خصوصاً، بل لا بدّ أن يتعامل مع “إجتماع سياسيّ” حرّ تقرّر توازناته ديناميّات سياسيّة حرّة، إذا كانت كذلك بالفعل ستكون ديناميّات “إختلاط” لبنانيّ بما يثبت انّ الطائف ليس فيدراليّة طوائف، بل هو بديناميّات مِن هذا القبيل منطلقٌ للبنان جديد بالفعل.


المؤسّسات والدولة


ولا يستقيمُ الأمر إلاّ بإعادة الإعتبار للمؤسّسات، أي بإعادة الاعتبار للدولة. فؤاد شهاب الآتي من الجيش كانَ رجلَ مؤسّسات أي رجل دولة. ولا يمكنُ لدولةٍ أن تقوم بوجود دويلات موازية. ولا بدّ أن تكون لدى “الرئيس” سليمان رؤيةٌ لتحقيق وحدانيّة الدولة: الديناميّات السياسيّة لحماية النظام السياسيّ الديموقراطيّ البرلماني، ولحماية وحدانيّة الدولة.


إذاً ربطاً بالمقدمات، يمكنُ القول انّ “التسوية الممكنة” التي تتجسد بميشال سليمان، يمكن أن تغدوَ تسويةً مكتملة أي غير ناقصة. والعبرةُ أن يتمّ الإستحقاق بعد غدٍ كي تدخلَ البلاد في مرحلة جديدة. وستكونُ قضايا كثيرة جداً مهمة في نقاش هذه المرحلة الجديدة التي تبدأ بانتخاب سليمان وتشكيل الحكومة.


وخلاصةُ القول انّ العماد سليمان ليسَ اللواء فؤاد شهاب، ولا أحدٌ يمكنه أن يكون أحداً آخر “حرفيّاً”. لكنّه شهابيّ، أي من المدرسة ذات المنشأ العسكري انّما “المسيّسة” بل “المسيّسة” جدّاً.
وبعدُ، فإنّ الأيّام هي المحكّ.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل