قصَّة إنضاج الإستحقاق : واقعيَّة 8 آذار أوقعت عون في عزلة
الهام فريحه
الهام فريحه
إذا كان من توصيف يمكن أن يُعطى للإستحقاق الرئاسي الحالي، فإن أفضل ما يُقال عنه إنه إستحقاق (حرق الأعصاب) لا بل (حرق) كل الآليَّات التي لها علاقة به! – فهناك حرق نحو ثمانين يوماً، بين الثالث والعشرين من أيلول الماضي، والسابع من هذا الشهر. – وهناك حرق لعشرات الأسماء من المرشَّحين، ستة منهم على لائحة البطريرك صفير، وعددٌ موازٍ لهم لم يدخلوا في اللائحة البطريركية. – وهناك حرقٌ للنصف زائداً واحداً ولعقد الجلسة برئاسة نائب رئيس مجلس النواب، وفي قصر بيت الدين أو فندق فينيسيا. * * * كان البلد، في هذه الأيام الثمانين ينام على تفاؤل ويصحو على تشاؤم، أكثر من مرشَّح (تقبَّل التهاني) ليكتشف لاحقاً أن الكرسي طارت من يده. إنتهت المهلة الدستوريَّة ودخلت البلاد في مدار (فخامة الفراغ)، خرق جدار المأزق قرارٌ من قوى الرابع عشر من آذار بالتنازل في نقطتين: القبول بمبدأ تعديل الدستور، وترشيح العماد ميشال سليمان.
أُسقِط من يد العماد ميشال عون، فهو كان يراهن على أن قوى 14 آذار لن تُقدِم على هذه الخطوة بل ستُغامر في الذهاب إلى خيار النصف زائداً واحداً وهذا ما حمله على (تحضير الأرض) للنزول والإعتصام وعلى تعبئة الرأي العام من خلال المشاورات التي أجراها
وفيما جبهة الرابية كانت تستعد لإعلان الإستنفار، كان (الإستنفار) السياسي والدستوري على أشدِّه بين عين التينة وقريطم:
طرحت قوى 14 آذار تعديل الدستور وترشيح العماد سليمان فجاء الجواب الأولي أن آلية التعديل تصطدم بلا شرعيَّة الحكومة، فكان التخوُّف الأول من ضياع الفرصة الأخيرة، أُعطيت الإتصالات جرعة منشِّطة من خلال عودة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، ومن خلال بدء التفتيش عن مخارج دستوريَّة جرى تكليف النائب ووزير العدل السابق بهيج طباره، ومعه القاضي المتقاعد عفيف المقدّم بإيجاد المخرج الدستوري، فكان رأيهما أن لا إمكانيَّة للتعديل إلا عبر المرور بهذه الحكومة.
مرّة جديدة، أُسقط من يد العماد عون فطرح مجدداً سلة من الشروط منها أن تكون ولاية الرئيس الجديد لسنة وسبعة شهور، أي إلى حين إستحقاق الإنتخابات النيابيَّة صيف 2009، وأن يكون رئيس الحكومة (توافقياً) أي من خارج تيار المستقبل ومن خارج قوى 14 آذار، اصطدم الشرطان بأكثر من جهة، فالعماد سليمان لا يقبل بولاية منقوصة، وتسمية رئيس الحكومة تخضع لإستشارات نيابيَّة مُلزِمة.
دخل العماد عون في دائرة الإحراج ولم يَعُد في يده سوى وقوف الحلفاء معه أي حركة أمل وحزب الله، فماذا جرى?
إجتماع الخميس الماضي ليلاً في الرابية كان حاسماً
عن حزب الله المعاون السياسي للأمين العام، الحاج حسين خليل ومسؤول الإرتباط وفيق صفا، وعن حركة أمل النائب علي حسن خليل وأحمد البعلبكي، دُرِسَت كل الإحتمالات لكن (الحلفاء) أبلغوا إلى العماد عون أن المناورات إستُنفِدَت.
جاءت جلسة يوم الجمعة على وقعِ موقفٍ لمستشار مرشد الثورة الإسلامية، علي لاريجاني، الذي أشاد فيه بترشيح العماد ميشال سليمان. قرأ البعض في هذه (الأشادة) كلمة سر إيرانيَّة (للحلفاء)، وكان لافتاً أن رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد أنضمَّ، يوم الجمعة إلى خلوة الرئيس بري والنائب الحريري وأطلع على الصيغ المقترحة للتعديل الدستوري لنقلها إلى السيد حسن نصرالله.
هكذا دار الإستحقاق دورة كاملة، إكتشف العماد عون أن الحلفاء لن يسيروا معه إلى آخر طريق المعارضة وليس مهماً الصفة التي تُطلَق على هذا الموقف، سواء أكانت (خذلاً) أو (تخلياً) أو عدم قدرة على مجاراة الإعتراض بسقوف عالية، بل المهم أن (واقعيَّة) 14 آذار لاقتها (واقعيَّة) 8 آذار في منتصف الطريق، فوجد العماد عون نفسه وحيداً.