لماذا قال بري بوجود الحل في جيبه ثم أخرج عقدة جديدة؟
شكوك في تشدد إقليمي لتطويل أمد الفراغ الرئاسي
شكوك في تشدد إقليمي لتطويل أمد الفراغ الرئاسي
روزانا بومنصف
يواصل بعض الديبلوماسيين المعتمدين في لبنان اتصالاتهم بالرئيس نبيه بري باعتباره رئيس مجلس النواب وأحد أركان المعارضة رغم انهم لا يخفون “إحباطا” من نتائج اللقاءات معه. فالرجل يتعاطى سياسيا وفق أسس تجعل المتصلين به يثقون بنيته حل الامور، في حين أنه يعجز غالبا عن التزام ما وعد به، عازيا في الغالب العرقلة او الصعوبات الطارئة الى أفرقاء في المعارضة، رغم انه يمثل في المبدأ ليس “حزب الله” وحركة “أمل” فحسب بل ايضا “التيار الوطني الحر”، وهذا ما حصل في الساعات الاخيرة على اثر التوافق السياسي مع رئيس “كتلة المستقبل” النائب سعد الحريري على موضوع تعديل الدستور من أجل الافساح في المجال امام انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان، إذ ان الاتصالات التي أجريت مع بري أظهرت ضرورة مراجعة “حزب الله” كي يرسل وزراءه للمشاركة في جلسة التعديل الدستوري قائلا انه لن يرسل وزراءه للمشاركة في الجلسة الحكومية، علما أنهم كانوا على تواصل تام مع الحكومة وقراراتها الى حد لا يمكن معه القول انهم استقالوا، اللهم باستثناء انقطاعهم عن حضور جلساتها والمشاركة في قراراتها على الطاولة.
ويبني بري رفضه على انه لن يقبل، كما نقل عنه، ان تكتسب الحكومة “البتراء” شرعية، في حين يعتبر المتصلون به ان ثمة من وضع عصيّاً في دواليب العربة التي حاول المشاركة في تسييرها، وأن ثمة انتقادات وجهت الى الاداء الذي يعتزم سلوكه، بعد ساعات قليلة من تحديده الثلثاء المقبل موعدا للجلسة المفترضة لانتخاب الرئيس العتيد للجمهورية. ذلك انه أكد على مدى أكثر من عشرة ايام انه يمتلك الحل الدستوري متى حصل التوافق السياسي على انتخاب العماد سليمان. وبعدما هدأت حمأة المطالب السياسية التي قالت المعارضة ان ورقة مبادئ وضعت في شأنها خلال وجود وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في بيروت وبرعايته، وبعدما طلب بري مجموعة دراسات قانونية تتيح لمجلس النواب السير في التعديل الدستوري وقدمت اليه فعلا مجموعة اقتراحات، بدت الامور مجددا مثار تشكيك في امكان حصول التعديل والانتخاب غدا الثلثاء.
وواقع الامور انه رغم الامال التي ارتفعت بعد انفضاض عقد النواب يوم الجمعة الماضي باحتمال انتخاب رئيس للجمهورية غدا الثلثاء، بقيت الخشية كبيرة لدى العارفين ببواطن الامور وخفاياها من بروز عراقيل اضافية بعدما أثيرت مشكلة الحكومة في التعديل الدستوري، ولم يفهم علامَ كان يبني بري تأكيداته السابقة حول امتلاكه الحل لهذه العقدة، ثم فجأة عاد فأخرج العقبات الدستورية من جيبه. وقد لفت ديبلوماسيين ومراقبين سياسيين محليين التبدل في موقف النائب في كتلة “الوفاء للمقاومة” الوزير المستقيل محمد فنيش من مقترح لعودة الوزراء الشيعة الى الحكومة للمشاركة في تعديل الدستور وعودته عن هذا الاقتراح لاحقا الى اشتراطه النظر في قرارات الحكومة وليس التحفظ عنها فحسب. كذلك لاحظ هؤلاء انضمام عدد من المسؤولين في “حزب الله” وكذلك في حركة “أمل” الى الحملة نفسها، مما دفع المراقبين والديبلوماسيين الى السؤال عما اذا كان ذلك ما خلصت اليه نتائج الاجتماع الذي عقد قبل ظهر الجمعة في دمشق بين ممثلين للقيادة السورية وممثلين للمعارضة في لبنان. فالتسوية تقضي بأن يتقدم كل فريق خطوة الى الامام، ولم تقترح الاكثرية ان تعترف المعارضة بشرعية الحكومة ولا بإقرار قراراتها، بل حضت على مشاركة وزراء المعارضة لاعطاء شرعية اضافية او اكمال شرعية الحكومة في موضوع التعديل الدستوري.
وتقول مصادر قريبة من المعارضة ان مؤشرين ربما رفعا نسبة التفاؤل باجراء الانتخابات الرئاسية غدا الثلثاء، أحدهما تأكيدات بري السابقة لوجود الحل الدستوري في جيبه، وهو العارف والمدرك، ومن دون استشارات قانونية، ماهية التعديل الدستوري المطلوب لتعديل المادة 49 من الدستور وطبيعته، وقد انتظر الى اللحظة الاخيرة ليعلن رفضه العودة الى الحكومة تحاشيا للاعتراف بشرعيتها. والعبارات التي توجه بها النائب الحريري الى رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” محمد رعد الجمعة الماضي وسأله فيها عما اذا كان معقولا ان توضع العراقيل في وجه العماد ميشال سليمان، متمنيا ان ينقل هذا السؤال الى الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله. ولم يتسم جو اللقاءات بأي تشنج أو توتر، بل كان طبيعيا ومعقولا.
وتقول مصادر الاكثرية انها لم تطمئن فعلا الجمعة الى التفاؤل الذي ساهم بعضهم في تعميمه، خصوصا بعدما بدا واضحا تبادل المعارضة الادوار بين عقدة سياسية رفعها أولا النائب العماد ميشال عون امام انتخاب العماد سليمان، ثم عقدة دستورية تولاها الرئيس بري باسم المعارضة، علما ان بعضهم يقول ان إحالة بري على الاكثرية حل موضوع ترشيح سليمان مع العماد عون بدلا من أن يتولى هو ذلك أثارت التساؤلات عما اذا كان بعض أركان المعارضة ممن رشحوا العماد سليمان سابقا كانوا يرغبون فعلا في وصوله الى الرئاسة أم أن ذاك الاقتراح رمي في وجه زوار ديبلوماسيين كي يظهر أفرقاء في المعارضة ان لديهم مرشح غير العماد عون الذي يعرفون انه لم تكن لديه حظوظ فعلية في الوصول الى الرئاسة في حسابات الزوار المعنيين.
وفي هذا السياق كان اقتراح العماد سليمان في ذلك الوقت لادراك من اقترحوه ان تعديل الدستور لم يكن واردا في الاساس. أما وقد تمت تزكية سليمان للرئاسة من الاكثرية فان المعارضة تصرفت حتى الآن كأن الاكثرية أخرجت رئيسا من صفوفها وان المعارضة ستكون خاسرة في هذه الرئاسة، بدلا من مبادرتها الى اقتناص الفرصة كي تثبت ان الاكثرية ذهبت في النهاية الى ما كانت طالبت به المعارضة أصلا.
هذا في اللعبة الداخلية، أما في واقع الامور فان ثمة تشكيكا قويا في ان التشدد يحصل اقيلميا بنية ابقاء الفراغ أطول مدة ممكنة، خصوصا بعدما ثبت ان شد الخناق على لبنان كان مثمرا ليس في فك العزلة الدولية فحسب بل في الاقرار باستمرار تأثير سوريا واستمرار نفوذها في لبنان. وربما يساهم المزيد من الفراغ في تحصيل مكاسب اخرى في لبنان عبر المعارضة، وفي خارجه أيضا.