دماء الاستقلاليين تكتب تاريخ لبنان
أحمد الجارالله
من يتابع مسلسل جرائم الاغتيالات في لبنان يتضح له ان الذين دفعوا دماءهم وأرواحهم ضريبة لحرية الوطن واستقلاله هم نخبة المجتمع ورواده الذين سموا بعظمتهم الى أرفع مراتب الايثار وبذل التضحيات رخيصة على مذبح قيامة الوطن.
وفي موازاة قائمة الشهداء ضحايا الاغتيالات ثمة قائمة أكبر وأعم تشمل الشهداء الاحياء المهددين كل لحظة بأن تنتقم منهم يد الاجرام التي ما برحت تعصف بأمن لبنان واستقراره لتحقيق مصالح اقليمية على حساب اللبنانيين.
لقد ادرك اولئك »الشهداء«, الاموات منهم والاحياء ان لمواقفهم تضحيات وضرائب غالية لابد ان يتحملوها فاختاروا الوطن وانحازوا اليه يدفعهم الى ذلك انتماؤهم وحبهم للبنان, في الوقت الذي باع فيه آخرون من أبناء الوطن انتماءهم لمن يدفع, فأصبحت الوطنية لديهم سلعة رائجة في سوق نخاسة المواقف الزائفة.
لا يختلف اثنان على ان قادة ثورة الاستقلال والحرية والسيادة, الذين استشهدوا والمعرضون للاستشهاد يملكون من الامكانات المادية والفكرية والعلمية والمهنية ما يتيح لهم ان يغادروا لبنان تحت وطأة التهديدات التي كانت تطالهم وأودت بحياة بعضهم, وأن ينعموا في دول العالم العربي أو الأجنبي بحياة في غاية الرفاهية والنعيم, فلا يوجد مثلا ما كان يمنع الرئيس الشهيد رفيق الحريري, أن ينعم بثروته الطائلة في أي دولة في العالم, وبدل أن يواجه خطر الاغتيال يعيش رغد الحياة متنقلا في طائراته الخاصة او يخوته وبين قصوره, وان يترك أوجاع السياسة اللبنانية التي انتهت به الى لحده في وسط بيروت.
وما الذي كان يمنع جبران تويني, وهو صاحب صحيفة عريقة أن يستثمر خبراته الإعلامية ونجاحاته خارج حدود وطنه? ومثله النائب وليد جنبلاط الذي تتيح له قدراته المالية والفكرية ان يحيا مرفها في أي بلد من أصقاع العالم, وكذلك حال غيره من النواب الذين يعيشون في بلدهم غربة حتى عن أسرهم, وتراهم يقيمون وراء بعض التحصينات, فيما هم قادرون على التمتع بمباهج الحياة وملذاتها في دول متطورة تحرص على استقطاب الكفاءات والثروات من أنحاء العالم.
ان معادن الرجال تظهر في الملمات, وقد أظهرت شدائد الأوضاع في لبنان أن قادة ثورة الأرز صهرتهم وطنيتهم في قالب التضحية حتى بالنفس في سبيل عزة الوطن واستقلاله واستقراره, لمعرفتهم ان الأوطان الحرة تروى بدماء الشهداء, وتاريخها تصنعه التضحيات, وان الاستقلال ليس منحة تعطى ولكنه حق يؤخذ مهما كان الثمن غاليا. أدرك هؤلاء أن يد الإجرام تنتظرهم, فلم يخافوا منها, وعادوا إلى لبنان ليواجهوا أصابع الفتنة, ولينتصروا بدمهم المسفوح على عتاة الإجرام.
لقد أدرك أولئك الشهداء, الأموات والاحياء, ان البديل لتضحياتهم هو بيع الوطن بثمن بخس إلى المتاجرين بأمنه واستقراره, كما تفعل حفنة من الذين ارتضوا الذلة والارتهان لإرادة أنظمة إقليمية تسعى ما استطاعت لاستخدام لبنان, بشعبه وأمنه, ورقة مساومة في بازار التفاوض على مصالحها الاقليمية, وبقاء حكامها وطغاتها في مواقع السلطة والمسؤولية.
أدرك أولئك الشهداء أن البديل للوطن الحر المعمد بالتضحيات والدم هو وضع البلد في عهدة الشيطان, وسيتحول الوطن إلى واحة للطوائف ذات الولاءات المتنازعة, وسيتحول الشعب إلى خدم وعبيد تحكمهم الارادات الخارجية وإملاءات الأنظمة القمعية.
ان الاكثرية الصامتة مطالبة اليوم بأن تفيق من صمتها وان تدرك تماما ان التخلي عن القيام بالدور المطلوب قد يؤدي إلى ضياع الوطن من جديد وعودة الوصاية الخارجية لتحكمه عقودا أخرى من الزمن.
ان السكوت الذي تمارسه شريحة من الناس والوقوف على الحياد حيال كل ما يجري لم يعد مسموحا, فهذا السكوت يسمح للمجرمين بالتمادي في جرائمهم لتدمير الوطن وقتل أبنائه, والدليل على ذلك تمادي الفئة المرتهنة للخارج في رفض الحلول المقترحة لاخراج لبنان من أزمته الراهنة وذلك بايعاز من نظامي دمشق وطهران.
لقد دفع الشهداء الأموات والاحياء أرواحهم وأمنهم فداء للبنان, ولا يجوز ان تلوذ أكثرية اللبنانيين الصامتة بالصمت حيال انتهاك ما حققه اولئك الرجال من مكتسبات, وان يجهض المرتهنون للخارج الانتصارات المحققة, فيسعون إلى نهش السلطة تحت ذرائع الحصول على مناصب رئاسية أو وزارية أو أمنية, وكأن الدولة ومراكزها أصبحت مجرد ادارات للنهب خارج حدود الوفاق الذي عاش عليه اللبنانيون, والدستور الذي رسم الخلاص من آلام الحرب الطويلة.