#adsense

نوبات الحلم

حجم الخط

نوبات الحلم
ربيع يعقوب

 

السياسة لا تعرف حركة واحدة، فعلى السياسي وتوخياً منه على مصلحة الجماعة التي يعتقد أنه يدافع عن حقوقها ووفقا للظروف أن يعرف متى يتقدم ومتى ينكفىء ومتى يناور ومتى يتصلّب مراعياً امكانية تحقيق الاهداف والابتعاد عن الاوهام والاحلام المستحيلة. فالسياسة كانت على الدوام ولا زالت فن الممكن والواقعية لا تحتم على السياسي أن يضع نصب عينيه ما يعتبره حقيقة مطلقة ينبغي الوصول اليها، بل تحتم عليه أن يصبح الممكن تحقيقه هو الحقيقة الثابتة وهو الهدف. إنها السياسة ولا مجال فيها لتعاظم الحلم إلا متى توفرت الامكانيات وكلما توفرت الامكانيات كلما انطبقت على ما هو حلم صفة الواقع.

 

يأتي هذا الكلام بناء على قراءة للتجربة التي أسمح لنفسي أن أسميها فاشلة في السياسة للنائب ميشال عون. النائب عون ناجح جداً في استدرار العطف وفي استثارة الأحقاد لكنه فاشل جداً في السياسة، إذا أخذنا بالإعتبار أن السياسة هي وسيلة لتحقيق مصالح الطرف الذي نمثل وليس الطرف الذي لا نمثل.


إن الواقع الذي يحاول النائب عون فرضه اليوم والمتمثل بمحاولة إعاقة انتخاب رئيس جمهورية مسيحي جديد للبنان، دفعني للسؤال:” هل أن عون توقف ولو لمرة ليعيد قراءة تاريخه السياسي ليستفيد منه وليستشرف منه؟”. الجواب تبادر الى  ذهني سريعاً قبل أن أنهي سؤالي حتى:”من المؤكد أنه لم يعد القراءة فلو فعل ذلك لتوقف وقال:”مصلحة المسيحيين تتقدم على مصلحتي, فليُنتخب رئيس”.لكنه عوضاً عن ذلك سمعناه يقول:”لن يضرّ موقع الرئاسة أن ينتظر سنة وهو فارغ”.


 

النائب عون وتحت وطأة نوبات الحلم يرفض أي واقع ويرفض أي حقيقة ثابتة. هكذا كان وهكذا هو اليوم.

في العام 1988 شنّ حرب على سوريا  سمّاها حرب تحرير ولم يحرّك فيها جندي باتجاه الامام على جبهة، فتحولت الى تراشق مدفعي كانت سوريا خلاله تردّ القذيفة بعشر. هذه الحرب غير المتكافئة دفعت بالنواب للإسراع الى الطائف لعقد التسوية الميثاقية الجديدة برعاية إقليمية ودولية. فأصبح الطائف واقعاً لا يمكن التنصّل منه في ظل تلك الظروف. وعوض أن يحاول إدخال المسيحيين الى هذه التسوية وهم أقوياء خصوصاً أن التسويات تُنفذ وفقاً لميزان القوى، حاول أن يُدخل نفسه قويا اليها وذلك بالقضاء على منافسيه المسيحيين، فكانت حرب الإلغاء التي لم يلغ من خلالها إلا الدور المسيحي في الجمهورية الجديدة (هاجر خلال تلك الحربين حوالي 250ألف مسيحي).


 

مرة أخرى وقبيل عملية 13 تشرين 1990 لم يستجب لنداءات أركانه ولا لنداءات المقربين منه الذين أكدوا له أن العملية واقعة لا محالة متحدثين عن أمرعمليات متطابق تماماً مع الخرائط، وأن العملية حصلت على ضوء أخضر إقليمي دولي إلا أنه ظل يرفض الواقع معتبراً أن أمر العمليات مسرّباً قصداً للتشويش أو للتضليل. فدفع المسيحيون ثمن الوهم العوني.


 

واليوم أيضاً لم يزل النائب عون يصرّ على الغوص في الوهم، فعوضاً من أن يحاول تحقيق تأييد جامع للمسيحيين حول شخص العماد سليمان ليصل الأخير الى الرئاسة محصّن بالدعم السياسي والشعبي المسيحي ليتمكن من إعادة المسيحيين الى اللعبة السياسية من الباب العريض ولإعادة المكانة والهيبة الى الموقع المسيحي الأول والى الدولة، نراه تارةً يحاول إيهام المسيحيين أن لا خلاص لهم إلا به كأنه الواحد الأحد، وتارةً يحاول ان يفاوض الأكثرية على العهد الجديد متناسياً الدور الكبير المتوقع لرئيس الجمهورية، فيما يبدو أنه رفضٌ جديد للواقع لا نعرف الى أين يريد إيصال المسيحيين من خلاله.


المضحك المبكي في الموضوع هو أن سوريا وافقت على ان تدفع ثمناً في لبنان مقابل انفتاح ما تنتظره من الولايات المتحدة، وأرسلت كلمة السر الى حلفائها في لبنان للموافقة على إزاحة حليفها فخامة الفراغ من سدّة الرئاسة وإحلال فخامة الرئيس مكانه. والنائب عون المسيحي لا زال متردداً في الموضوع ويبحث عن مكاسب خاصة به.


بينه وبين المسيحيين دائماً اختار نفسه، فلم العجب اليوم إن بقي على هذا الإختيار؟  

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل