8 آذار لم تنتصر و14 لم تخفق !
سركيس نعوم
من يشاهد عدداً من جماعة 8 آذار على شاشات التلفزيون ويستمع الى تصريحاتهم ويراقب ابتساماتهم وحركات اصابع ايديهم وقبضاتهم يعتقد ان المعركة السياسية ظاهراً والطائفية والمذهبية ضمناً والدائرة في البلاد منذ 11/11/2006 بل منذ التجديد القسري للرئيس (السابق) اميل لحود في خريف 2004 ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعد ذلك بأشهر – يعتقد ان هذه المعركة قد انتهت وإن بالنقاط وأن فريق 14 آذار مني بخسارة نهائية.
هل هذا الاعتقاد في محله؟
لا بد من الاعتراف في معرض الجواب عن هذا السؤال ان فريق 14 آذار بعد الانجاز الكبير الذي حققه بتظاهرته عام 2005، التي فاقت كل التظاهرات التي شهدها لبنان، لم يحقق أي انجاز ملموس طبعاً باستثناء الصمود الناجح الذي اظهره منذ حوالى سنة اثناء مواجهته الهجمة المضادة لفريق 8 آذار والمحور الاقليمي الذي يدعمه. وهي الهجمة التي فشلت في اعادة عقارب الساعة الى الوراء في شكل او في آخر من طريق اسقاط حكومة فؤاد السنيورة واستعادة الحكم في البلاد ومعه النفوذ الاقليمي المعروف وإن بطرق أقل مباشرة وانكشافاً من السابق. فهو، أي فريق 14 آذار، اخفق في ابقاء التيار الوطني الحر في صفوفه علماً ان معظم اللبنانيين يعرفون صعوبة ذلك واسبابها المتعلقة اساساً بالشروط التعجيزية لزعيمه وطموحاته الشخصية غير القابلة للتحقق. وهو اخفق ايضاً في مواجهته اولاً بامتناع مسيحييه عن ممارسة السياسة “الحربجية” نفسها التي استخدمها التيار ضدهم لاسباب عدة بعضها عام وبعضها خاص. وثانياً بعدم نجاحه في التحول فريق عمل واحداً يتشاور اركانه واعضاؤه في استمرار قبل اتخاذ اي قرار وخصوصاً في المسائل الاساسية، الأمر الذي اعطى الاتهامات بالخضوع لمسلمي فريق 14 آذار التي اطلقها “التيار” ضد مسيحييه بعض الصدقية، وهو أخفق ايضاً في اقناع البطريركية المارونية التي كانت السباقة ومن منطلق وطني في بدء معركة التحرر من الوصاية والاستقلال الثاني وحماية اطرافها بمباركة اكمال المسيرة بعد تظاهرة 14 آذار 2005 وبأمور كثيرة أخرى. وادى ذلك الى تذبذب في مواقفها افاد منه فريق 8 آذار بشقيه الرسمي والسياسي فضلاً عن شقه الاقليمي. وعندما حاولت البطريركية تدارك ما حصل كان الضرر قد حصل فوجدت نفسها عاجزة عن الفعل والتأثير.
وأخفق فريق 14 آذار ايضاً في المحافظة على التأييد الفعلي للمجتمع الدولي الذي ما كان تحركة اساساً وعلى نحو فاعل لدعم قضية لبنان لولا نزول قسم كبير من شعبه الى الشارع وطبعاً لولا وجود مصالح مهمة لاقطابه وراء هذا الدعم. فهذا المجتمع قدم بزعامة اميركا ومشاركة فرنسا على مدى سنتين ونصف سنة ما لم تقدمه جهة دولية الى لبنان الأمر الذي جعل لبنانيين كثيرين يسامحونه واشقاءهم العرب على تسليم سوريا لبنان عام 1976 وعلى تجديد صك هذا التسليم عام 1987 ولاحقاً عام 1990 – 1991 وكان على اللبنانيين ان يكملوا مشاركتهم بل دورهم الاساسي لانقاذ بلادهم، لكنهم امتنعوا عن ذلك. ففريق 14 آذار “التهى” بعضه وتاهت عيون مسيحييه في اتجاه الرئاسة الاولى وعيون بعض سنته في اتجاه الرئاسة الثالثة. وادى ذلك الى غياب استراتجيا المواجهة وحتى استراتيجيا التسوية ولكن على اساس لا غالب ولا مغلوب. أما فريق 8 آذار فاخفق في اظهار قدرته على التعطيل في البلاد او على دفعها في اتجاهات “تستفز” المجتمع الدولي وتدفعه اما الى اتخاذ قرار بالمواجهة عسكرياً معه او مواجهته او بالتفاهم مع “حلفائه” الاقليميين درءاً لشره، ويبدو ان هذا هو ما يحصل اليوم او، وعلى نحو دقيق، ما هو ممكن الحصول.
طبعاً لن نستمر في سرد اخفاقات 14 آذار واسبابها على صحتها، فـ8 آذار أخفق ايضاً على مدى سنة رغم بين القوة العسكرية المسلحة والمادية والاقليمية التي يتمتع بها، وقوة الدعم السياسي من المجتمع الدولي التي يتمتع بها فريق 14 آذار. ولهذا الاخفاق اسباب متنوعة منها ادراك اصحابه ان الاصرار على الربح سيوقعهم في الخسارة لاحقاً ويلحق الضرر بحلفائهم الاقليميين. وليس همنا اظهار اي من الفريقين أهم من الآخر وأكثر افادة للبنان، فالاثنان الحقا به ضرراً كبيراً لا ندري اذا كان تعويضه ممكناً، البعض عمداً والبعض الآخر عجزاً، بل همنا هو اقناع الفريقين بأن تسوية لا غالب ولا مغلوب التي يقول الاثنان انهما مقتنعان بها ستبقى مستحيلة اذا استمر تصلب البعض فيهما وايلاء البعض الآخر مصالح الخارج الاهمية على حساب مصلحة بلاده، واذا استمر البعض في الداخل في تصميمه على تغيير صيغة لبنان على تعذرها بصيغة اخرى مدمرة له، واذا استمر البعض في الخارج في تصميمه على استعمال لبنان حتى آخر مواطن فيه بغية تحقيق احلامه وطموحاته وربما أوهامه. ويوم غد الثلثاء هو يوم كشف النيات الحقيقية عند الجميع وربما اليوم الاثنين ايضاً. فاذا توصل 8 و14 آذار الى تفاهم يُمِرُّ الاستحقاق الرئاسي يكونان اعطيا اللبنانيين املاً وإن ضعيفاً بأن محاولة جديدة لاعادة بناء لبنان الوطن والدولة والمؤسسات والعيش المشترك والديموقراطية ستبدأ. واذا أخفقا في ذلك يكونان كمن يشعل فتيل الانفجار الاقليمي الذي لبنان ساحته وهما أدواته والوقود. فهل يتصرفان على نحو يخدم مصلحة وطنهم أم يظهران عجزاً عن التقرير حتى في شؤونه وانخراطهما العميق في استراتيجيات وايديولوجيات لا تقيم له وزناً ولا تأبه اذا بقي أو زال؟