#adsense

“المعارضة” تنتقل الى شعار “إمّا الحكومة المقبلة وإمّا الفراغ”

حجم الخط

“المعارضة” تنتقل الى شعار “إمّا الحكومة المقبلة وإمّا الفراغ”
والنظام السوري ينتقل إلى محاولة تقرير مصير لبنان وتوازناته

“شهادة” فرنسا مهمّة من أجل مصير الاستحقاق

نصير الأسعد

 

أسبوعان انقضيا على إطلاق اسم قائد الجيش العماد ميشال سليمان من داخل 14 آذار كرئيس توافقي. وعشرة أيام مرّت على تبنّي 14 آذار مجتمعةً ترشيح سليمان بعد إعادة النظر بموقفها المبدئي من تعديل الدستور.


تنازلت الأكثرية عن حقّها الدستوري في إنتخاب الرئيس بالأكثرية المطلقة، أي تنازلت عن أكثريّتها من أجل تسهيل حصول تسوية جدية حول الرئاسة والرئيس تسمح بالعودة ـ بعد ملء الفراغ في سدة الرئاسة ـ الى المؤسسات الدستورية.
“المعارضة” تريد إقراراً في الأكثرية


بأنها ليست أكثرية!


بيدَ أن “المعارضة” ردّت على مبادرة التسوية من جانب 14 آذار بالتعطيل. الوجه البارز من هذا التعطيل يتمثل برفض مرور تعديل المادة 49 من الدستور بما يفسح في المجال أمام إنتخاب سليمان بالحكومة، وذلك بالرغم من أن كل الدراسات القانونية والدستورية أكدت أن لا مفرّ من المرور بالحكومة “ذهاباً” أو “إياباً”، وعلى الرغم من إصرار “الرئيس” سليمان على أن لا يكون إنتخابه مطعوناً دستورياً في أي حالة أخرى غير المرور بالحكومة.


وواقع الأمر هنا، أن ما تُنشده “المعارضة” متعدّد الأبعاد. فهي تستخدم “الممرّ الإلزامي” الى إنتخاب الرئيس، أي مرور تعديل الدستور بالحكومة، كنوع من تصفية الحساب مع هذه الحكومة والأكثرية. وهي تسعى الى انتزاع إقرار من الأكثرية بأنها لم تكن أكثرية يوماً. وهي تريد من ذلك كله التأسيس مسبقاً لمرحلة ما بعد الرئاسة.


“الحكومة أو الفراغ”


وليس خافياً من خلال تكتيكات “المعارضة” أن عينها على الحكومة المقبلة رئاسةً وتكويناً. فإسقاط الأكثرية ـ بمفعول رجعي ـ يهدف الى إسقاط حقّها الديموقراطي في رئاسة الحكومة المقبلة. كما أنه ليس خافياً أيضاً أن ما تقوم به “المعارضة” بمناسبة الاستحقاق الرئاسي إنما هو استكمالٌ للنهج الإنقلابي على الدستور وعلى اللعبة الدستورية الديموقراطية. ذلك أن رئيس الحكومة المقبل ـ دستورياً ـ هو من تسمّيه الأكثرية في استشارات نيابية ملزمة يجريها رئيس الجمهورية. أما تشكيل الحكومة، فيتم بعد استشارات يقوم بها رئيس الحكومة المكلّف. ومن الطبيعي ـ خصوصاً مع بداية عهد جديد ـ أن يكون للتشاور بين رئيسي الجمهورية والحكومة دورٌ أساسي في توليد الحكومة الجديدة.


إذاً، ليس خافياً أن “المعارضة” انتقلت في الأيام الماضية من شعار “فلان رئيساً للجمهورية أو الفراغ” الى شعار “فلان رئيساً للحكومة أو الفراغ حتى في رئاسة الجمهورية”، أو شعار “ليس فلان رئيساً للحكومة أو الفراغ”. فهي، بوضوح، تتطلّع الى أن تكون مرحلة السنتين التاليتين الفاصلتين عن الانتخابات النيابية المقبلة مرحلة انتقالية في “كل شيء”، أي أنها تريد “إعدام” أي مظهر من مظاهر توازن القوى المحلي بل الإخلال بالتوازن لصالحها.


أكثر من ذلك، إن قراءة مدقّقة في تطلّب “المعارضة” لاستقالة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة قبل انتخاب رئيس الجمهورية ولو بنصف ساعة، فضلاً عن كونه تطلّباً غير دستوري، لأن الحكومة تعتبر مستقيلةً دستورياً بانتخاب الرئيس وتولّيه لمهامه، ما هو في واقع الأمر إلاّ تكتيك يهدف الى الآتي: أخذ الاستقالة ثم التحكّم في مسار الاستحقاق الرئاسي، أي أخذ الاستقالة لوضع مزيد من الشروط الحكومية اللاحقة، أو تعميم الفراغ عبر عدم إنتخاب الرئيس وتحويل الحكومة من حكومة تقوم مقام الرئيس وكالةً الى حكومة تصريف أعمال “لا تهشّ ولا تبشّ”.


14 آذار: كفى


عندَ هذا الحدّ، من حقّ الأكثرية، بل من واجبها أن تقول: كفى.
من واجبها أن تقول إن التنازلات تقف عند حدّ الإلغاء الذاتي. كل التنازلات قابلة لأن تكون “مفهومة” بأفق إنقاذ البلد وترجيح الحلول إلاّ إلغاء الذات، بالضبط لأنه يؤسّس لمرحلة متفجّرة.
وهنا، من المهم جداً “تشهيد” الجهة أو الجهات التي واكبت الأزمة الرئاسية اللبنانية وما انتهت إليه الأبحاث في شأنها. ولا مبالغة في القول إن فرنسا هي في طليعة المدعوّين الى “الشهادة” في هذا المجال.


المبادرة الفرنسية


قبل أسابيع، وبتأييد عربي أي من “النظام العربي”، ودولي أي من الولايات المتحدة على وجه الخصوص، ولبناني أي من 14 آذار تحديداً، أطلقت فرنسا مبادرةً لمعالجة أزمة الاستحقاق الرئاسي اللبناني.


قالت فرنسا بدايةً إن مبادرتها، سواء في شقّها المتعلّق بالتوسّط بين القوى اللبنانية أو في شقّها المتعلّق بزيارة مسؤولين فرنسيين الى دمشق، إنما تهدف الى توجيه رسالة قوية الى النظام السوري كي يتوقّف عن التدخّل في لبنان وإستحقاقه الرئاسي.


لكن سرعان ما اعتبر النظام السوريّ أن ثمّة فرصة أمامه للدخول الى الإستحقاق الرئاسي اللبناني ناخباً. وتجلّى ذلك في ما بات معروفاً بـ”آلية” المبادرة الفرنسية. وهذه “الآلية” قضت بأن يضع البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير لائحة بأسماء مرشحين رئاسيين، وبأن تذهب هذه اللائحة الى ركنَي “مفاوضات التوافق” الرئيس نبيه بري عن “المعارضة” والنائب سعد الحريري عن الأكثرية للتوافق على إسم من ضمنها أو التوجه الى المجلس النيابي للانتخاب. التزمت 14 آذار بالمبادرة الفرنسية وآليتها وتعهّداتها للبطريرك.


14 آذار تطلب شهادة كوشنير


كان واضحاً أن المبادرة الفرنسية عُطّلت من جانب “المعارضة”. واُسقطت “لائحة البطريرك”.
لكن سرعان ما عاد وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الى بيروت على خلفية مبادرة 14 آذار الى ترشيح العماد سليمان. أمضى ثلاثة أيام لبنانية التقى خلالها الفرقاء اللبنانيين وشهد على مواقفهم. ولا شك أن كوشنير سمع أن 14 آذار ترغب في نهاية سريعة للفراغ في رئاسة الجمهورية في سبيل العودة الى الانتظام العام في إطار المؤسسات الدستورية. لكنه لا شك سمع في المقابل شروط “المعارضة”، وهي شروط مسبقة على المرحلة التي تلي إنتخاب الرئيس، لا بل هي شروط إذا أُخذ بها تعني إعادة لبنان وقراره الى الفلك السوري… والإيراني.


هكذا إذاً، يحاول النظام السوري عبر حلفائه الذين لم يتبلغوا منه أمر تسهيل الاستحقاق، الدخول مقرراً في المشهد اللبناني المقبل وتوازتاته.


لذلك عندما ستقول 14 آذار كفى ويجب أن تقول كفى من دون إبطاء، ستطلب من باريس “الشهادة”.
وعندما ستقول كفى ويجب أن تقولها بسرعة، سيكون عليها التوجه الى النظام العربي طلباً لشهادته ودعمه. وذلك في “لحظة” عودة دمشق وطهران الى محاولة تقرير مصير إستحقاق لبنان الرئاسيّ لا بل توازنات لبنان الداخليّة.


فمرة أخرى، يثبت أن سياسة “الاستيعاب” تخذل لبنان المستقل والديموقراطي. و”ناس 14 آذار” الذين قدّروا توجه قيادتهم نحو تسوية جدية بالعماد ميشال سليمان، يطالبون قيادتهم اليوم بـ”الصمود” في وجه حالة إنقلابية متواصلة

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل