#adsense

لا يفرق معه، إذاً لا يفرق مع غيره

حجم الخط

لا يفرق معه، إذاً لا يفرق مع غيره
حازم صاغيّة

 

في وسع فيروز أن تغنّي «مش فارقا معاي»، والزجّالُ التقليديّ يمكنه أن يواجه العالم بصدر عارٍ غير عابئ ولا متحوّط. لكن السياسيّ لا تليق به «المرجلة» والزجل لأنه مسؤول عن بشر وبلد، وليس لديه من الكماليّات ألاّ يعبأ بالأقوياء والمؤثّرين.

 

في المعنى هذا يخطئ ميشال عون، أيضاً وأيضاً، حين يؤكّد ما هو مولع بتأكيده، من أن الوزراء والسفراء ودولهم لا تأثير لهم عليه. ومحازبوه في «التيّار الوطنيّ الحرّ» يخطئون إذ يجعلونه جبلاً لا تهزّه ريح، عملاً بأغنية زجليّة شهيرة تغنّيها منتسبة متأخّرة الى حبّ العماد. فالسياسة الناجحة هي تلك الحسّاسة لنسمة ريح، لا سيّما متى كان البلد المقصود صغيراً، معتمداً في اقتصاده وفي كلّ شيء آخر تقريباً على غيره، لا يملك، من ثمّ، إلا أن يتأثّر بالوزراء والسفراء ودولهم. فكيف وأن من أقام عون «تفاهمـ»ـه معهم، أي «حزب الله»، بالغو التأثّر بالوزراء والسفراء، بما يخلّ كليّاً بالتوازن بين المتفاهم والمتفاهَم معه.

 

لكن عون اذ يعلن هذا الاكتفاء الذاتيّ ويعيده ويكرّره، يكون يدلّ الى خواء ما يمثّل، وبمعنى ما الى لاعضويّته. فإذا صحّ أنه ينطق بلسان عدد كبير نسبيّاً من اللبنانيّين، غير أنّه، بهم، ينطق بلسان حال عابرة زائلة هي حصيلة اللقاء بين إحباط جماعة وإحباط فرد. والاحباط لا ينعكس العالم الخارجيّ عليه لأنه، هو ذاته، نتاج خطأ ما ينتاب علاقته بالعالم الخارجيّ هذا، تماماً كما أن لقاء إحباطين لا يُنتج فهماً لهذا العالم، ولا مسؤوليّة حياله بالتالي. بل هو، أكثر من هذا، لا يعود يرى العالم الذي تنعدم الصلة به تأثّراً وتأثيراً.

 

وربّما كان سلف ميشال عون في التقليد الزجليّ الريفيّ أنطون سعادة. فهو ظلّ فاشيّاً، على رغم الهزيمة الكونيّة للفاشيّة في الحرب العالميّة الثانية (وفعلاً لا يزال هناك شيوعيّون على رغم انهيار المعسكر). وحينما أراد «زعيم» الحزب السوريّ القوميّ أن يعلن «ثورته»، لم يختر شرياناً اقتصاديّاً، أو عقدة مواصلات، أو موقعاً عسكريّاً، بل أعلنها من… قرية بشامون.

 

ولأن عون هو عون فحسب، من دون أيّ ظلال وأيّة دلالات أخرى، غدا من السهل على «حزب الله» و «حركة أمل»، حين تنضج العناصر الإقليميّة التي تحرّكهما، أن يتخلّيا عنه ويتركاه يتساقط الى مثواه السياسيّ الأخير، مثلما كان سهلاً على بشارة الخوري ورياض الصلح إنزال حكم الإعدام بأنطون سعادة. وعون حتماً سوف يتساقط، بحيث تقتصر مراعاته، والحال هذه، على ما رأينا من مدّ جلسات التسوية جلسةً أو جلستين يحين بعدهما الجدّ والخيار.

 

فمن تعرّى من دعم الولايات المتّحدة وفرنسا، من دون أن يملك العدّة اللازمة كي يكون كامل السوريّة والإيرانيّة، قد ينتهي المطاف به وجهاً لوجه مع الرئاسة والجيش، فضلاً عن الكنيسة المارونية وحليفه ميشال المرّ. وهو ما يعني الصدام بكل ما يتحرّك والانفصال عن كل ما يدبّ على الأرض.

 

وهذا ما يجعل «المشروع» العونيّ مشروع تفكيك منهجيّ للتبلور الطائفيّ الذي يقول انه آخر مهندسيه والمنتصرين له. فإذا كانت الطوائف، حسب سيرتها اللبنانيّة، تتشكّل ذاتيّاً وداخليّاً ثم تستكمل تشكّلها بعلاقاتها الخارجيّة، فما نراه، مع الجنرال، مسار معاكس تماماً لا بدّ بعده، وبسببه، أن يتضاعف «الإحباط والتهميش المسيحيّان».

 

وقد سبق للمتنبي أن توعّد «الدنيا» بأنه «كذا» وهدّدها بـ «إن شئت فاذهبي». وذهبت الدنيا في حال الشاعر الكبير فكيف بها مع زجل سياسيّ صغير؟

 

المصدر:
الحياة

خبر عاجل