#adsense

بعدما حُسم أن الرئاسة ليست له: ماذا يفيد عون مواصلة استفزاز السنَّة؟

حجم الخط

بعدما حُسم أن الرئاسة ليست له: ماذا يفيد عون مواصلة استفزاز السنَّة؟

فادي شامية

 

مع عودته إلى لبنان بدأ الجنرال في “التغيير”، تغيير قاده إلى إعلان “التفاهم” مع “حزب الله” على أسس مغايرة حتى للبيان الانتخابي الذي تقدم وزملاؤه في “التكتل” من الشعب على أساسه. بطبيعة الحال ليست تهمة أن “يتفاهم” أي فريق سياسي مع أي شريك في الوطن، بل هو المطلوب، لكن المشكلة أن عون حوّل “غضب شعاراته” تجاه شريك آخر في الوطن، ظناً منه أن ذلك يقرّبه من جمهور الشريك الذي تفاهم معه.
استفزاز السنّة


مع تموضعه الجديد في المعارضة، نحا عون باتجاه استعداء السنّة، سواء “تيار المستقبل” الممثل لغالبيتهم أو الإسلاميين. زعم أنهم يريدون “أسلمة لبنان” وبيع أراضيه، وفرض القيم الإسلامية، وإلغاء “أقدس الأعياد المسيحية”، وسحب “ما تبقى من صلاحيات الرئاسة”، و”دعم الجماعات الأصولية”، والترخيص لجمعياتها. حمّل عون “تيار المستقبل” مصائب لبنان، ما كان منها وما سيكون. نعت السنيورة بأشنع الألفاظ. هاجم الحريري وفريقه السياسي بما لا يليق بمن يطمح لأن يكون رئيساً لـ”شعب لبنان العظيم”. عطّل الاستحقاق الدستوري بدعوى مواجهة تهميش المسيحيين والشيعة من السنّة. وصف النواب المسيحيين الآخرين بـ”البسينات” و”أرجل الكراسي”، والوزراء المسيحيين في حكومة السنيورة بـ”الموظفين عند بيت الحريري”، ولما أدرك أن حلمه في الرئاسة مستحيل استذكر أقوال الغالبية النيابية له بأن يكون صانعاً للرئيس وليس هو، وبنى على هذا القول إنه يحق له منفرداً تسمية الرئيس وأن يملي عليه البرنامج السياسي، وأن يطالب رئيس أكبر كتلة برلمانية بألا يفكر برئاسة الحكومة.


من المفارقات أن طروحات عون الحالية تخالف طروحاته السابقة يوم كان السنّة على خط مناقضٍ له، فلما جمعتهم مصيبة 14 شباط 2005 غادرهم عون إلى مكان آخر، وبدأ باختراع معارك موهومة في الدفاع عن حقوق المسيحيين. أكثر من ذلك غرابة أن “وثيقة الطروحات المسيحية” تذكر أن التهميش وشراء الأراضي خطر يواجه المسيحيين من دون أي إشارة إلى ما بذله عون تجاه حلفائه الذين يشترون الأراضي ويغيّرون هويتها.


وحده الرئيس


نتيجة إصرار عون على وصوله إلى قصر بعبدا، وصلت البلاد إلى الفراغ الرئاسي، فاستثار المسيحيين بأنهم فقدوا موقعهم في “الصيغة”، مستغلاً فرح الناس برحيل لحود ـ الذي عانى أنصاره قبل غيرهم من عهده المشؤوم ـ وكادت البلاد أن تصل إلى الهاوية فعلاً بفضل خطابه “الراقي” وأدائه الميمون، لولا تدارك الأكثرية وطرحها العماد ميشال سليمان مرشحاً توافقياً، فأسقط في يد “الجنرال” و”اضطر للاعتراف” بأن سليمان كان أحد الأسماء التي كان يرغب في تسميتها وفق مبادرته التي أعلنها عشية الفراغ الدستوري، فوافق عليه لكن وفق المبادرة نفسها التي تفترض أن الجنرال وحده القادر على تخليص المسيحيين والوطن، أما غيره فهو بحاجة إلى من يسدد له المسار، من خلال جعل وثيقة التفاهم مع “حزب الله”، و”المبادرة الإنقاذية”، وأخيراً “وثيقة الطروحات المسيحية” معالم لا بد أن يلتزم بها الرئيس لتبيّن له الطريق، وإلا فلا نصاب ولا انتخاب، حتى ولو تعطّلت الجمهورية شهراً أو سنة أخرى، فالجنرال “لا يهاب الفراغ”!.


الترجمة العملية لذلك أن عون يريد إرسال مندوبٍ عنه إلى قصر بعبدا تنتهي ولايته فور إجراء انتخابات نيابية جديدة، وحتى لو استمر عهده ست سنوات كاملة، فإنه سيكون ملزماً بمراجعة “البطريرك السياسي للمسيحيين” باعتباره سلطة منتخبة، وفق توصيف عون، وإلا فإن العهد سيفشل. بمعنى آخر فإن عون لا يرى سواه مؤهلاً لخلاص البلاد، بدليل أنه في اجتماعه الأخير بالنائب سعد الحريري “عرض” أن يكون هو الرئيس للجمهورية والحريري رئيساً لمجلس الوزراء، بلا شروط تتعلق بأي من النقاط المطروحة في ما يسميه مبادرة إنقاذية، لكن عون وفي حال تولي سواه الرئاسة يجد نفسه مضطراً لـ”إزالة الألغام من طريق الرئيس القادم”، وإضافة شرط في كل يوم تأخير على الرضوخ لشروطه!.


بالمحصلة العملية يريد عون أن يحتفظ لنفسه بصلاحيات رئيس الجمهورية، وأهمها إجراؤه “الاستشارات الملزمة”، وتوقيعه منفرداً على تعيين رئيس الحكومة، كما يريد سلب جانب من صلاحيات النواب بوضع “فيتو” على أسماء معينة، بل يريد أن يسطو على صلاحيات رئيس الحكومة فيفرض عليه وثائقه وتفاهماته، كل هذا لأنه “تنازل” عن الرئاسة.


طروحات استفزازية


يطالب عون إذاً باستبعاد سعد الحريري عن رئاسة الحكومة، رداً على استبعاده من رئاسة الجمهورية، واستناداً إلى مبدأ المعاملة بالمثل، ويقايض من أجل “تحقيق مكاسب للمسيحيين لم يأت الوقت للإعلان عنها” كما صرح عون نفسه.
النائب نبيل نقولا، من تكتل “التغيير والإصلاح” ترجم مبدأ “المعاملة بالمثل بين الجماعات غير المتجانسة داخل الوطن” الوارد في “وثيقة الطروحات المسيحية”، بالدعوة إلى أن “يُجري مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قبّاني مشاورات في إطار مختلف فئات الطائفة السنيّة، توصّلاً إلى طرح خمسة أسماء مرشّحة لتولّي منصب رئاسة الحكومة ثم تعرض لائحة الأسماء على كل من: رئيس مجلس النواب نبيه برّي، راعي عملية المشاورات، والأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله، المتضرّر من التهميش الحاصل على خطّ الحكومة، ورئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون المتضرّر من التهميش الحاصل على خط رئاسة الجمهورية ليصار إلى اختيار اسمين من اللائحة، تحضيراً للمشاورات التي سيجريها رئيس الجمهورية المقبل”. هذا هو نص المطالبة، وللتسهيل فإن نقولا طرح للرئاسة أسماء كل من: سليم الحص، عمر كرامي، نجيب ميقاتي، عبد الرحيم مراد، أسامة سعد، عبد الرحمن البزري، تمام سلام، فتحي يكن، فؤاد مخزومي وآل الصلح!!.


بطبيعة الحال فإن هذه الطروحات لا يمكن أن تولد لو أن صاحبها وتكتله يؤمنون بالآليات المنصوص عليها في دستور الطائف، وليس في وثائق عون الخاصة به، لأن الدستور ينص على أن ينتخب رئيس الجمهورية من مجلس النواب بالأغلبية المطلقة، ولا ينص على انتخابه من أغلبية النواب المسيحيين، ولا يبحث بأصوات أية طائفة أتى هؤلاء النواب، ومدة رئاسة الجمهورية وفق الدستور هي ست سنوات، وتسمية رئيس الحكومة تكون “استناداً إلى استشارات نيابية ملزمة”، وليس وفق لوائح و”فيتوات”، ولائحة البطريرك حول مرشحي الرئاسة لا يمكن تعميمها، لأنها نتاج لحالة شاذة أسهم عون بشكل أساس في صناعتها عندما “أفتى” بجواز مقاطعة النائب لجلسة الانتخاب بقصد تعطيل النصاب، وحتى لو عممنا “الشواذ” تنفيذا لمبدأ المعاملة بالمثل، فإن الحالتين غير متماثلتين لأن انتخاب الرئيس يحتاج إلى جلسة انتخاب ونصاب، والنصاب مختلف حوله تحت طائلة بقاء مجلس النواب مقفلاً، بينما لا تحتاج الاستشارات إلى جلسة انتخاب ولا تخضع إلى نصاب أو ثلث معطل، والبطريرك عندما سمّى مرشحين إنما أراد مكرهاً أن يحل مشكلة الانقسام المسيحي أولاً. كل ذلك يفيد أن ما أسماه عون مبادرة عشية الفراغ الدستوري تقضي بأن يكون هو الرئيس مقابل موافقته على أن يكون الحريري رئيساً للحكومة، إنما تقع في إطار إعطاء عون للطرف الآخر ما لا يملكه، وبالتالي “ترك” عون للرئاسة لا يعني النتيجة نفسها لدى الطرف الآخر، علماً أن النائب سعد الحريري لم يقل إلى الآن أنه يريد رئاسة الحكومة، لكن ذلك لا يعني قبوله وجمهوره أن ينكر عليه أحد هذا الحق إن هو أراده.


من مجمل طروحات عون يظهر أن لديه رغبة في نسف الطائف، إذ ليس من قبيل الخطأ الشكلي أن لا يرد ذكر للطائف في وثيقة التفاهم مع “حزب الله”، ولا في “وثيقة الطروحات المسيحية”، وليس من الخطأ اللفظي أن يقول عون إنه “زعيم المسيحيين ويمثّل الثلث، و”حزب الله” وحركة “أمل” ـ أي الشيعة ـ الثلث الثاني، وقوى الرابع عشر من آذار الثلث الثالث”، ويقصد بالثلث الأخير السنّة بطبيعة الحال، إذ ان المسيحيين المنضوين في “14 آذار” يمثلون أصفاراً برأيه، ما يؤكد “ما يقال” عن المثالثة لدى حلفائه.


ليس من سوء التعبير أن تطالب وثيقته “التاريخية” بـ”احترام أصول الديموقراطية التنافسية البسيطة ضمن الجماعة الواحدة المتجانسة طائفياً، والديموقراطية المركبة التوافقية ضمن المجتمع الأكبر غير المتجانس والمتنوع طائفيا”، وتالياً لا يمكن أن تـُفهم المطالبة يإعادة النظر بصلاحيات الرئيس، ولا الاستشهاد بالنموذج الفدرالي في كل من بلجيكا وسويسرا، إلا في إطار طرح صيغة جديدة.


أخيراً ليس من مصلحة المسيحيين الذين يمثلهم عون أن يذهب بهم إلى هذا الحد من استفزاز السنة في لبنان. لن يخدم ذلك “الاعتدال الإسلامي”، ولن يخدم الوجود المسيحي، لأن الطائف هو السقف الذي يمكن الاجتماع تحته رغم كل الخلافات والتناقضات، ومن بعده لن يكون للمسيحيين رئيس للجمهورية، وسيكون حلفاء عون الحاليين أول من سيطالب بإحلال ديموقراطية تراعي العددية أو التقسيم.


يخدع عون نفسه إن اعتقد أن سعد الحريري وحيداً من بين الزعماء كان غير راغب في رؤيته في قصر بعبدا. النائب الحريري لم يستغل عون أو يتاجر به، بل كان صريحاً معه، لكن الآخرين الذين أقنعوا “الجنرال” بأنهم حلفاؤه، كانوا في الواقع “يضحكون” عليه حتى اللحظة الأخيرة، وربما سيستمرون.


وبعد، لقد خلّص “القدرُ” الجنرال من شر الكرسي الأول بعد طول سعي، لذا يستحق “صاحب أكبر تمثيل مسيحي”، أن يلتقط أنفاسه ويعيد النظر في مساره وأدائه السياسي، فيكون ثقله التمثيلي في اتجاهٍ أكثر إيجابية، على الأقل هذا ما يأمله محبو “الجنرال” كما خصومه الصادقون لا المتاجرون

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل