#adsense

الجغرافيا السياسية المؤثرة في الواقع اللبناني

حجم الخط

الجغرافيا السياسية المؤثرة في الواقع اللبناني
والتحديات الاقتصادية التي تواجهه(نوفل ضو)


ليماسول 2 كانون الأول 2007


أ –  لبنان بين مرحلتين:
من المسلم به أن ثلاثة أقانيم تتحكم بمصير الشعوب:


1- الجغرافيا
2- السياسة
3- الاقتصاد


وإذا كان موضوع لقائنا هذا، الوضع الجيو – سياسي المحيط بلبنان وتأثيره على التحديات الاقتصادية التي تواجهنا كلبنانيين، فإنه من الطبيعي التذكير بالواقع الذي عاشته الدولة اللبنانية المستقلة منذ نشأتها في العام 1943 ولغاية الآن مدخلا الى قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.


فلبنان، باعتباره جغرافيا وسياسيا جزءا من منطقة الشرق الأوسط، عاش منذ الاستقلال في ظل صراعين أرخيا بثقلهما على الكثير من مفاصل تاريخه الحديث، وطبعا الكثير من محطاته المصيرية:

 

1- صراع إقليمي تمثل في الصراع العربي – الإسرائيلي.


2- صراع دولي اتخذ من الصراع الإقليمي وقودا لتجلياته في المنطقة، وتمثل في المواجهة بين الرأسمالية والشيوعية، وهو ما عرف بالحرب الباردة، أو الحرب بالواسطة.

 

وإذا كانت معرفة الماضي، وإلقاء الأضواء على مفاصله الأساسية مهمة لاستخلاص الدروس والعبر، فإن الأهم يكمن في استشراف المستقبل في ضوء صراعين جديدين يعيش لبنان في ظلهما منذ نهاية القرن الماضي، وهما:


1- الصراع بين الأصوليات الإسلامية والعالم الحر الذي حل مكان الصراع بين الشيوعية والرأسمالية، بعدما شعر التطرف الديني بأن سقوط الشيوعية يجعل منه قادرا على أن يكون رأس الحربة في مواجهة العالم الحر.


2- الصراع المتجدد المتصاعد بين السنة والشيعة في منطقة الشرق الأوسط على قيادة المسلمين، نتيجة لطموحات إيران الإقليمية المعبر عنها بمشروع الخميني لتصدير الثورة، وبالمشروع النووي للدولة الشيعية- الفارسية.


3- وهذا بالطبع من دون إغفال الصراع العربي الإسرائيلي المستمر والموروث من الحقبة الماضية خصوصا بعدما بات يتأثر بالصراعين المستجدين:


– على المستوى الدولي بين التطرف والأصوليات من جهة، والعالم الحر من جهة مقابلة.
– وعلى المستوى الإقليمي بين السنة من جهة، والشيعة من جهة مقابلة.
إنها باختصار كلي، صورة الواقع السياسي الذي يحيط بالجغرافيا اللبنانية، في هذه الحقبة المصيرية من تاريخنا. وأسارع الى القول، بأن أي رهان على تحييد لبنان عن هذه الصراعات، أو أي سعي الى عزل لبنان عن التأثر بها، هو ضرب من ضروب الخيال والوهم، ومحاولة غير واقعية، وغير منطقية للقفز فوق الواقع، لن تؤدي إلا الى أخطاء استراتيجية في التعاطي مع المخاطر المحدقة بنا كلبنانيين عموما، وكمسيحيين في شكل خاص، تنتهي بنا الى المزيد من النكسات والخسائر التي يصعب تصحيحها، أو تعويضها.


فلبنان، واللبنانيون يعيشون في قلب هذه الصراعات، وإقناع الذات بقدرتنا على عزل أنفسنا عنها، سرعان ما سيدحضه الواقع، ولكن بعد فوات الأوان.


لذلك، فإن المطلوب، إقرار واعتراف بالحقيقة والواقع… وخطة متكاملة للتعاطي مع هذين الواقع والحقيقة على نحو يسمح بتعزيز مناعة الجسم اللبناني، والجسم المسيحي في مواجهة الصراعات التي تدور في محيطنا الشرق أوسطي، وصولا الى داخل بيتنا اللبناني.


وما يفترض أن نأخذه في الاعتبار في خطتنا المرجوة، مسلمات عدة:

 

1- لبنان لا يمكن أن يكون بمنأى عن الصراع بين الأصوليات من جهة والعالم الحر من جهة ثانية، لأن تركيبته الاجتماعية التعددية والمعقدة والمتداخلة تجعل منه بيئة قابلة لنمو الأصوليات من جهة، وبيئة حاضنة لقيم العالم الحر من جهة مقابلة. وهو ما يجعل أرضنا، حكما، جزءا من ساحة الصراع بين الاصوليات والعالم الحر.


2- لبنان لا يمكن أن يكون بمنأى عن الصراع السني – الشيعي لأن الطائفتين السنية والشيعية تعتبران مكونين اساسيين من مكوناته الطائفية، وبالتالي فإنه لا بد لهما بفعل امتدادهما الإقليمي أن يتاثرا بالصراع ويتحولا الى وجه من وجوهه المحلية على الساحة اللبنانية.


3- لبنان لا يمكن أن يكون بمنأى عن تأثيرات الصراع العربي – الإسرائيلي، لاعتبارات عدة أقلها أنه دولة عربية له حدود مشتركة مع اسرائيل، وهو يستضيف على أرضه مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لا خلاف في أنها تحولت الى جزر أمنية ومرتع يأوي تنظيمات ومجموعات تستفيد من البيئة الاجتماعية والسياسية لبناء قواعد خلفية، أو بالأحرى متقدمة، للصراعات الإقليمية والدولية التي سبقت الإشارة اليها.


ب- المشروع الإقتصادي المفقود:


من هنا نصل الى الإشكالية الأهم التي يفترض بمؤتمرنا أن يكون المنطلق الجدي للبحث عن حلول لها، ألا وهي: كيف يمكن للمسيحيين، بالتعاون مع شركائهم في القناعة بالقيم الإنسانية والسياسية والديموقراطية ذاتها، أن يتبنوا مشروعا اقتصاديا يمكنهم من مواجهة التحديات الجيو – سياسية التي تحيط بلبنان، والتي تهدد وجودهم كجزء من العالم الحر بمعناه الواسع، أي العالم النقيض للأصوليات، والتعصب، والانغلاق، والتقوقع، والآفاق المحدودة لا بل المقفلة.


وقد يكون من المناسب دلالة على أهمية المشروع الاقتصادي في التأثير على القرار السياسي أن أضعكم في صورة مقال قرأته قبل أيام، عن بعض جوانب المشروع الأميركي الاقتصادي للتحكم بالقرارات السياسية العالمية.


جاء في المقال أن اقتصاد الصين لا يمكن أن يتجاوز في ظل سعر يقارب المئة دولار لبرميل النفط، أكثر من 9 في المئة من الاقتصاد العالمي… في حين أنه كان من شأن الإبقاء على سعر برميل النفط في حدود الخمسين دولارا أن يسمح للاقتصاد الصيني بأن يشكل ما يقارب العشرين في المئة من الاقتصاد العالمي، مع ما يعنيه ذلك من أبواب لنفوذ صيني سياسي على الساحة الدولية.


وجاء في المقال أيضا أن ارتفاع قيمة العملة الأوروبية الموحدة اليورو في مقابل الدولار الأميركي الى الحدود التي وصلت اليها اليوم (حوالى 150 سنتا اميركيا لليورو)، يجعل الدورة الاقتصادية الأوروبية محصورة في الحدود الجغرافية لدول الاتحاد الاوروبي بسبب ارتفاع أسعار المنتجات الأوروبية بالمقارنة مع الانتاج الأميركي، ويبقي بالتالي بقية دول العالم في الفلك الاقتصادي، وبالتالي السياسي، للولايات المتحدة الاميركية، بعيدا عن الفلك السياسي لدول أوروبا التي تطمح لأن تتحول الى قطب من أقطاب السياسة الدولية.


بطبيعة الحال، لا نحن الصين حجما… ولا نحن أوروبا قدرة… ولا نحن الولايات المتحدة الأميركية زعامة… ولكن الثالوث: الجغرافي – السياسي – الاقتصادي هو ذاته في كل مكان وكل مجتمع… فكيف السبيل الى أقنوم اقتصادي لبناني ومسيحي يكمل أقنومي الجغرافيا والسياسة المؤثرين في حاضرنا ومستقبلنا؟


ج- المرجعية الإقتصادية والولاء السياسي:


بادىء ذي بدء لا بد من الإشارة الى أن العلاقة بين السياسة والاقتصاد توازي في أهميتها العلاقة بين السياسة والجغرافيا وفقا لما سبق شرحه.


ففي الحديث عن العلاقة بين السياسة والاقتصاد بالنسبة الينا كلبنانيين، نقارب جانبا مهما للغاية من طبيعة المشكلة التي نعاني منها هذه الأيام نتيجة لطبيعة الصراعات التي نعيشها على أرضنا.


إن الجانب الاقتصادي هو رابط أساس للناس بدولتهم. وكلما زاد الارتباط الاقتصادي للمجتمع بالدولة كلما زادت مناعة الدولة وقدرتها. وكلما تراجعت المرجعية الاقتصادية للدولة او للنظام السياسي في حياة الناس والمجتمعات والشعوب، كلما ضعفت الدولة والنظام لمصلحة مرجعية أخرى يلجأ اليها المجتمع او بعضه للحصول على حاجاته.


إن هذه القاعدة هي التي تفسر حقيقة ما نعيشه هذه الايام في ظل محاولات إقليمية لتكريس لبنان ساحة صراع بين مشاريع إقليمية توسعية.


فمن باب ضعف المرجعية الاقتصادية للدولة اللبنانية، يتسلل المشروع الإيراني الى المجتمع اللبناني عبر حزب الله. قد يكون سلاح الحزب بالنسبة الى البعض هو الأكثر خطورة. لكن الواقع هو أن القوة الاقتصادية لحزب الله المستمدة من المشروع السياسي الإيراني في المنطقة هي الأساس. والأموال التي تتدفق على الحزب من إيران جعلت منه المرجع بالنسبة الى قسم مهم من المجتمع اللبناني. فهو المعني بالإعمار… وهو المعني بالتربية والتعليم والمدارس والجامعات… وبالاتصالات… والصحة… والرعاية الاجتماعية… والمشاريع التنموية… والمشاريع الانتاجية… وباختصار هو المرجعية لدورة اقتصادية متكاملة مستقلة عن الدورة الاقتصادية للدولة اللبنانية بنسيجها الطائفي والاجتماعي والمناطقي.


وإذا كانت المرجعية الدينية لإيران تعتبر بالنسبة الى البعض السبب في قدرة حزب الله على التحكم بالقرار السياسي للغالبية الساحقة من الطائفة الشيعية في لبنان، فإنه لا يجوز إغفال أهمية المرجعية الاقتصادية للحزب، بدعم من مشروع التوسع الإيراني في المنطقة، في الإمساك بمفاصل القرار في الطائفة الشيعية. 


لذلك يبدو حزب الله قادرا على اتخاذ، أو تنفيذ قرارات سياسية وعسكرية وأمنية مدمرة للاقتصاد اللبناني، من دون أن يخشى أي ردة فعل رافضة من الرأي العام الشيعي. وما حرب تموز عام 2006 التي دمرت البنى التحتية للدولة اللبنانية، والاعتصامات المستمرة في وسط بيروت التي ألحقت أفدح الخسائر بدورة الحياة الاقتصادية إلا خير دليل على صحة هذه المقاربة. فلو كانت الطائفة الشيعية مرتبطة حصرا بالدورة الاقتصادية لبقية الشعب اللبناني، لعلت صرخات الاستنكار والرفض للمضي قدما في سياسات الحروب الخارجية وزعزعة الاستقرار الداخلي.


وفي ظل واقع التركيبة الطائفية اللبنانية، التي تعتبر فيها الطائفة الشيعية محمية اقتصاديا بالمال الإيراني… والتي يعتبر الخليج العربي السني، الغني بأموال النفط، خط الدفاع الخلفي عن المصالح الاقتصادية للطائفة السنية… يبدو المسيحيون والدروز خارج دائرة الحماية الاقتصادية للمظلات الخارجية.


فجغرافيا الانتشار الدرزي في جبل لبنان، بعيدا عن المدن الكبرى، تجعل من الدروز بوجه عام أبناء مجتمع متواضع اقتصاديا، يقوم على الزراعة وبعض الخدمات السياحية، والتجارة المحلية المحدودة، والأعمال الحرفية البسيطة.


أما المشكلة الاقتصادية للمسيحيين، فتبدو الأكثر عمقا بالمقارنة مع الطوائف اللبنانية الأخرى، وهي سبب أساسي من أسباب الهجرة التي تنعكس سلبا على اللعبة الديموغرافية والعددية، وبالتالي على حجم الحضور السياسي للمسيحيين، وفاعليتهم وتأثيرهم في الحياة السياسية اللبنانية.


فالمسيحيون يفتقدون عمليا الى المظلة الاقتصادية الخارجية الداعمة خلافا للواقعين السني والشيعي. فكيف يمكن والحال هذه أن يؤمن المسيحيون ما يمكنهم من تأمين المتطلبات الأساسية للحياة، والصمود في لبنان تمهيدا للانتقال الى مرحلة استعادة الدور المتراجع وترميم الحضور المتداعي؟

 

د – خصائص المشروع الإقتصادي للمسيحيين:


وهنا أسارع الى القول، وعلى الرغم من أني لست متخصصا في شؤون المال والاقتصاد الى أن ما ينقص المسيحيين ليس المقومات الاقتصادية بحد ذاتها، ولا العناصر المكونة لاقتصاد متين، وإنما إدارة جيدة وعلمية وحديثة لهذه المقومات والعناصر.


كما أسارع الى القول بأن المطلوب ليس بناء اقتصاد مسيحي مواز أو مستقل عن اقتصاد الدولة اللبنانية، على غرار اقتصاد حزب الله، وإنما اقتصاد يكون في صلب الاقتصاد اللبناني وأساسه. فأي اقتصاد مسيحي، لا يكون في خدمة مرجعية دولة قوية، ولا يحميه سقف دولة قوية، لا يفيد الحضور السياسي للمسيحيين في شيء، وهو في أحسن الأحوال يجعل من المسيحيين طائفة “أوف شور سياسي” في لبنان على غرار شركات ال”أوف شور” التي تقوم في بعض الدول… وانتم كرجال أعمال تعرفون ولا شك خصائص مثل هذه الشركات…


وإذا كان المسيحيون مقتنعون فعلا بمرجعية الدولة في حماية حضورهم السياسي، فإن هذه المرجعية لا بد أن تكون شاملة متكاملة وتتضمن الاقتصاد والامن والرعاية الاجتماعية وغيرها.


أما المقومات الاقتصادية التي أرى أنها لا تزال، من حيث المبدأ، سليمة، وصالحة لتكون القاعدة الأساس لمشروع اقتصادي لبناني، ينعكس ازدهارا ورخاء على المسيحيين، فهي الآتية:


أولا: تحت عنوان السياحة:


1- مفاتيح السياحة الشتوية المتمثلة بالتزلج. فمناطق الارز واللقلوق وفاريا – عيون السيمان – كفرذبيان وقناة باكيش – صنين – الزعرور كلها مناطق مسيحية الهوية ملكية وسكانا، على وجه العموم. وهو ما يفترض منا عناية استثنائية تحول دون تغيير في هوية هذه المناطق في مرحلة أولى، تمهيدا لولوج مرحلة الاستثمار العلمي والمدروس لهذه الثروة المميزة.
2- مفاتيح السياحة الصيفية، المتمثلة بالبحر والرياضات المائية. فالواجهات البحرية للمدن اللبنانية الكبرى الثلاث أي بيروت العاصمة، وطرابلس وصيدا هي عمليا، على الأقل في الوقت الحاضر غير صالحة لسياحة صيفية وبحرية لاعتبارات أقلها بيئية حيث ترتفع نسبة التلوث بسبب مكبات النفايات والمازوت، وتجارية حيث تقضم المرافىء التجارية الواجهة البحرية لهذه المدن وتجعل منها غير صالحة لسياحة بحرية حقيقية. وفي المقابل، فإن المدن والمناطق الساحلية الأخرى من شكا الى البترون وخصوصا جبيل وجونية وصولا الى الرميلة والجية والدامور، وهي مناطق مسيحية بامتياز تجعل منها رأسمالا كبيرا وشبه وحيد لهذه الوجهة من السياحة، إذا أحسنت الإدارة، خصوصا أن شواطىء أقصى الجنوب تقع ضمن البيئة السياسية لحزب الله المنغلق على متطلبات هذا النوع من السياحة.

 

3- مفاتيح السياحة الدينية التي تعتبر في كثير من دول العالم شريانا مهما من شرايين الاقتصاد الوطني والدخل القومي. فلا شيء يمنع لبنان من أن يكون ميديغورييه الشرق او لورد الشرق على سبيل المثال لا الحصر… فمن سيدة لبنان في حريصا، الى مثلث القديسين في جربتا – كفيفان – عنايا وصولا الى بقاعكفرا ووادي القديسين في الشمال ثروة تحتاج الى الحد المقبول من الترويج والدعاية لتتحول الى داعم اقتصادي لا يستهان به للبنان ولمسيحييه على وجه التحديد.


ثانيا – تحت عنوان التجارة والخدمات:


نلفت الى أن بيئة سياحية كالتي أشرنا اليها من شأنها أن تنمي على أطرافها دورة تجارية تقوم على مقدمي الخدمات في قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والاتصالات، وعلى صغار التجار، تواكب عمل كبار المستوردين والمنتجات المحلية للصناعيين والحرفيين اللبنانيين على حد سواء. 


ثالثا – تحت عنوان الصناعة والمصارف:


إن العلاقة بين المصارف التي يتمتع فيها المسيحيون بقدرات كبيرة، بدليل الأسماء الكبرى في القطاع أمثال فرنسوا باسيل، وآل عوده، وآل روفايل، وغيرهم ممن تخطت أنشطتهم الحدود اللبنانية الى أكثر من دولة عربية وأوروبية، وبين القطاع الصناعي يفترض أن تكون أكثر تفاعلا، من منطلق أن للمصارف دورا مهما في تمويل القدرات الانتاجية للبنانيين، والمشاريع الحيوية التي تثبت جدواها الاقتصادية.


لقد أثبت الصناعيون المسيحيون على الرغم من الإهمال الذي يعتري هذا القطاع من الدولة كما من مؤسسات التمويل الخاصة أنهم قادرون على المواجهة والنجاح، بدليل مجموعات آل فرام، وصراف التي باتت تنافس في انتاجها صناعات أوروبية وأميركية عريقة.


رابعا – تحت عنوان الثروة المهدورة للكنيسة:


إن الثروة الاقتصادية المسيحية الكبرى، المهدورة، وفي أحسن الأحوال المهملة، هي ثروة الكنيسة… وهنا أسارع الى القول بأني لست من الناقمين على الكنيسة… ولا من الداعين في ساعة نقمة وثورة الى تأميم ممتلكاتها، أو توزيعها على الفقراء… وما الى ذلك من شعارات نسمعها في مجتمعنا في لحظة غضب وضيق اقتصادي يستوطن منازل الألوف من عائلاتنا المسيحية المعدمة.


ما أردت مقاربته في هذه المداخلة هو إدارة ممتلكات الكنيسة وحسن استثمارها لتعطي مردودا تجاريا بحجم الرأسمال.
إن كنيستنا، في جانبها الاقتصادي قامت قبل مئات السنوات على اقتصاد زراعي تماشيا مع الجغرافيا التي نشأت فيها، ومع الظروف السياسية التي حتمت الانتشار في هذه الجغرافيا من جبل لبنان دون غيرها من المناطق.


وإذا كانت البيئة الزراعية التي تأسست عليها كنيستنا، وخصوصا المارونية منها… على اعتبار أن الكنائس الكاثوليكية الأخرى والأرثوذكسية هي كنائس مدنية – ملكية… كانت بيئة مثالية قبل مئات السنوات بحسب المفاهيم الاقتصادية والحياتية والمعيشية لتلك الحقبة، وسمحت للمسيحيين بأن يحافظوا على حضورهم ودورهم، فإن اقتصاد الكنيسة في حاجة الى اعادة نظر في ضوء المفاهيم الجديدة للاقتصاد القائمة على الصناعة والسياحة والتجارة والخدمات المصرفية وغيرها…


ليس المطلوب توزيع أملاك الكنيسة على الفقراء، وإنما استثمار أملاك الكنيسة على نحو يجعلها جزءا من القدرات الانتاجية للمسيحيين وجزءا من الاقتصاد القومي اللبناني.


من غير الجائز أن تبقى أملاك الكنيسة مجرد أموال غير منقولة وصكوك في الخزائن، في وقت يمكن أن تجعل منها إدارة متطورة وحديثة ثروة وطنية في خدمة المسيحيين وكل لبنان.


لقد آن الأوان لإدخال اقتصاد الكنيسة عالم الصناعة والسياحة والتجارة والخدمات المصرفية وغيرها على غرار ما هو قائم في معظم كنائس العالم، فتتحول الأوقاف من قوة جامدة تضمن الحد الأدنى من الملكية للمسيحيين الى قوة متحركة تغذي شبابهم ومؤسساتهم وتمول مشاريعهم الانتاجية والتربوية والصحية والاجتماعية والاسكانية وغيرها…


خامسا – تحت عنوان المخططات التوجيهية والإرشادية


بمعزل عن رمي التهم والمسؤوليات عما آلت اليه الأمور، وبمعزل عن أهمية المبادرة الفردية التي طالما تغنينا بها في معرض حديثنا عن بناء الاقتصاد اللبناني، وبمعزل عن نوبات التشاؤم والنعي التي يمكن أن تنتاب الكثيرين منا في لحظات الإحباط، أو نوبات التفاؤل المبنية على بعض المعنويات المبنية على المواقف الشاعرية والتمنيات السريالية أكثر مما هي مبنية على الواقع، فإن الإقتصادات الحديثة باتت مشاريع متكاملة، وتصورات استراتيجية لآماد قصيرة ومتوسطة وطويلة، تحتاج الى دراسات معمقة للامكانات والجداوى الاقتصادية وللأهداف المرجوة. ومثل هذه الدراسات لا تكون من فعل أشخاص أو أفراد، لأنها تتعدى قدراتهم وامكاناتهم، بل هي عادة ما تكون من عمل مؤسسات حزبية أو رسمية تابعة للدولة، لتعكس تصورات ومشاريع تصب في هدف واحد معروف ومحدد سلفا.


لذلك يجب علينا كمؤتمر أن نخرج في توصياتنا بقرارات عملية على علاقة برسم مثل هذه السياسات، وبإيجاد الآليات التنفيذية المطلوبة لها، ليصار الى تبنيها من قبل المرجعيات الحزبية والرسمية المعنية، تمهيدا لوضعها موضع التنفيذ في اقرب فرصة ممكنة.


فمفهوم قوة الحضور في مواقع السلطة يجب ألا تكون محصورة بعد اليوم بمفهوم الحقائب السيادية، الأربع، لأن المطلوب للخروج بالمسيحيين ولبنان من المآزق التي تطرقنا الى بعضها، قرارات اقتصادية توازي في اهميتها وربما تفوق القرارات السياسية والامنية والعسكرية…


أختم وأقول في أيام تكثر فيها سيناريوهات توزيع السلطة للمرحلة المقبلة… من حقنا أن نتمثل بما يتناسب مع حضورنا الشعبي وحجمنا السياسي… وتمثيلنا على هذه الأسس هو حق وليس منة من أحد… ولكن إذا خيرنا بين حقيبة وزارية ومشروع اقتصادي – إنمائي بحجم الواجهة البحرية لمدينة جونية على سبيل المثال لا الحصر، علينا أن نختار المشروع الاقتصادي الانمائي لأننا بذلك نكون قد حققنا لشعبنا ما قد لا نتمكن من ان نقدمه له بالمنصب الوزاري او الموقع النيابي أو الإداري…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل