#dfp #adsense

برّي يحطّم الرقم القياسي في مجانبة الأصول الدستوريّة

حجم الخط

لا يعترفُ إلاّ بنفسه وينكرُ دستوريّة الحكومة
وليس مستعجلاً لاستعادة شرعية الرئاسة ويقفل شرعيّة المجلس

برّي يحطّم الرقم القياسي في مجانبة الأصول الدستوريّة

نصير الأسعد

 

في ضوء ما آل إليه الاستحقاق الرئاسي في الأيام القليلة الماضية، لا مفرّ من التوقّف عند “أداء” نبيه بري كرئيس لمجلس النواب.


من المعروف أن إنتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية يحتاج الى تعديل للمادة 49 من الدستور التي تمنع موظفي الفئة الأولى من أن ينتخبوا في هذا الموقع. أظهرت كل الدراسات القانونية والدستورية التي أعدّها فقهاء دستوريون “متنوّعون” أن تعديل الدستور يجب أن يمر بالحكومة. إما اقتراح قانون من عشرة نواب يقرّه المجلس النيابي بالأكثرية الموصوفة دستوراً أي بالثلثين ليُحال الى مجلس الوزراء الذي يفترض أن يقرّه بدوره بالثلثين ليعيده الى المجلس. وإمّا مشروع قانون مقرّ بثلثي مجلس الوزراء الى مجلس النواب.
وحده بري يرفض مرور التعديل بالحكومة


وحده الرئيس بري يرفض الاعتراف بهذه الآلية. حتى “الفتوى” التي أعطاها الرئيس حسين الحسيني بـ”تعليق” العمل بإحدى فقرات المادة 49 المانعة لانتخاب العماد سليمان، والتي “تكمّش” بها بري عند “الوهلة الأولى” إذ افترض أن هذه “الفتوى” تُعفي من المرور بالحكومة، سرعان ما تراجع عنها بعد أن أوضح “المفتي” أن التعديل أو التعليق يجب أن يمرّا بالحكومة.


وحده الرئيس بري إذاً يفسّر كيفية تعديل الدستور دستورياً. غير أن “حجّته” لا تقف عند حد إحتكار تفسير آلية تعديل الدستور، إذ يعتبر أن “أي شيء” لا يمكن أن يمرّ في حكومة “غير شرعية وغير دستورية” فكيف بتعديل الدستور؟
.. ووحده قرّر أنها غير دستورية


هنا، يضع المراقبون جانباً إطراء بري على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ووصفه لها ذات يوم من أيام ما بعد حرب تموز 2006 بأنها “حكومة المقاومة السياسية بامتياز” قبل أن يفرض عليه الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الإنضباط بتوصيفه الخاص لهذه الحكومة “المتواطئة مع العدو” والواجبة التغيير. كذلك يضعون جانباً ما قاله بري ظهراً من ذات سبت في طهران لجهة أن الحكومة بعد استقالة الوزراء الشيعة منها “ليست ميثاقية لكنها قائمة دستورياً” لأن أكثر من ثلثي أعضائها لا يزالون فيها.. قبل أن يغيّر موقفه بعد ظهر ذلك السبت ومن طهران إثر لقائه بمرشد الجمهورية الإسلامية فيعتبرها لا ميثاقية ولا دستورية.


يضع المراقبون ذلك كله جانباً. ذلك أن المهم هو من يقرّر في النظام السياسي اللبناني أن هذه الحكومة دستورية أو غير دستورية؟ فهل يحقّ لرئيس المجلس أن يقرّر لوحده وبنفسه؟ وهل يحقّ أصلاً لرئيس المجلس أن ينوب عن الهيئة العامة لمجلس النواب في إطلاق أحكام يعود أمر إطلاقها الى هذه الهيئة العامة مجتمعةً؟


.. ولم يفعل شيئاً لـ”تقويم” المسار


طبعاً، أخذاً بالقواعد الدستورية الديموقراطية، كان يُفترض برئيس المجلس أن يدعو الحكومة الى المثول أمام البرلمان للاقتراع على الثقة لكنه لم يفعل. ويعرف رئيس المجلس ـ أي رئيس للمجلس ـ أن لا سبيل دستورياً وديموقراطياً لإنهاء حكومة غير شرعية وغير ميثاقية وغير دستورية إلاّ في مجلس النواب. ويعرف رئيس المجلس ـ أي رئيس للمجلس ـ أن إنهاء حكومة بهذه الأوصاف لا يحتاج حتى إلى الاقتراع على الثقة بل الى مجرّد الدعوة إليه أو التلويح به. كما يعرف رئيس المجلس ـ أي رئيس للمجلس ـ أن استكمال الحكومة يجب أن يمرّ برئيس الجمهورية الذي كان سيرفض توقيع مراسيم الوزراء البدائل، ولذلك رفض رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء استقالة الوزراء. وعلى أي حال ليس فقط لم يقُم بري بإدخال المجلس على الخطّ، خطّ الأزمة الوزارية باعتباره المرجع الدستوري الوحيد للبتّ، لكنه لم يمارس متحصّناً بمؤسسة المجلس أي ضغط من أجل تمكين الحكومة من استكمال قوامِها.. بل اختار مع حلفائه مما يسمّى “المعارضة” النزول الى الشارع قرب المجلس من دون دخول النواب إليه.


الربط “السياسي” للإستحقاق “الدستوري”


إذاً يرفض بري أن يمرّ تعديل الدستور بالحكومة. ويتحجّج بكلام عن لاشرعية ولادستورية الحكومة لم يقُله مجلس النواب مجتمعاً في حينه، فلا هو دستوري في موقفه من آلية تعديل الدستور ولا هو دستوري في موقفه من الحكومة.
تزامناً، يرتبط بري بتحالف سياسي يشترطُ لإتمام الاستحقاق الرئاسي وتعديل الدستور من أجل إتمامه، البتّ المسبق بالحكومة المقبلة وبالعناوين السياسية للمرحلة. وغنيّ عن القول أن هذه الشروط منافية للدستور وللعبة الديموقراطية في إطار الدستور، على اعتبار أن إنتخاب رئيس الجمهورية لا يرتبط بأي شيء آخر، بل هو واجب دستوري على نواب الأمة. فإذا كان مفهوماً أن يكون لبري موقف سياسي أو أن يكون مراعياً سياسياً لحلفائه، فلا يمكنه كرئيس للمجلس، للمؤسسة التي تشرّع وتفسّر الدستور، أن يتغاضى عن “الارتكابات” الدستورية.. فضلاً عن أن تعطيل إنتخاب رئيس الجمهورية هو قمّة الخروج عن الدستور.


كيف تعامل بري مع النصاب؟


هذا كله بـ”مناسبة” الاستحقاق الرئاسي. لكن قبل إقفال هذا “الملفّ” لا بد من التذكير بموقف الرئيس بري من نصاب انتخاب رئيس الجمهورية.


قال بري إن النصاب لافتتاح الانتخاب هو الثلثان وإلاّ لا افتتاح ولا إنتخاب. قال ذلك و”مترس”. من أفتى بذلك؟ من حسمَ بين الآراء الدستورية في هذا المجال؟. الجواب انّ الرئيس بري بتّ لوحده من دون المجلس النيابي مجتمعاً. وعلى افتراض أنّ “الفتوى” صحيحة، فهل دور رئيس مجلس نواب الأمّة عدم دفع النواب إلى ممارسة واجب تأمين النصاب، وهل دوره رعاية عملية مقاطعة لأهم استحقاق دستوري، وهل يريد التأسيس لاستبداد الأقلية أي أقلية بحيث لا يعود انتخاب رئيس الجمهورية وارداً إلى أبد الآبدين؟.


من نافل القول إنّ الحديث هنا هو عن نبيه بري رئيس المجلس وفي الدستور وليس عنه كفريق وفي السياسة. والحال أنّ ما يؤديه بري في هذه “الأيام الرئاسية” ليس سوى غيضٍ من فيض، لان بري ضرب خلال عام رقماً قياسياً في مجانبة الأصول الدستورية.


نظرية سلامة المجلس بإقفاله!


“إبتكر” نظرية لم يسبقه اليها لا رئيس لمجلس النواب في لبنان ولا أي رئيس لبرلمان في العالم. تقول هذه “النظرية” إن أفضل حماية لوحدة المؤسسة هي إغلاقها (!). وهكذا بدون دينامية نيابية ضاغطة لحلّ الأزمة أو مبادرة إلى تقديم أفكار لحلها، صار المجلس “مكاناً” مقفلاً. وإحدى “ذرائع” رئيس المجلس في هذا المجال انه لا يمكن انعقاد جلسات تحضُرها حكومة غير شرعية وغير دستورية، وهو الأمر المردود عليه آنفاً.


غير أن واقع الأمر، هو بعكس “الذرائع”. فمنذ اللحظة الأولى لانتخابه لرئاسة “هذا” المجلس قرّر بري على ما يبدو “الهرب” من “قانون” الأكثرية والأقلية داخل المجلس، أي من اللعبة البرلمانية الأصليّة والأصيلة.. حتّى ليبدو رئيس المجلس المُنتخب من الأكثرية غير معترفٍ بشرعية الأكثرية أي بشرعية المجلس.


لا يعترف إلا بنفسه ويضع الشيعة في “بوز المدفع”


والآن، بات يمكن القول إنّ بري لا يعترفُ بشرعية رئاسة الجمهورية بدليل عدم إعترافه بوجوب الإسراع في ملء الفراغ الرئاسي.. ولا يعترفُ بالحكومة. ولا يعترفُ بالمجلس وقد أقفله دهراً. يعترف بنفسه فقط علماً أنّ شرعية رئاسة المجلس منبثقة من شرعية المجلس.


فهل سيمضي بري قدماً في مجانبة الأصول الدستورية إلى أن يأتيه “الترياق” السياسي من مكان ما إقليمياً كان أو محلياً؟.


الأمر مؤسفٌ فعلاً. فثمّة جانب لعلّ الرئيس بري لا ينتبه إليه، كما يجب على الأقل، وهو انّه لا يحقّ له وقد أوكل الشيعة إليه بعض مقاليدهم، أن يضع الشيعة في مواجهة إستحقاق، هو إستحقاقٌ للشراكة الوطنية بامتياز، لانه يتعلّق بموقع طائفة مؤسسة للكيان ضمن هذه الشراكة الوطنية. والتلطي بين حين وآخر بالجنرال ميشال عون لا يجدي نفعاً لانّه سبق لبري أن أعلن السير خلف البطريرك الماروني الذي وجد انّ رئيس المجلس لم يفِ بما أعلنه وتعهّد به.
فما هكذا يورد الإستحقاق. وما هكذا تتم الدعوة إلى الجلسات لتُقاطع. ولا يُدعى إلى جلسة إنتخاب وقتَ يجب الدعوة إلى جلسة لتعديل الدستور.


النظام الداخلي للمجلس.. وسامح الله السيد حسين


على أي حال، انّ التجربة مع الرئيس بري باتت تحتّم على مجلس النواب في أول عمل له بعد إعادة تشكيل السلطة، النظر في النظام الداخلي لمجلس النواب. لا بدّ من توضيح دور رئيس المجلس في كيفية إدارة المؤسسة، ما يجوز له وما لا يجوز.


في جميع الأحوال سامح الله السيد حسين. “ناضل” في الطائف ليكون رئيس المجلس “سيّد الرؤساء” مفترضاً انّ رئاسة المجلس ستدوم له أو انه هكذا يُعلي من شأن الشيعة. وهكذا أصبح رئيس المجلس الذي يمكن إنتخابه ليس بالأكثرية المطلقة بل بالأكثرية النسبية، أي ليس بالثلثين، بحاجة إلى الثلثين لسحب الثقة منه بعد عامين من ولايته الممتدة على أربع أعوام. صار رئيس المجلس أكثر حصانة ومتانة خلال ولايته من رئيس الجمهورية. رئيس الجمهورية يمكن اتهامه بالخيانة العظمى بالثلثين. لكن رئيس المجلس لا يأتيه الباطل من أي جانب. لكنه الدستور المؤسس على الميثاق ولا بحث مثمراً قبل تطبيقه بحذافيره. هذا مع الإشارة إلى انّ حقوق الشيعة ضمن اتفاق الطائف مكفولة ليس بما جرى المرور عليه آنفاً، بل بالشراكة المتساوية مع سائر الطوائف الكبرى في إطار الدولة والنظام السياسي.. وهذا شأن آخر على أي حال.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل