يوماً ما !
راجح الخوري
إذاً أهلاً بك مستر كوشنير في صفوف اليائسين من الفالج السياسي والأخلاقي والوطني الذي وقع فيه لبنان، وقد بات ملقياً مثل خرقة ممزقة على طاولة التحديات والمقايضات وعمليات الابتزاز إقليمياً ودولياً.
سئل وزير خارجية فرنسا: متى سيكون للبنان رئيس؟ فرد بالقول: “ربما غداً وربما الاسبوع المقبل والأسهل ان نقول يوماً ما”!
نعم في يوم من الأيام يكون رئيس للبنان. هذا اذا بقي لبنان الذي عرفناه وتعرّف اليه كوشنير. فقياساً بكل هذا الطوفان من الألاعيب والانقلابات في المواقف والكيفية المذهلة في جعل الدستور وجهة نظر معارضة بامتياز، وفي جعل مواده الواضحة والصريحة حججاً واهية لدى المعارضين، او بالاحرى حبالاً لشنق الدستور وتكتيف جماعة 14 آذار وسوقهم مهزومين ومخفورين الى بيت الطاعة – قياساً بكل هذا – يسهل فعلاً استخلاص ما يريد هؤلاء.
في اختصار بسيط ربما يريدون فخامة الفراغ، رغم ما قد يكون بعد الفراغ من فوضى. ومن دخول البلاد في نفق المجانين مرة جديدة حيث ينزلق اللبنانيون كما انزلقوا في الماضي القريب ولم يتعلموا شيئاً، ينزلقون الى جولة جديدة من الصراع وحروب الشوارع، فلا ينتهي هذا الاّ بعد ان تقوم صيغ جديدة تحكم البلاد، وتدفن الى الأبد حلم ليلة صيف يدعى “انتفاضة الاستقلال”.
يوماً ما قد يبكي اللبنانيون جميعاً، بمن فيهم أولئك الذين يواصلون الآن استخراج أرانب التعطيل والتسويف والتيئيس من قبعات ليس فيها شيء من لباقة السحرة بل فيها الكثير من فظاظة ذبح الوطن، تماماً كما بكى العرب الأندلس.
يوماً ما يكون لكم رئيس.
“إذاً لا تخافوا الفراغ وعيّدوا بطمأنينة”.
“إذاً لا تخافوا الفراغ وعيّدوا بطمأنينة”.
تماماً كما قيل لكم يوماً “ناموا وأبواب بيوتكم مفتوحة” فدهمتكم حروب الآخرين التي دمرت لبنان وأرسلت من أرسلت الى المنافي أو السجون، بعدما كانت قد أرسلت اكثر من 200 ألف لبناني الى المقابر وقد ماتوا ليحيا لبنان الذي يبدو الآن ممنوعاً من الحياة (!). وتماماً كما قيل لكم يوماً والنار تأكل بيوتكم وقلوبكم: “إذهبوا الى البحر وتنشقوا الهواء المشبع باليود…”.
فما كان لكم سوى ان تركبوا البحار الى الهجرة وقد طفش منكم للتذكير فقط او لترطيب الذاكرة المتيبّسة اكثر من 500 الف مسيحي، فأين المسيح الآن يقول رأيه في ذلك وفي الزعيق القائم على حقوق المسيحيين في لبنان، وعلى استعادة هذه الحقوق في وقت يستمر تفريغ المقام الرئاسي الأول في هذه الدولة السعيدة من الرئيس الماروني، وفي زمن يتعالى الحديث عن “استعادة الحقوق السليبة للمسيحيين”بما يوحي ان هناك من يريد تغيير اتفاق الطائف والدستور وهو ما يذكّر بأمرين:
? أولاً: ان الدستور الذي جعلوه نتفاً ممزقة وسط عصفورية سياسية بلا حدود، لا يمكن إعادته الى الوراء عندما تحين تلك “الساعة”، ونحن نعيش الآن على ما يبدو “علامات الأزمنة” التي ستفضي بنا الى تلك الساعة حيث قد تنتصب المثالثة بديلاً من المناصفة كلحمة لاعادة تركيب او “تلزيق” هذه الشظايا من الطوائف والمذاهب والقبائل، وطبول المثالثة تقرع في هدوء منذ زمن !
وعندما يكون دفع الجمهورية الى الفراغ والفوضى هو المدخل الوحيد الى تفكيك الدستور والمعادلات وإعادة ترتيبها لاحقاً فان حقوق المسيحيين يا سيدي الى نقصان لا الى استعادة او إعادة.
إذاً لا تخافوا الفراغ إذهبوا وعيّدوا بطمأنينة وناموا على حرير وأبواب بيوتكم مفتوحة، فلن يلبث بابا نويل ان ينزل من الدخان والمداخن ويضع حقوق المسيحيين هدايا ميلادية تحت الاشجار التي لا تجد طاقة كهربائية تنيرها !
? ثانياً: ان الحديث عن استعادة حقوق المسيحيين اللبنانيين يذكرنا طبعاً بشعار استعادة الحقوق في فلسطين السليب. ربما لتكون لنا على امتداد نصف قرن آخر مؤتمرات الاكاذيب والغش مثل مدريد واوسلو وصولاً الى أنابوليس، الذي كان لبنان في كواليسه “كسور الحساب” في التسويات والترتيبات واعادة دفء العلاقات… ونحن بكل ذكاء وعزم وايمان ماضون في تعطيل الوطن.
رئاسة الجمهورية في فراغ. مجلس النواب مقفل الى ان يحل ذلك “اليوم ما”. والحكومة المقبولة دستورياً في أمور كثيرة ترضي المعارضة مرفوضة في تعديل الدستور تمهيداً لانتخاب رئيس للجمهورية ومن أجل النضال لحقوق المسيحيين طبعاً.
ماذا بعد؟
في جلسة يوم الجمعة من الاسبوع الماضي تم في المفاوضات بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري الاتفاق على مخرج يمكن ان نسميه “مخرج الكأس المرّة”. أي كما تجرعت الاكثرية كأس القبول بتعديل الدستور، تقبل المعارضة بأن تتجرع كأس مرور آلية تعديل الدستور بالحكومة. هكذا كان الاتفاق. والى اللقاء السعيد “يوم الثلثاء” لكن يوم الثلثاء لم يكن “لناظره قريب”. وها نحن امام من يبشّر بفراغ طويل الأمد. نعيّد الميلاد والفصح ويستمر الفراغ الى “يوم ما”. عندما تحل نعمة الوئام على دول المنطقة والعالم.
في جلسة يوم الجمعة من الاسبوع الماضي تم في المفاوضات بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري الاتفاق على مخرج يمكن ان نسميه “مخرج الكأس المرّة”. أي كما تجرعت الاكثرية كأس القبول بتعديل الدستور، تقبل المعارضة بأن تتجرع كأس مرور آلية تعديل الدستور بالحكومة. هكذا كان الاتفاق. والى اللقاء السعيد “يوم الثلثاء” لكن يوم الثلثاء لم يكن “لناظره قريب”. وها نحن امام من يبشّر بفراغ طويل الأمد. نعيّد الميلاد والفصح ويستمر الفراغ الى “يوم ما”. عندما تحل نعمة الوئام على دول المنطقة والعالم.
واضح ان المعارضة لا تريد قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، كل ما قيل من تأييدها له في السابق يحتاج الى تدقيق.
واضح ايضاً ان المعارضة تريد ان تعصر الاكثرية التي تتصرف من موقع الحرص على انتخاب رئيس والانخراط في حل نهائي للأزمة، مثل ليمونة الحامض حتى القشرة. ربما لهذا الامر تحدث بيان الاكثرية عن الابتزاز.
والعرض المضحك المبكي مستمر. والتأزيم مستمر. والدفع الى الفراغ مستمر. ولا تصدقوا. ضعوا أيديكم على قلوبكم وابتلعوا الكثير من “الليكزوتانيل” فربما يسعفكم التخدير فتعيّدون في المنام.