الجماهير لا تشكّل وطناً بل ساحة
سمير عطاالله
عندما انتخب بشير الجميل رئيساً، كتبت في مجلة “المستقبل” (باريس) ثلاث مقالات، عناوينها: “لبننة لبنان”، و”عربنة لبنان” و”دولنة لبنان”. في الاولى قلت: “من أجل ان يحكم لبنان كان على بشير الشهابي ان يتنصّر، ومن أجل أن تحكم لبنان عليك أن تشهر إسلامك”.
لم يكن في الامر فذلكة أو لعب على الكلام لا معنى له. بل شعور بمدى فداحة التمزق الذي افترس وطنا صغيرا، أُعلنت ولادته ولم يُعلن قيامه. وطن مخالف لقواعد السطو والسيطرة والغلبة. فاذا أردت له فعلا ان يتم، فلا يكون ذلك باقتناص الحصص، بل بالتنازل عنها، ولا يكون بتغليب الهويات الحضارية التي يتكون منها، بل بالتراضي في ما بينها، ولا يكون بفرض الارادات بل بصهرها وتلاقيها.
هذه الحالة الفريدة في احتضان التعدد كان رمزها رئاسة الجمهورية، لأنه يستحيل لوطن في طبيعة لبنان أن يقوم على الاكثريات والاقليات. وقد قال جورج نقاش جملته الشهيرة “نقيضان لا يصنعان أمة” لكنه لو أكمل حقا، لأضاف: “إلا في لبنان”. فالصيغة اللبنانية لم تستورد وانما هي وليدة الارض. وقد قلت للمفتي حسن خالد رحمه الله عندما التقيته في الكويت مع الزميل محمد السمّاك: “سماحتك تقول فلنعد الى روديسيا، لكنك تنسى اننا من هذه الارض. “الغريب” فينا جاء من الجزيرة العربية أو اليمن. لم نأت من هولندا ولا من انكلترا. ليس لدينا مكان “نعود” اليه. نحن أبناء أرض واحدة وحضارة واحدة وتاريخ واحد”.
قام النظام اللبناني على الوفاق لا على الانتصار والهزيمة. وكان النظام والبلد يختلان اختلالا عظيما عندما يحدث سيل سياسي مضاد، كما حصل مع انتصار “الحلف الثلاثي” الذي انتهى الى الحرب. وكان انتخاب الرئيس سليمان فرنجية أول انتخابات “لبنانية”، لكن صورة “الحلف”، وتاليا “الفريق”، لاحقت الرجل حتى تطور النزاع الوطني الى حرب تحدرت الى خلفائه، ولا نهاية بعد.
ولقد ارتبطت الرئاسة بالرجل الحَكَم. الرجل التسوية، ولم ترتبط بالتمثيل الجماهيري في بلدج تتحول جماهيره مع الريح، وتهب مع العاصفة. ليس هناك وطن أو أمة في التاريخ طلب من جماهيره الحكمة. الجماهير فقط للهياج والموت، من أثينا الى باريس، ومن روما الى بكين. هاج الصينيون خلال “الثورة الثقافية” فأبادوا اللوحات الزيتية الاثرية على أنها “معادية”، وأهانوا زعماء الحزب التاريخيين ورئيس الدولة ليو شاو كي ودفعوهم الى السجون. وعندما خرجوا كان بينهم حكيم يدعى دنغ شياو بينغ، غيّر وجه الصين وحياة مليار بشري من سقم الكلام الفارغ الى عالم الكفاية والازدهار.
نزل مئة الف متظاهر الى شوارع بيروت يوم مقتل فلسطيني من عائلة الجمل خلال التحقيق، ولم يخرج متظاهر واحد عندما دكت المخيمات سنتين أو أكثر. ونام المتظاهرون عندما شوّه اسم لبنان الى الابد في مذبحة “صبرا وشاتيلا”، تلك الوصمة الازلية الفائقة القبح، لذلك كان الرئيس تاريخيا يمثل الحكمة والتسوية وليس تقلب الجماهير من هياج الى هياج معاكس. آية الحكم الترفع لا الحط، كما قال البطريرك صفير. او كما كان ديغول يقول: “لست في اليمين ولا في اليسار. انا فوق”.
“فوق”، تعني حراسة الوطن وحماية وحدته من مزاجية التجاذب يمينا ويسارا، حتى عند أعمق المفكرين. ويكفي ان نتأمل قليلا في تحولات ربع القرن الأخير لكي نرى كم من كهنة معابد اليسار أصبحوا من غلاة اليمين، أو ما يشبه اليمين. ألم نر جماهير المسلمين بعشرات الآلاف – او مئاتها – تهتف لخروج سوريا وعودة فرنسا؟
لم يأت رئيس للبنان من الجماهير. أعلاهم وأعدلهم كان حتى من دون عائلة. عندما ذهب الرئيس الياس الهراوي يتفقد أرملة الرئيس فؤاد شهاب، سألها ماذا يستطيع أن يفعل من أجلها: “لاشيء. انا شديدة الامتنان. لكنني مدينة للبقال بـ300 الف ليرة”.
ثمة استثناءات بالتأكيد. لكن رؤساء لبنان جاؤوا من تمثيل التسوية الوطنية لا من جماهيرية التحدي والشوارع المحروقة والساحات المغلقة. وجاؤوا من الاخلاق الرئاسية وعمق الصيغة ومفاهيمها. نكران الذات لا تأليهها. جاء فريد شهاب مرة الى المقدم احمد الحاج يتوسطه لدى شقيقه فؤاد شهاب. قال له: “لقد بلغت في الوظيفة مرتبة سفير ولا اجرؤ على مفاتحة شقيقي بالامر. ارجوك ان تطالبه برفع الظلم عني”.
وذهب احمد الحاج الى رئيس الجمهورية ونقل اليه الشكوى. وكان ردّ فؤاد شهاب: “يا احمد، هيدا المير فريد (…). مَن مِن الناس سوف يصدق انه اكتسب حقاً مرتبة السفير؟ هذا لقب لن يراه في عهدي”. ما ابسط التشدق بالنزاهة في الميكروفونات، وما اكره القول انه ليس هناك من مستحقي الرئاسة في لبنان، بحيث يرغم المرشحون على الاستعراض مثل فنانات “المولان روج” من اجل ان يتم الخيار بينهم. كنا نعتقدك معصوماً عن الغلط الوطني، يا صاحب الغبطة. هل كان يحق لك من مهدئك ومتأملك في بكركي، ان تسمي وان تستبعد؟ ألست الاب الوطني وخصوصاً في هذه المحنة المضنية من عذاب المصير وآلام الناس وضوضاء الاسى الكبير؟ اين عُلّقت حكمتك فارتضيت المشاركة في هذه المهرجانات الخاوية من الحكمة والمشاعر والوداعة؟ كيف لوداعتك ان ترمى الى ساحة النهاشين ولو مرغمة او مخدوعة؟
المحزن، غير المفاجئ، ان الصراع الضاري دار حول الاسم لا حول الاهلية او الكفاية. ودار حول السلة والصفقة لا حول الوطن. ودار بالشتائم والسباب والتحقير والتهديد وليس بالحوار. ولم توضع للنقاش سوى نقاط الخلاف والنزاع، وهي صغيرة كلها، مهما القي عليها من اقنعة مضحكة في هذا الكرنفال المروّع مثل افلام مصطفى العقاد. الحوار بالانياب لا بالقلوب. ومن تكلم زوراً كمن صمت زوراً. وبعضهم لا يفتح فمه الا اذا سقطت له ضرس هرئة.
عوملت رئاسة الجمهورية كأنها ارث عائلي وحق مقطوع بموجب صكوك قاطعة. ورأى البعض في ذلك الغاء للنظام والطائف. والحق انه الغاء لوطن ملغى، لا ينتظر سوى اعلان الالغاء تماماً كما سمع اعلان الاستقلال. فقد حلت محل الالفة “لا” النافية لكل شيء ولم نعد نسمع سواها. لا، لا، لا. لا شيء ولا احد ولا اتفاق ولا موافقة. ويتنقل “المحللون السياسيون” واصحاب السعادة النواب على التلفزيونات يبشرون، كل منهم، بقطعة من الوطن ورقعة من الدولة. وقد تكاثر كالذباب والبق المبشرون بالتقسيم وتمزيق الوصل. وبدا لبنان القابل للحياة مجرد ذكرى عبرت في اغاني فيروز. ولم يكتف البعض باعلان بطريركيته، بل انني سمعت، طبعاً بطريق الخطأ ويغفر لي ربي هذه الزلة، مشترعاً من المجلس المنقسم بين الاغلاق والفينيسيا، يحلل موقف “الارشاد الرسولي” من البطريركية المارونية ودورها، ويلقّن نصرالله صفير كيف يجب ان يتعامل مع الفاتيكان.
مفاجأ؟ العياذ بالله، الآن افهم اللافتات التي ترفع على السيارات والطرق في الصحراء: تعوذوا. فعندما لا يعود هناك شيء سوى الحر والقر والرمل والخواء الكبير، لا يبقى سوى رحمة الله. إذا أذن له “محللو” الارشاد الرسولي، بالوجود. اللهم رحمتك.