لماذا تصعيد المعارضة الانقلابي؟
عوني الكعكي
عوني الكعكي
… لم يكن أحد يتصوّر ان تذهب المعارضة الى هذا الحد من التصعيد الانقلابي، فتقول الشيء وتفعل نقيضه، ثم تبادر، وفوراً، الى إلقاء اللوم على غيرها.
… ولم يكن أحد من اللبنانيين يصدّق أن تصل الأمور بأصحاب الحل والربط الى درجة عدم الإكتراث بمصير هذا الوطن الذي يتآكل بنيانه يوماً بعد يوم.
فالأكثرية عندما بادرت الى التنازل لمصلحة الوطن، ووافقت على تعديل الدستور لانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، شعر اللبنانيون بارتياح عارم، واعتقدوا ان أزمتهم في طريقها الى الحل، ولكن سرعان ما تبيّن ان المعارضة صعّدت من شروطها التعجيزية، حتى ان رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي كان يقول ويردد ان صيغة التعديل الدستوري في جيبه، وفجأة ومن دون سابق إنذار عاد وتراجع قائلاً انه لا يعترف بالحكومة، وهي غير شرعية وغير دستورية، الى آخر النغمة، ولن يقبل بأن يكون لها أي دور في التعديل خلافاً للدستور.
… وهكذا عادت الازمة الى نقطة الصفر، إذ انه دستورياً لا يمكن إجراء التعديل إلا عبر الحكومة، ما يعني بصورة أو بأخرى ان المعارضة لا تريد رئيساً للجمهورية، وربما لا تريد اصلاً الجمهورية.
… والغريب المستهجن ان وزيري حركة “أمل” في الخارجية والصحة يمارسان عملهما الوزاري في وزارتيهما، وبشكل كامل، وكل اللبنانيين يتذكرون كيف ذهب وزير الخارجية المستقيل فوزي صلوخ الى مطار الشهيد رفيق الحريري لاستقبال الأمين العام للامم المتحدة بان كي-مون، الذي ما ان نزل من سلم طائرته حتى سارع الوزير المستقيل الى ضمه وتأبط ذراعه، في مشهد لا يدل أبداً على انه مستقيل من الحكومة.
… وكذلك في تعيينات الخارجية كان للوزير المستقيل دوره الكبير فيها، وبموافقة الحكومة، التي تردد المعارضة يومياً انها غير شرعية وغير دستورية، من دون ان ننسى بقية الوزارات، ومنها وزارة العمل التي تشهد يومياً توقيع الوزير طراد حمادة على بعض معاملاتها، خصوصاً تلك التي تخص حزب الله وحركة أمل…
… ثم كيف يقبل الرئيس بري بنائبين انتخبا بناء لدعوة حكومة السنيورة الهيئة الناخبة في المتن الشمالي وبيروت، وهو يؤكد يومياً انها حكومة غير شرعية وغير دستورية.
… خلاصة الأمر ان المعارضة بأطيافها كافة لا هم لها إلا تصعيد الازمة وتعقيدها.
وأما الجنرال ميشال عون واجهة التعطيل في هذه المرحلة، فهو لا يزال مسكوناً بهاجس الرئاسة، ومستعداً لفعل أي شيء، ومهما كان، للاستيلاء على هذا الموقع، وما دام الامر متعذراً فلا مانع لديه من استمرار الفراغ، غير مكترث بالعواقب مهما كانت.
… طبعاً، هناك مسؤولية أيضاً على الآخرين الذين تعاملوا مع الاستحقاق بطريقة لا تتسم بالمسؤولية، واذا كنا نركز على رئيس مجلس النواب فلأنه رئيس السلطة التشريعية التي تتحمّل المسؤولية الكبرى في إنجاز الاستحقاق، وكان عليه بصورة أو بأخرى أن يميّز موقعه كرئيس لهذه السلطة عن موقعه كأحد أقطاب المعارضة، ويتصرف على هذا الاساس، بل كان عليه الابتعاد عن الشخصانية لمصلحة لبنان ولمصلحة السلطة التشريعية.
… على كل حال، ومهما كان الامر، فإن الوضع لم يعد يتحمّل المماطلة والتسويف، خصوصاً ان استمرار الازمة يرتد بأسوأ السلبيات على الاقتصاد وعلى معيشة الناس، والمعارضة التي احتفلت بمرور سنة على نصب خيمها في الوسط التجاري، كان عليها التراجع عن هذا الخطأ، لانها قطعت أرزاق الناس، وتسببت بإفلاس المؤسسات، وهناك أكثر من أربعة آلاف فرصة عمل فقدها لبنانيون كانوا يعملون في الوسط التجاري، مضافاً إليهم آلاف الشبان الذين يهاجرون شهرياً، حتى يكاد لا يكون في البلاد إلا العجائز والاطفال والكهول.
… الآن، ولبنان يعتمد على السياحة، تمر ثلاثة أعياد مهمة وهي الأضحى والميلاد ورأس السنة، والازمة تطحن البلاد، و”تطفش” السياح، ويرتد كل ذلك على اللبنانيين، وهم يشهدون المزيد من الانهيارات الاقتصادية.
… لقد آن الاوان لوقفة مسؤولة من الجميع، معارضة وأكثرية، والعودة الى ذواتهم وضمائرهم، وإنجاز الاستحقاق بما يحفظ لبنان أهله.