لم يتغيّر شيء.. “ضيعانك” يا جبران!!
ميرفت سيوفي
كصباح اليوم خيّم صمت مخيف، ذهول أربك الوقت لكأن الزمن توقف بنا. كانت الانفجارات قد أصبحت جزءاً من ليالينا، والاغتيالات جزءاً من مفاجآت نهاراتنا. كأن جبران تويني مثالاً في أذهاننا، رمزاً في وجداننا. أبعد من بشريته التي يشترك معنا في وقوع قدر الحياة والموت عليها. لم يكن للموت حيز يشغله في ظل جبران على رغم كل الحملات عليه، وعلى رغم معرفتنا بأن اسمه على لائحة الاغتيالات. ظننا أن “جبران” هذا عصي على الموت والانفجارات والقتلة..
كصباح اليوم – وكان اثنين – كان غضبنا أكبر من أن تختزنه صدورنا، وكانت برودة الاستنكار، وعرقلة المحكمة من دون وجل أو حياء حتى من دم القتيل وأشلائه. وكانت شماتة في وقاحة غير مسبوقة أمام جلال الموت. وكان جبران قد غدا أشلاء اخترقت الفضاء اللبناني كصرخة تسأل الله: كيف تتوافق مشيئتك مع مشيئة القاتل؟ نحتاج الى أن نفهم حكمتك يا الله.. وكانت دماؤه تنغرز في التراب، نقطة نقطة، متوّجاً عشق لبنان في حياته، بعشق مميت مجبول بترابه حتى الاستشهاد..
لم أغضب يوماً من “قدر” كما غضبت لموت جبران. ما زالت الرؤية محفورة في عينيّ، وفزعي الذي دهمني صباح الاحد كأنه تحضير للجزع الكبير، أو توطئة لوقوع موته عليّ. كنت أترقب اللحظة، وأحاول تأويل وجه الرؤية، لحظة اكتشافه كانت الشاشة تنبئ بخبر عاجل عن انفجار. أشحت بوجهي عن الشاشة وتحرّك لساني مستبقاً الخبر: “طار جبران”!!
كنسر ظلل الفضاء اللبناني، وكأرزة نبتت فجأة من عمق النزيف ومن نفضة الوريد اللبناني المذبوح..
عامان انقضيا، ما زال المشهد محزناً لم يتغيّر، أرجع الى افتتاحيات “جبران تويني” واحدة واحدة، ما زالت كلها كأنها كتبت للتو، وكأن قدر لبنان لا يتغيّر. كأنه وطن مرصود للشهادة والشهداء..
في 13 نيسان 1995 كتب جبران في افتتاحيته: “لقد أصبح لنا اليوم تاريخ معاصر مكتوب بالحبر الأحمر. تاريخ دفعنا ثمنه غالياً. فليس من العيب أن تمر الأوطان بمعمودية الدم (…) اما اليوم فيمكننا أن نقول اننا في لبنان دفعنا غالياً جداً ثمن استقلالنا وحريتنا (…) جيلنا دفع الثمن من دون تردّد وضميره مرتاح ورأسه مرفوع جيلنا دفع الثمن كي لا يدفع جيل الغد الثمن!”.
ليس عيباً يا جبران، العيب أننا لم نتعلم شيئاً من معمودية الدم، وأشهد أن جيلك دفع الثمن، وأنك دفعت الثمن مرتاح الضمير ومرفوع الرأس، إلا ان رؤوسنا ما زالت محنيّة، وثمة جيلاً جديداً يستشرس ليأخذنا الى معمودية دم لا نريدها..
العيب يا جبران أنه لم يتغيّر شيء بعد انقضاء عامين، لم “نستطعم” مذاق الاستقلال، ما زال ناقصاً غير مكتمل. البعض أعلن موت ثورة الارز، وموت “فرحة الاستقلال”، لم يتغيّر شيء، في 14 تموز 2005 كتبت في افتتاحيتك: “ثمة أكثرية نيابية تتعاطى الشأن السياسي بذهنية الأقلية، وأقلية نيابية تتعاطى هذا الشأن بذهنية الأكثرية، في حين أن المطلوب هو أن تتعاطى الأكثرية والأقلية النيابيتان بذهنية ايجابية مبنية على التكامل والتفاعل وبهدف التقدّم معاً، وليس التراجع عبر سلبية تعتمد ممارسة حق الرفض أو الفرض بهدف رفض الآخر أو شله”..
لم يتغيّر شيء يا جبران. البلد مشلول، كسيح عاجز عن الحركة، مخنوق عاجز عن التنفس، وسيبقونه مشلولاً الى أن يأذن لهم أربابهم الذين ألهموهم التعطيل والشلل..
والعجب العجاب يا جبران، أنك كتبت في افتتاحيتك في 6 تشرين الثاني 2003 متسائلاً: “من يقرّر سياسة لبنان الدفاعية والخارجية، الدولة اللبنانية أم حزب الله؟ وهل أصبح حزب الله ممثلاً للدولة والحكم؟ (…) لم يتغيّر شيء يا جبران، ولم يرد احد بعد على تساؤلاتك، حتى كل قرارات الأمم المتحدة، كل شيء مرهون بكذبة كبيرة إسمها “حل الأمور بالحوار”…
لم يتغيّر شيء، لبنان ما زال ساحة، والدستور سيخضع لتعديل جديد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، هذا إن استطاع أحد الانقاذ هذه المرّة.. “ضيعانك يا جبران”، نقولها بحرقة، ونعرف انه لا يجوز ان نحبط ونخون دماء شهاداتكم، ونعرف انه لا يحق لنا ان نتوقف في منتصف الطريق، إلا أن الطريق صار ممتداً في كل الكرة الارضية، ومعقود له عقدة في كل إقليم من أقاليم الدنيا، ولا من يفك العقد ورقبة من عقدها في لبنان..