#dfp #adsense

إذا تحطّمت الفسيفساء !

حجم الخط

إذا تحطّمت الفسيفساء !

راجح الخوري

  
مرة اخرى يتدفق طوفان بيانات الاستنكار والتنديد والكلام الفارغ. ثم نعود الى وتيرة الانقسام والمناكفات في سياق صراع يتضح يوماً بعد يوم انه لن ينتهي حتى ولو انهار لبنان الوطن صريعاً على رأس ابنائه جميعا!


اذاً يا حسرتي على الشهداء. يا حسرة لبنان عليك ايها البطل العميد الركن فرنسوا الحاج. ويا حسرة الجيش وهو آخر مؤسسات الدولة التي يمكن الركون اليها، وأنت من زينة رجاله في الانضباط والاستقامة والشرف والتضحية والبطولات.
لكن المأساة تبدو مضاعفة. سواء باستشهادك في “الاحضان الجغرافية” للجيش. او في ما تحمل هذه الجريمة من رسالة الى كل اللبنانيين بأنهم في العراء الامني، وان ليس هناك من يستطيع حمايتهم ما دامت يد الجريمة قد وصلت اليك وانت من انت في اركان المؤسسة التي يستند اطمئنان اللبنانيين او ما تبقى من هذا الاطمئنان اليها.


ولكي تتعمق المأساة اكثر، يبدو واضحا ان دماء شهادتك لن تتمكن من ان توقظ الوجدان الوطني الميت في رؤوس الكثيرين من الذين أطنبوا امس في الحديث عن الوفاق وضرورة التفاهم وانتشال لبنان من هوة الفوضى التي يدفع اليها دفعاً.


لم نكن امس في حاجة الى كل هذا الطوفان من البيانات والتصريحات والمساخر. ولكننا في لبنان الذي اصبح سيكولوجياً على الاقل لبنانين او ثلاثة او حتى اربعة. وعندما تتحطم الفسيفساء يصعب احصاء شظاياها فيا للمرارة الزاحفة الينا زحفاً!
تكراراً لكننا في لبنان البلد الذي يمزقه عدد غير قليل من زعماء طوائفه ومذاهبه والقبائل إرباً إرباً، والا لكان ولوج الحل قد حصل امس حتى قبل ان يجف دم الشهيد الحاج.


فبدلا من البيانات والاستنكارات ومسخرة الحكي، كان على الجميع أكثرية ومعارضة، ان ينزلوا تلقائيا امس الى مجلس النواب. وأن ينتخبوا العماد ميشال سليمان وقد أجمعوا عليه رئيسا للجمهورية، بعد تعديل للدستور يمكن ان يتم في أقل من نصف ساعة في المجلس وفي الحكومة، التي تصبح مستقيلة تلقائيا فيرتاح أولئك الذين يشنون الحرب عليها، وفي هذه الحرب ما يطيل من عمرها ويبقيها فيا للمفارقة!


نعم قبل ان يسير الوطن برمته وراء التشييع المأسوي للشهيد فرنسوا الحاج، كان يمكن أن يقيم السياسيون تشييعا سعيدا للأزمة – المؤامرة التي تكاد ان تُسقِط الوطن لينهار الهيكل على رأس الجميع.


 لقد اكتملت تقريبا حلقة التفريغ التدريجي للمؤسسات التي تمثل السلطة والدولة ولم يعد هناك ما يحول دون الانهيار إلا “يقظة الموت” كما يقال، أي أن نتجاوز العقد الشكلية ومسلسل الشروط التعجيزية المتلاحقة، وأن نتذكر ان لبنان على حافة الانهيار وعلينا أن نتقدم الخطوة الاولى نحو الحل فننتخب العماد سليمان رئيسا وإلا عدّوا الآن على الاصابع التي ستأكلونها ندما في الغد:


? أولا: رئاسة الجمهورية في الفراغ ولا يبدو أننا سننتخب رئيسا، أو سيسمح بأن يكون لنا رئيس في وقت قريب.


? ثانيا: المجلس النيابي في الفراغ منذ زمن بعيد. وهو لم يلتئم برغم كل المشاكل والمآسي التي تعصف بالبلاد، وهذا يعني ان لبنان بلا سلطة تشريعية تقريبا.


? ثالثا: الحكومة في الفراغ او التفريغ وهي موضع خلاف بين الاكثرية والمعارضة وصل الى حد جعل النكاية والتعجيز يتقدمان على تسهيل التفاهم واطلاق الحلول بدليل ان المعارضة التي قبلت قرارات الحكومة في أمور كثيرة، ترفض ان تتحملها الآن ولو لمدة نصف ساعة فقط لامرار الاستحقاق الرئاسي، ومن ثم يمكن دستوريا اعادة النظر في كل ما اتخذته من قرارات!


? رابعا: لقد وصلت اللعبة الخطرة الى المؤسسة العسكرية التي تشكل ضمان الامن في البلاد وصمام الاطمئنان عند اللبنانيين.


لقد ارتشفت الاكثرية تكرارا من “الكأس المرة” التي قيل ان الرئيس نبيه بري تحدث عنها. فقد تراجعت عن الانتخابات بالاكثرية المطلقة اي النصف زائد واحد. ثم تراجعت عن مبدأ رفض تعديل الدستور وقبلت لا بل رشحت رسمياً وبالاجماع العماد ميشال سليمان للرئاسة وهو الذي يحظى بتأييد المعارضة كما يعلن.
فماذا كانت النتيجة؟


العرقلة والاشتراطات ومحاولة ايصاله عارياً من الصلاحية الى قصر بعبدا. ثم القبول غير المباشر باستمرار الحكومة “غير الشرعية” من خلال رفض التعديل الدستوري عبرها في جلسة لمدة نصف ساعة.
ماذا يعني هذا؟


انه يتجاوز رفض العماد سليمان رئيساً ويضع المؤسسة العسكرية في موقف حرج وخصوصاً في ظل عملية الانتظار واستنزاف الوقت، حيث قالت مصادر ديبلوماسية، ان ذلك قد يدفع العماد سليمان الذي سبق واعلن انه ليس مرشحاً للرئاسة، الى القرف بسبب حراجة الموقف، فإذا استقال من قيادة الجيش، فإن لبنان سيقع في فراغ الرئاسة وفي فراغ قيادة المؤسسة العسكرية ايضاً.


وتجيء جريمة اغتيال العميد الركن الحاج امس في مكان يعتبر من “الاحضان الجغرافية” للجيش كما قلنا، كرسالة تيئيس لكل اللبنانيين من ان لا سقف امنياً يمكن ان يركنوا اليه.
ماذا بعد؟


اقفلت على مأساة. حلقة الازمة تتسع والبلاد تنزلق الى الفراغ اكثر فأكثر. وربما هناك في الداخل والخارج من يريد ان يسقط مقولة لا غالب ولا مغلوب، ولكأنه لا يتذكر مآسي التاريخ القريب! 

المصدر:
النهار

خبر عاجل