#adsense

تسوية بأي ثمن ؟

حجم الخط

تسوية بأي ثمن ؟

علي حماده 

  

اغتيال مدير العمليات في الجيش العميد الركن فرنسوا الحاج في اليوم الذي يحيي فيه الاستقلاليون اللبنانيون الذكرى الثانية لشهيدهم جبران تويني، يمثل ابلغ الرسائل الموجهة الى اللبنانيين وفحواها ان الازمة لم تحط رحالها، ومن يعتبر انه صار اقوى من اي وقت مضى (فاروق الشارع) في لبنان عبر حلفائه لا يفكّر تماماً بالاندفاع نحو التسوية في هذا الوقت بالذات. فمن يعلل النفس بانتصارات يراها قريبة المنال لا يلاقي الآخرين في منتصف الطريق كمن يبحث عن مظلة تقيه شر الاصطدام بطرف آخر مواز له قوة. ومن ينظر الى المعادلة على انها تتحوّل يوماً بعد يوم في اتجاه تلاشي الضغوط التي مورست عليه بسبب سلوكياته الشاذة في لبنان والمنطقة، يصعب ان يستعجل توافقاً او تسوية اليوم، في حين انه قادر على انتظار مزيد من التحسن في ظروفه الموضوعية.


لماذا نقول هذا الكلام في يوم جبران تويني وفرنسوا الحاج؟ بكل بساطة لان الاغتيال الذي شكّل على مدى العامين الماضيين الاداة الفضلى التي استخدمها النظام في سوريا وهو يواكب الانقلاب السياسي الذي كان الفريق اللبناني الاساسي (حزب ولاية الفقيه) ينفذه على مراحل، لم يصل الى حد القبول بالتسوية المطروحة داخلياً في لبنان، وخارجياً مع المجتمع الدولي بشقيه العربي والدولي. فالرسائل المطمئنة التي يتلقاها الرئيس بشار الاسد من رموز دوليين مثل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ووزير خارجيته برنار كوشنير يقرأها على انها تراجعات بالجملة عن مواقف العامين الماضيين استناداً الى تحولات وتعقيدات بدأت تطرأ على الساحة الدولية من آسيا الى اميركا اللاتينية، وصولاً الى اوروبا الشرقية نفسها. وعندما يتفرج الاسد على مشاهد استقبال رجال مثل العقيد معمر القذافي بطل لوكربي في باحة قصر الاليزيه محمولاً بعقود تصل الى 10 مليارات اورو يشعر بارتياح شديد لم يماثله الا ارتياحه عند النظر الى شاشات التلفزة يوم العيد الوطني الفرنسي ليرى حليفه العربي الوحيد امير دولة قطر ضيف الشرف الاساسي جالساً الى يمين ساركوزي محمولاً هو الآخر بقوة عقود بلغت 16 مليار اورو لشراء طائرات “ايرباص”. هذه مشاهد تؤكد للاسد ان قصر الاليزيه تغيّر فعلاً، ومما يدعم فكرته انه لا يزال يتلقى اتصالات من ساركوزي، ويستقبل موفدين يقدمون اليه ورقة الزيارة الرسمية الى دمشق لقاء “تسهيل انتخاب رئيس بالتوافق في لبنان”!


وعندما نعطي امثلة دولية لا ننسى الموقف الاميركي الداعم الذي يقوم على مواجهة الاعتداءات السورية والايرانية على لبنان، بالقرارات الدولية والتصريحات الرسمية، في حين يقتل الاستقلاليون الواحد تلو الآخر، ويصل الامر الى حد قتل احد اكبر وأهم الضباط في الجيش عنوان ما تبقى من امل بالاستقرار في البلاد. ويعرف الاميركيون تمام المعرفة ان الحديث عن التوافق والتسوية في لبنان الذي يطرحه الاستقلاليون بكل صدق، لم يواجه حتى الآن سوى بالتعطيل والتعقيد وفرض الفراغ والتسلح المليشيوي، وصولاً اليوم الى قتل العميد الركن فرنسوا الحاج عقل المؤسسة العسكرية التي تقدم قائدها مرشحاً للرئاسة بتوافق الجميع.


ليس بالقرارات الدولية والبيانات الرسمية وحدها تواجه الانظمة التوتاليتارية وتلك التي تنتهج منذ عقود طويلة الاغتيال والترهيب الامني وسيلة اساسية في منظومة عملها السياسي داخلياً وخارجياً. ان الوسائل غير التقليدية هي الكفيلة وقف النزف الذي تتعرض له الحرية، والعدالة، والديموقراطية في هذا الشرق المظلم.


بعد هذا كله كيف للاستقلاليين ان ينقذوا بلادهم من براثن الارهابيين من دون دفع اثمان باهظة، او ربما البحث عن تسوية بأي ثمن؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل