#dfp #adsense

الدور السياسي للجيش اللبناني: أربع نقاط

حجم الخط

الدور السياسي للجيش اللبناني: أربع نقاط

جهاد الزين 

 

لا خوف الان على الجيش. فهذه الجريمة، جريمة اغتيال الضابط البارز مؤخرا العميد فرنسوا الحاج لا تبدو اصلا جريمة هادفة الى بدء انهيار المؤسسة العسكرية قياسا على ما نعرفه من استهدافات النصف الثاني من السبعينات.


اذن كيف نفكر هذه الجريمة؟


هناك اطار اساسي لوضع معايير قراءة للاغتيال الاول من نوعه منذ اوائل التسعينات، بل الاول من نوعه منذ صدور القرار 1559… هذا الاطار هو انه اغتيال يتعلق حتما بالدور السياسي للجيش اللبناني. الدور الذي يبلغ الآن ذروة سياسية جديدة مع اتجاه عربي – دولي جاد جدا فرض نفسه على الوضع الداخلي الى اختيار قائد الجيش الجنرال ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.


لنحاول ان “نستكشف” اذن خطوط الدور السياسي للجيش:


1 – لعله من المفيد ملاحظة ان وصول الجنرال سليمان الى الرئاسة الاولى في السياق الذي يتم فيه والشكل الذي يأخذه هو فعلا اعطاء “الجيش اللبناني” دورا سياسيا لمؤسسة يستطيع قائدها ضمن الظروف الاقليمية والدولية في منطقتنا ان يمثل قاسما مشتركا امنيا وبالتالي سياسيا بين اللبنانيين. هذا يعني ان اختيار سليمان في مراكز صنع القرار العربية والدولية المعنية صالح لمقارنته باختيار الجنرال فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية ولا تجوز – عمقيا – مقارنته بوصول الجنرال اميل لحود الى الرئاسة الاولى عام 1998… الا شكلا. ففي عام 1998 كان الجيش السوري الذي يدير سوريا هو الذي يدير لبنان. وبالتالي فان “العسكرة” السياسية للوضع اللبناني لم تحصل عام 1998 بل حصلت بمجرد حصول التفويض الاميركي للرئيس السوري حافظ الاسد بادارة الدولة اللبنانية بعد اتفاق الطائف” عام 1989. عام 1998 كانت المرجعية السورية تختار احد حلفائها السياسيين من بين حلفاء آخرين لها كانوا يتصارعون مع الحليف – المرشح قائد الجيش اميل لحود رئيس احد “الاحزاب” الكبرى في البلاط السوري يومها وضد رؤساء احزاب آخرين لبنانيين لم يكن بينهم يومها رفيق الحريري ووليد جنبلاط فقط بل نبيه بري ايضا.


اختيار ميشال سليمان اليوم، بعد انتهاء المرجعية السورية مع القرار 1559، هو تعبير – ضمن الظروف اللبنانية – عن لحظة لتسليم “قائد الجيش” بما هو رأس لهذه المؤسسة دورا سياسيا على غرار ما حصل في اللحظة “المناسبة” عام 1958 باختيار فؤاد شهارب.


لا اقارن هنا اي بعد اصلاحي بين الرجلين فهذا غير مطروح الآن.
من هنا يستهدف الاغتيال اسما كبيرا داخل المؤسسة العسكرية العائدة للعب دور سياسي كمؤسسة يدور حولها “مشروع وفاقي”؟


2 – هذا يعني ان الاغتيال يتعلق بالمستقبل الآتي لا بالماضي وان كان يختار رمزا اساسيا من الفريق العسكري الذي قاد الجيش في اهم اختيار سياسي – امني ادى الى تزكية “ترئيس” قائد المؤسسة، وهو اختبار “نهر البارد”.


فهل نحن إذن للمرة الاولى منذ ما بعد خريف 2004 امام وضع بدأ “يستوجب”، نوعا آخر من الاستهدافات الشخصية والسياسية؟ بهذا المعنى نحن على ضوء الوضع الآتي امام اغتيال أول… لا متجدد؟ وسيكون من البديهي القول هنا انه قرار اغتيال من جهة تريد ارهاب ضباط الجيش في المرحلة التي يبدأ معها احتمال دور سياسي في رئاسة الجمهورية لقائد المؤسسة العسكرية.


3 – بعد اندلاع معارك “نهر البارد” كان واضحا ان الجيش دخل – ولا خيار له – في ما أسميناه ذات يوم “نادي الجيوش المقاتلة ضد الاصولية المسلحة”… على غرار الجيش الجزائري والجيش الباكستاني وبمعنى ما الجيش المصري. هذا “النادي” ثبت انه بمجرد الدخول اليه فان معادلة سياسية كبيرة أخذت بالارتسام في الوضع اللبناني وفتحت على قواسم وصيغ اقليمية ودولية “جديدة”. عبر معركة “نهر البارد” التي تأمن حولها لبنانيا شبه اجماع بناء تخطى عمليا ضفتي الانقسام، كانت النظرة الغربية وتحديدا الاميركية للجيش اللبناني تتغير بحيث تفتح له “مقعدا” على الخارطة الدولية ضد الاصولية، في الحرب المندلعة منذ العام 2001. وللتذكير بالمقارنة مع فؤاد شهاب، مثلما وضعت “الحرب الباردة” الجيش اللبناني في الخمسينات في معادلة المواجهة مع الشيوعية يومها. لقد اصبح من الثابت ان العامين 1957 و1958 شهدا – بتوجيه من ادارة الرئيس الاميركي ايزنهاور يومها – انعطافة اميركية نحو تبني “الكولونيل ناصر” كما تسميه بعض المحاضر التي نشرت لاحقا لمجلس الامن القومي الاميركي، باعتباره “رجل التيار الصاعد، التيار القومي العربي” على حد تعبير أحد هذه المحاضر التي نشرها كاتب لا شك بـ”ناصريته” هو محمد حسنين هيكل في أحد مقالاته. كان “التيار القومي العربي” التيار المواجه للشيوعية… في نظر الاميركيين، وفي السنة 1958 نفسها التي أقيمت فيها الوحدة السورية – المصرية والتي عارضها الاتحاد السوفياتي والاحزاب الشيوعية العربية.


4 – في المعادلة الجارية ضد “الاصولية” التي أصبح “الجيش اللبناني” ضمن “ناديها” في السنة المنصرمة كان العميد الحاج أحد القادة العسكريين الاساسيين، وكان حضوره في المؤتمر الصحافي الشديد الأهمية (والوحيد على أي حال الذي سمعناه فيه) “عشية” انتهاء “معارك نهر البارد” تأكيدا على دوره في الفريق العسكري… سيما حين نتذكر ان هذا المؤتمر الصحافي قيل فيه ما اعتبره البعض يومها – وليس دون وجه صحة – تصرفا سياسيا يتيح للجيش بعد انتصاراته الميدانية ان يمنع تحول المواجهة الى حلقة فارغة من المعارك التي لا تنتهي. لقد أطلق الضباط الثلاثة تأكيدا علنيا بأن “التحقيقات أثبتت انه لا علاقة لـ”فتح الاسلام” بالمخابرات السورية”. كان هذا الاعلان قرارا حكيما وجريئا قياسا بالسعار السياسي الداخلي السائد يومها.



لا خوف على الجيش، وتأكيد قائد الجيش أمس وفي قلب صدمة العزاء صحيح، انه أقوى بعد الجريمة.
لكن الخوف، كالعادة في لبنان الهش بنظامه السياسي الطائفي، هو في المدى الابعد على “الدولة” اللبنانية، كاطار لحماية السلم الاهلي.


… وفي هذه اللحظة المأساوية، نقول للعرب الذين يريدون مصلحتنا: أنجزوا اتفاقات كاملة حولنا… لا اتفاقات ملتبسة وناقصة، بين بعضكم البعض وبينكم وبين الاميركيين.
أما الاميركيون…!!

المصدر:
النهار

خبر عاجل