عوده: هناك من يموت لوطنه ومن يميت الوطن كي يعيش
الصلاة لجبران ورفيقيه … كأن الشهيد استشهد اليوم
الصلاة لجبران ورفيقيه … كأن الشهيد استشهد اليوم
كأن الشمس لم تغرب كعادتها وراء تلة جبران. شمعة وراء شمعة، عشرات الشموع المضاءة عند بيته الأبيض كشحت ظلمة الليل الآتي، حاملة أنوار شموس صغيرة دافئة. الناس هناك أتوا من أجل جبران تويني ورفيقيه نقولا فلوطي واندريه مراد، شهداء 12 كانون الاول 2005. غسان ونايلة وميشيل وسهام وغبرييلا وناديا وعشرات الاصدقاء والاهل… جميعهم وقفوا امام وجه الحبيب الذي رحل قبل عامين، ولم يغب، في الايدي ورود، وحزن في العيون، وصمت مقهور.
انها السنة الثانية، والمكان هو نفسه. مسكن جبران ونقولا واندريه في “الحديقة” الخلفية لكنيسة مار متر للروم الارثوذكس في الأشرفية، حيث يستريح الراقدون. هناك يحلو الغروب مع الشهداء. أطايبه من السماء صلوات وتراتيل وهمس قلوب متلهفة الى قبلة من الحبيب، وخطوات عجلت الى اللقاء. “مبارك أنت يا رب علّمني حقوقك”. امام هيكل الله، قام جمع غفير للصلاة. المكان شعشعت أضواؤه، كأنه نهار جديد، أمل جديد، شمسه تسلقت القبب، والأيقونات تماهت في لوحة سموية اخاذة، ولا تمل الصلاة. وحولها، توزع العشرات مسيحيين ومسلمين مزدحمين على المقاعد، فيما بقي آخرون واقفين واحتل بعضهم الشرف العليا. وفي الخارج، انتظر عشرات آخرون، وتجمع كثر عند المدخل الخارجي للكنيسة.
الرسميون تعاقبوا على الوصول، كل منهم بتوقيت مختلف. هذا من الباب الامامي، وذاك من الباب الخلفي لدواع امنية. ها هي سهام تدخل مع الطفلتين غبرييلا وناديا اللتين نالتا قسطا وفيرا من القبل والابتسامات والمداعبات. وتلك ميشيل، تلحق بها شقيقتها نايلة الغارقة في الدموع. واخيرا يدخل الجد والوالد و”العميد” النائب غسان تويني، يشق ببطء طريقه الى صدر الكنيسة، مصافحاً الايدي الممدوة اليه للتحية، قبل ان يجلس بين نايلة وميشيل، قرب غابرييلا وسهام وناديا وزوجته شادية. ويكتمل العقد.
صلوات الدموع
الخامسة عصرا، فتح باب الهيكل. التراتيل البيزنطية تعالت في الارجاء، ايذانا ببدء صلاة الجناز لراحة انفس جبران تويني ورفيقيه. “ان مصف القديسين وجد ينبوع الحياة وباب الفردوس. فليتني انا ايضا اجد الطريق بالتوبة انا الخروف الضال، فادعني يا مخلص وادعني…”. القلوب تناجي الله، “تلتمس وجهه كل حين”، “تنشد وتعزف له” بكلمات وكلمات “تحدث ببرّه”، ولا تنتهي. تتوق اليه، تدعوه مجددا ومجددا، ولا تكل. ويعبق الهواء بالبخور المعطر على وقع خشخشة المبخرة.
عند باب الهيكل، وقف متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة بلباسه الاحتفالي الاسود، مترئسا الصلاة، والى جانبه متروبوليت جبل لبنان المطران جورج خضر، وامامهما لفيف من الكهنة والشمامسة احتلوا صدر الكنيسة، منشدين، مصلين. وفي الوسط، وضعت طاولة عليها القرابين، بين شمعتين وصليب مذهب، وامامها باقة ورود بيض باسم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، وعند جانبي الهيكل باقات باسم رئيس كتلة “المستقبل” النائب سعد الحريري وعائلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
عند باب الهيكل، وقف متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة بلباسه الاحتفالي الاسود، مترئسا الصلاة، والى جانبه متروبوليت جبل لبنان المطران جورج خضر، وامامهما لفيف من الكهنة والشمامسة احتلوا صدر الكنيسة، منشدين، مصلين. وفي الوسط، وضعت طاولة عليها القرابين، بين شمعتين وصليب مذهب، وامامها باقة ورود بيض باسم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، وعند جانبي الهيكل باقات باسم رئيس كتلة “المستقبل” النائب سعد الحريري وعائلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
الدقائق تمر مثقلة بالذكريات، بوجوه من غابوا، من استشهدوا، بحيواتهم، باسمائهم، جبران واندريه ونقولا، ترفعها الشفاه الى السماء، مرة تلو الاخرى، ملتمسة الرحمة من اجلهم. “نطلب ايضا وايضا من اجل راحة نفوس جبران واندريه ونقولا وغفران خطاياهم الطوعية والكرهية… وينالوا الرحمة الالهية والملكوت السموي…”، هتف الكهنة.
مراسم الجنازة جارية على قدم وساق، وكان الاحباء يناجون شهداءهم. غسان غارق في التفكير، وعيناه مسترسلتان في البعيد البعيد. وكانت نايلة تصلي وتصلي…على طريقتها. وصلواتها تتفجر دموعاً من مآقيها، كأنها نهر جارف، لا يهدأ ولا يستكين، بل يزداد تفجراً كلما تقدمت الصلاة، كلما ازداد الالم، والحزن. كأن الامس هو اليوم، كأن الشهيد استشهد اليوم. كأن الجرح لم يندمل، ولو قليلا. حتى لمسات الجد غسان الجالس قربها لم تعد تجدي. لمس شعرها بيده تارة، أحاطها بحنان تارة اخرى، همس في اذنها حينا آخر، غير ان الالم كان اقوى من اي شيء. كان حارقا، حارقا جدا.
حتى الصلوات لم تكن لتخفف اي شيء في تلك اللحظات الصعبة. من قال ان الوقت يشفي الجروح ويخفف وطأة الآلام؟ ينتقل غسان الى قرب حفيدتيه الطفلتين، تاركاً مكانه لميشيل التي تسرع الى معانقة نايلة، مخففة عنها، ماسحة دموعها، مؤاسية اياها… ولا جدوى. حتى القليل من الماء وهمسات الوالدة ميرنا (المر ابو شرف) و”الخال” مروان لم تجد نفعا. نايلة غرقت في المناجاة… حتى الثمالة.
وحدها تنهداتها وتأوهاتها تعالت مع التراتيل. “ليس مثلك قدوس ايها الرب الهي، يا من رفعت شأن المؤمنين… وثبتهم على صخرة الاعتراف بك…”، هتف المرتلون. ونايلة “هتفت” موجوعة، ثكلى من شدة الألم. وتوالت الجنازة. بعد تلاوة الاب رومانوس جبران من رسالة القديس بولس الرسول الى اهل رومية (14/6-9)، قرأ المطران خضر من انجيل القديس يوحنا “التلميذ الطاهر” (5/24-30). “من يسمع كلامي ويؤمن بمن ارسلني تكون له الحياة الابدية، ولا يحاكم في اليوم الاخير، لانه قد انتقل من الموت الى الحياة…”، يقول السيد المسيح.
عودة: عودوا الى الضمير
ثم ألقى المطران عودة كلمة، فيها: “محبة الوطن الكاملة تتجلى في الشهادة. قال يسوع لبيلاطس البنطي قبل ان يسلمه للصلب: “لهذا، قد ولدت، ولهذا قد أتيت الى العالم لأشهد للحق. كل من هو من الحق يسمع صوتي”. (يو18:37). الشهيد هو الشاهد الامين للحق الذي آمن به، هو منارة من منارات الحب الاكبر. قلب جبران الشهيد كان يشتعل حبا ويضطرم، مما دفعه الى الشهادة الحقة، الى بذل النفس. مات ليحيا وطنه. الشهداء هم معلمونا، هم الذين يتحدوننا بالمحبة. يعلموننا محبة الوطن، يعلموننا الوطنية في بلد الوطنية غائبة عن قاموسه.
الشهيد يعلم الصدق في بلد اصبح الكذب فيه تجارة رائجة. يعلم التضحية في بلد اصبحت فيه الانانية صنما معبودا. يعلم الحرية في بلد اعتاد اهله العبودية. “فإنكم انما دعيتم الى الحرية” (غلا 5:13). المسيحية التي نشأ عليها جبران تنادي بالحرية: “إثبتوا اذا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا… بنير العبودية” (غلا 5:1). قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدا للناس”. إنكم عبيد المحبة، ما عاد الموت يستعبدكم. تحررت محبتكم بالتضحية والعطاء والخدمة.
جبران كان مؤمنا بالله وبقيمة الانسان وبالنعم التي سكبها الله عليه وعلى وطنه. كان موقنا ان الله خلق الانسان حرا، وان الانسان الحر لا يساوم ولا يمالق ولا يسكت على شر أو اذية أو رذيلة. ولأنه مؤمن، كان ممتلئا شجاعة وثقة وفخرا وكان قادرا على المضي في اقتناعاته حتى الدم. “حيث روح الرب هناك حرية” (2 كور 3:17) و”ان ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي وتعرفون الحق والحق يحرركم” (يو 8:31-32). جبران المؤمن بيسوع المسيح ايمان الأطفال الأبرياء لم يقبل حدا لحريته، لحرية كلمته والموقف. ذهب باقتناعاته حتى النهاية.
في هذه الذكرى الأليمة، ذكرى استشهاده، لا بد من أن نتساءل لماذا استشهد؟ من أجل ماذا أعطى عمره وشبابه وطموحه والعنفوان؟ لم بذل قلمه والكلمة؟ هذه التساؤلات سببها ما نشهده منذ استشهاد جبران ورفيقيه نقولا واندريه وكل رفاقه الشهداء، وآخرهم شهيد اليوم العميد الركن فرنسوا الحاج، على أرض هذا الوطن المعذب، وما يعانيه المواطن من مآس وضيقات ولا من يسأل، بل تراشق لا يطاول إلا الوطن والمواطن، وتنابذ لا يؤذي إلا مصلحة الوطن والمواطن، وشروط وتهديدات وتهويلات، وكلها سهام في قلب الوطن والمواطن. الأوطان لا تبنى من العدم، الأوطان تعلو على كواهل أبنائها وتغتذي بتضحياتهم من أجلها، وتنمو من حبهم لها ووفائهم وصدقهم وبذلهم وعطاءاتهم والشهادات.
هناك من يبذل حياته ويموت من أجل وطنه، وهناك من يميت الوطن كي يعيش هو. جبران وكل قافلة الشهداء الذين سبقوه وتبعوه ماتوا كي يحيا لبنان. ها نحن نميتهم كل يوم مرات ومرات، لأننا لسنا غير أوفياء لوطننا وكرامته وعزته واستقلاله فحسب، بل نحن نقدم الأنا والمصلحة والطموح وكل ما له علاقة بنا، وبالغير ربما على الوطن ومصلحته. نستبيح ما نريد أن نستبيح بقحة ما بعدها قحة، نتخطى الأعراف ولا يرف لنا جفن، نتغنى بالديموقراطية، ونعلن جهارا أنها هي من نستميت من أجلها، فيما ندوسها ونغرز سهامنا في جثتها. ندعي الدفاع عن حقوق المواطن ونهدر هذه الحقوق غير عابئين بآلام الوطن والمواطن. كرامة المواطن من كرامة وطنه. أين هي هذه الكرامة التي بذلناها حتى يكاد لا يعود هناك وطن؟
أمن أجل هذا ضحى شهداؤنا بحياتهم؟ ألكي نصل الى ما وصلنا اليه؟ ألا تسمعون روح جبران تسألكم وتؤنب: ماذا فعلتم بالوطن الذي أحببته حتى الموت؟ كيف تضحون بشبابه الذين كانوا الأمل بالنسبة إلي؟ كيف تهدرون مستقبلهم ومستقبل أولادكم لغايات لا يعرفها إلا أنتم؟ كيف لا تقاومون هذه الشرذمة وهذا الانقسام وأنا من علمكم أن تحافظوا معا على وطن واحد، وان تبقوا موحدين دفاعا عن لبنان العظيم؟ على من ستحكمون إذا فرغ الوطن من شبابه؟ هل الوطن أرض وحجارة بالنسبة لكم أم هو تفاعل حي بين الشعب والمسؤولين عنه من أجل حياة كريمة حرة واعدة؟ من نصبكم علينا أولياء؟
ومن قال ان حياة الشعب ملك لكم ورأي الشعب حكر عليكم وأنتم وحدكم تملكون حق التصرف والقرار؟ ألا تسمعون الشعب يئن ويبكي من تسلطكم عليه وتفردكم بمواقف تدّعون انها من أجله وهو رافض لها؟ ألا تشعرون بالمرارة واليأس اللذين يسيطران على حياته؟ ألم تسمعوا كلمة “كفى” التي يرددها الصغار والكبار؟ ألم تؤثر فيكم الأغنيات الساخرة التي تعبر عن سخط الشعب عليكم؟
عودوا الى وعيكم والضمير، عودوا الى الأصالة، عودوا الى نفوسكم ولا تنظروا إلا نحو الداخل، نحو أبنائكم، نحو وطنكم، حينها تسهل الأمور ويطل الحل الذي طال انتظاره. روح جبران تناديكم صارخة كما كان صوته يصدح قبل أن يظن من قتله انه سيخمد هذا الصوت. الصوت ما زال يصدح، لكن السامعين قلما يسمعون. فيا حبيبي جبران، يا من اقتفى أثر الشاهد الأمين الصادق، يا من قدمت الى الوطن شهادة دمك، لك يقول الرب ولأمثالك الشهداء “من يغلب يرث كل شيء وأكون له إلها وهو يكون لي ابنا”، وأنت من الغالبين”.
ميشيل تويني
واشرفت الصلاة على خواتيمها. المصلون يسألون الله مجددا الرحمة لجبران واندريه ونقولا، “وان ترتب نفوس عبيدك هؤلاء المنتقلين عنا وارحمهم واحصهم مع الصديقين والابرار”. وعلى وقع بكاء نايلة، وتحت انظار غسان والمشاركين في الصلاة، وقفت ميشيل ملقية كلمة العائلة، فيها: “ندعو الى الله الذي قال فكانت وامر فوُجدت، ندعو الى يسوع الذي قال لا تخافوا قاتل الجسد، بل من يستطيع ان يلقي هذا القاتل في جهنم. ندعو الى يسوع الذي يعرف هذا القاتل والقاتل يعرف ان الله يعرف، ندعو الى الله لخلاص امة. نعم الويل لامة لا ترفع صوتها الا في المآتم، ولا تفخر الا بالخرائب، ولا تثور الا وعنقها بين السيف والنطع.
ويل لامة تستقبل كل فاتح بالتطبيل والتزمير وتودعه بالفحيح والصفير لتستقبل فاتحا آخر بالتطبيل والتزمير. نعم، الويل كل الويل لأمة كل قبيلة فيها امة، كما قال جبران خليل جبران. ندعو الى الرب ان يجعلنا نحفظ قسم جبران دفاعا عن لبنان العظيم. ندعو الى الرب ان يصلي للشباب ليفيقوا ويتكلموا. ندعو الى الرب الذي احتضن رفيق (الحريري) وباسل (فليحان) وسمير (قصير) وجورج (حاوي) وبيار (الجميل) ووليد (عيدو) وانطوان (غانم) واندريه ونقولا. ندعو الى الرب الذي نادى جبران، ان يستمع اليه ويرسل نورا من السماء يضيء به الظلمات لخلاص لبنان.
ندعو الى الرب ان يستقبل الشهيد البطل العميد الركن فرنسوا الحاج ويجعله خاتمة قافلة الشهداء. ندعو الى الرب الذي حمى مروان (حماده) والياس (المر) ومي (شدياق). ندعو اليك يا رب وانت تسمع صوتنا مع النسيم، وتسير مع العاصفة، وتعرف اين كنا واين سنكون. ندعو اليك انت القادر القوي، ندعو ونصلي، نبتهل ونتضرع، ان تحفظ دم الشهداء نقيا ناصعا، لا تخدشه اساءات، وتحمي حق لبنان وحقهم من تيك الافتراءات، وتمنع تدنيس ذكراهم من الذين يدنسون القلب والحق والذكريات، وتصون العدالة من التشويه والتسفيه والشهوات، وتبقى معهم وتبقى معنا، نناضل، نقاوم، نجاهد من اجل حضارة الحياة”.
“بابا… بابا”
وفي وقت كان صوت ميشيل يختتم اللقاء، كان صوت نايلة يتعالى في كل الارجاء، ممزقا الصمت، هازّا المشاعر، الهدوء. كانت “تستشهد”. صرخت “بابا…بابا… بابا…” عشرات المرات، حتى اصبحت الكلمة نشيدها الوحيد لجبران… حتى الانخطاف.
في الداخل، تحلق الناس حول عائلة جبران، معزين، مؤاسين. اما في حديقة الراقدين، فكانت انوار صغيرة تشتعل شيئا فشيئا في شموع بيض اضاءها الاصدقاء والاهل. دموع انسابت على الخدود، وقلق ووجوم، وصمت رافق السائرين الى جبران ونقولا واندريه. هنا الحديث حر، والصلاة وجها لوجه. ولم يعد الليل ليلا. هناك، بات الاحياء يسكنون ايضاً.
مشاركون في الجناز
تقدم المشاركون في الجناز والد الشهيد جبران تويني النائب غسان تويني وزوجته شادية، ارملة الشهيد سهام، وبناته نايلة وميشيل والطفلتان غبرييلا وناديا، وآل تويني وفلوطي ومراد.