اغتيالُ الشهيد الحاج في سياق مشروع سوريّ للانقضاض على السلطة
بممرّ الفوضى يولّد نتائج عكسيّة محلياً وخارجياً
بممرّ الفوضى يولّد نتائج عكسيّة محلياً وخارجياً
جَناحا “شبكة الأمان” البطريرك والجيش
نصير الأسعد
الثلاثاء الماضي، كشف نائب رئيس النظام السوري فاروق الشرع ما لم يكن مستوراً أصلاً. أعلن انّ سوريا أقوى في لبنان من أي يوم مضى، وانّ حلفاءها أقوى أيضاً. وإذ رفض الضغط على “الحلفاء”، قال إنّ أحداً لا يمكنه كسب المعركة ضدّ سوريا.
الشرع “يكشف” مشروع الاستيلاء على السلطة
الشرع “يكشف” مشروع الاستيلاء على السلطة
لا ألغاز في ما قاله الشرع. فقولُه إن سوريا أقوى من أي يوم مضى يعني أن لديها شروطاً في لبنان إمّا أن يؤخذ بها وإلا فلا إستحقاق ولا إستقرار في لبنان. وهذه الشروط هي السيطرة على الحكم في لبنان وعلى قراره، ليس بالضرورة من أجل العودة “المادية” إليه، لكن بالتأكيد من أجل إسقاط المحكمة الدولية وإسقاط سائر القرارات الدولية التي تتعلق باحترام دمشق لاستقلال لبنان وسيادته. أمّا قولُه إنّ سوريا لن تضغط على “أصدقائها” فيعني انّ الإذن السوري بإجراء الانتخابات الرئاسية اللبنانية لن يُعطى.
واستناداً إلى ذلك كلّه، فانّ “المعادلة” التي يضعها النظام السوري واضحة تماماً: إمّا الاستيلاء على السلطة في لبنان وإمّا الفراغ والفوضى، وذلك من دون استبعاد أن يكون الفراغ أي الفوضى على كلّ صعيد، هو الممرّ الذي اختاره نظام الأسد للاستيلاء على السلطة في لبنان.
وضع النظام السوري “المعادلة” إذاً، أي الشروط، وينتظر أن يفاوضه المجتمع الدولي والنظام العربي بشأن هذه الشروط. لكنه في الجانب الآخر من “الصورة” لا ينتظر أبداً.
الجيش حجر عثرة
ثمّة فراغٌ في رئاسة الجمهورية. لكن هناك حكومة تقوم مقام رئيس الجمهورية وكالةً. يُسلّح النظام السوري نفسه وحلفاءه بمقولة انّ الحكومة القائمة غير شرعية وغير دستورية، وخلال عام كامل حاول إسقاط هذه الحكومة بكلّ الوسائل غير الدستورية. بيد انّ تطلّعه إلى إسقاطها لم يتوقف البتّة. غيرَ انّ ثمّة حجر عثرة أمام الفوضى اسمها الجيش. ومن أجل إسقاط الحكومة لا بدّ من إزالة حجر العثرة.
لا بدّ في التخطيط السوري من كسب الجيش كحدّ أقصى أو تحييده كحدّ أدنى. ولذلك لا بدّ من ترهيبه وتهديده في وحدته وتماسكه.
مع إنتهاء ولاية إميل لحود وحصول الفراغ الدستوري في رئاسة الجمهورية، أعلنت قيادة الجيش مواقف واضحة جداً. أكدت انّ العبث بالأمن اللبناني غير مسموح، وأعلنت انّ السلاح في الداخل خائن، وقالت انّ من يحاول هزّ الاستقرار سيجدُ الجيش في وجهه، وأعلنت انّ المؤسسة هي ضمانة الأمن وانّ الاستقرار سيُحفظ بالرغم من الفراغ الرئاسي.
إغتيال الحاج رسالة أبعد من الإستحقاق
هذه المواقف لقيادة الجيش وعلى رأسها العماد ميشال سليمان، مزعجة جداً لـ”مشروع الفراغ والفوضى”. ولتأكيد الإنزعاج، جرى تحريكُ إحدى الشبكات الإرهابية، وتمّ اغتيال مدير العمليات في قيادة الجيش العميد الركن الشهيد فرنسوا الحاج. ولا شك انّ هذه الجريمة الإرهابية رسالةٌ سياسية بأنّ على الجيش أن يحيد من الطريق وبأن يتخلّى عن الدور الذي حدّده لنفسه.
قيل الكثير في اليومين الماضيين ممّا هو صحيح تحليلاً للجريمة التي استهدفت المؤسسة العسكرية. قيل بحقّ انها رسالةٌ ضدّ ترشيح العماد سليمان، أو بالأحرى ضدّ السياق السياسي الراهن لهذا الترشيح أي لانطلاق الترشيح من 14 آذار تحديداً. وقيل بحقّ أيضاً انّ الجريمة رسالة تصفية حساب مع مؤسسة أثبتت قدرتها على مواجهة الإرهاب وهزيمته. وقيل بحقّ انّها رسالةٌ ضدّ الدور المستقبلي للجيش تأكيداً لسيادة الدولة على أرضها. بيد انّ ما يجب أن يكون حاضراً في الذهن، هو انّ جريمة اغتيال الشهيد فرنسوا الحاج، تندرج في إطار مشروع للإنقضاض على السلطة ممرّه ترهيب الجيش لتحييده على الأرض. ولذلك فانّها جريمةٌ بـ”مناسبة” الإستحقاق الرئاسي لكنّها أبعدُ منه.
الكنيسة والجيش
سبق للنظام السوري أن سدّد على الكنيسة المارونية ورأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير. في مفاوضاته مع الموفدَين الرئاسيَين الفرنسيين، ذُكر انّ بشّار الأسد وافق على أن ينطلق الإستحقاق الرئاسي من لائحة إسمية يضعها البطريرك تذهبُ إلى “مفاوضات التوافق” لتصبّ في المجلس النيابي. وعلى ما يبدو فإنّ نظام الأسد كان يحسبُ انّ البطريرك لن يضع اللائحة التي عاد وقدّمها بعد إلحاح فرنسي، بدليل انّه بعد أن أبصرت “لائحة بكركي” النور تمّ إجهاضها على يد حلفاء النظام السوري على القاعدة نفسها إمّا فلان من اللائحة أو الفراغ.
إنّ إسقاط “لائحة البطريرك” يقعُ في السياق السياسي نفسه لجريمة اغتيال العميد الحاج. وبهذا المعنى، فانّ ما ينبغي تأكيده في هذا المجال هو انّ “المشروع السوري” للإنقضاض على السلطة ـ مروراً بالفراغ والفوضى ـ يستهدفُ “شبكة الأمان” المعنيّة قبل سواها بالإستحقاق الرئاسي بل بـ”الصيغة اللبنانية” ككلّ، وهي من جناحين: الكنيسة والجيش. ذلك انّ “شبكة الأمان” هذه مارونية بامتياز كنيسةً وقيادة للمؤسسة العسكرية.
“تجذّر” مواقف البطريرك والجيش و14 آذار
على انّه، وبعد إعادة الاعتبار لحقيقة الأمور، لا بدّ من تسجيل النتائج التي ولّدتها خطّة النظام السوري.
أولى النتائج تجلّت في تجذّر موقف البطريرك. وهذا ما يعكسُه إعلان سيّد بكركي أمس من أن إرتهان قوى في لبنان لسوريا وإيران هو العنوان الأبرز للأزمة، في ما يُفهم منه انّه دعوة صريحة إلى رفع اليد السورية والإيرانية عن لبنان.
والنتيجة الثانية هي تجذّر موقف الجيش وقيادته. وهذا ما يؤكده إعلان العماد سليمان مباشرةً بعد جريمة اغتيال الشهيد الحاج انّ الإرهاب “لن يخضعنا”.
والنتيجة الثالثة هي تجذّر موقف 14 آذار. وهذا ما يتجلّى في التوجّه نحو تفعيل دور الحكومة منعاً للفراغ، وفي إدراكها أكثر من أي يوم مضى انّ التسوية مستحيلةٌ مع مشروع يشكّل إنقضاضاً على السلطة وعلى الصيغة في آن.
تحدّي المجتمع الدولي والنظام العربي
وإذا كان ما تقدّم يلخّص النتائج السياسية الرئيسية لبنانياً، فانّ للمزيد من إنكشاف “المشروع السوري” نتائج عربية ودولية.
إنّ إعلان النظام السوري نفسه أقوى في لبنان أكثر من أي يوم مضى، هو تحدٍّ للنظام العربي الذي ربط العلاقة بالنظام في دمشق بالتوقّف عن تعويق المسار السياسي الديموقراطي في لبنان. وهو إعلان إستقواء ضدّ النظام العربي وعليه. وهو إعلانٌ بأنّ النظام السوري يترجمُ أي إنفتاح عليه هادفٍ إلى “إعادة تأهيله” إستقواءً ضدّ المنفتحين قبل غيرهم.
كذلك، فانّ نظام الأسد يعلنُ انّه استفاد من “الفرصة” التي منحته اياها فرنسا في اتجاه مغاير لما كانت “المبادرة الفرنسية” تهدف إليه، المُعلن منها أساساً أي تحرير لبنان من تدخلّه. وهو قام بسرعة بتحدّي المجتمع الدولي.
لا شكّ إذاً انّ إمعان النظام السوري في التحدّي سيؤدّي إلى “عودة” الموقف العربي والدولي إلى مستوى أعلى من التشدّد حياله، ولن يتأخّر هذا التشدّد في البروز.
خلاصةُ القول إنّ النظام السوري يبلغ الذروة في مشروعه الإنقلابي في لبنان، في ظلّ وقائع ومعطيات لبنانية معاكسة أبرزها وضع الجيش، وفي ظلّ عدم قدرة المجتمع الدولي والنظام العربي على التسامح “إذ يُلدغ المؤمن من الجحر للمرّة المليون”. وفي المقابل، تواجه 14 آذار المرحلة بتطوّرات لبنانية لافتة مصحوبةٍ بغضب عربي ودولي يُفترض أن يُترجم عاجلاً