الدم في مقابل عرق الخجل ؟!
راجح الخوري
على طريقة عثمان، نفض برنار كوشنير قميص فرنسا من الازمة اللبنانية المستعصية:
“اعتقد ان الأمر يتصل بعقبات سياسية وان هناك من لا يريد ان تتم انتخابات رئاسية في لبنان. وأعتقد ان فرنسا فعلت كل ما في وسعها واستغرق ذلك أشهراً… وعلى الجميع ان يتحملوا مسؤولياتهم الآن”.
“اعتقد ان الأمر يتصل بعقبات سياسية وان هناك من لا يريد ان تتم انتخابات رئاسية في لبنان. وأعتقد ان فرنسا فعلت كل ما في وسعها واستغرق ذلك أشهراً… وعلى الجميع ان يتحملوا مسؤولياتهم الآن”.
لا يشكل هذا الكلام بيان إستقالة فرنسية واضحة من السعي الى حل المشكلة المتفاقمة في “بلاد المجانين” الذي هو لبنان فحسب، بل يشكل نعياً فعلياً لإمكان قيام إنتخابات رئاسية عندنا. وفي وسع المرء، قياساً بالتطورات السياسية الموغلة في التعقيد والجرائم الامنية الموغلة في الوحشية، ان يقول:
ليس هناك من لا يريد انتخابات رئاسية في لبنان فحسب، بل هناك من لا يريد لبنان. لبنان الذي يبدو الآن في كل الانقسامات الجذرية بين الاكثرية والمعارضة كأنه ثمرة أصابها الاهتراء السياسي والاخلاقي والوطني، وأنها آيلة الى السقوط في الفراغ الكامل وما يحمله من الفوضى والجنون.
? ? ?
اذا كان لبنان قد وضع الآن في حسابات فرنسا على قائمة الفالج الذي يستعصي على كل المعالجات، فانه سبق ان وضع في حسابات اميركا في قائمة “فرق العملة” او “كسور الحساب” التي تحتاج مصالح واشنطن الاقليمية المتبدّلة الى استعمالها لاقامة مقايضات متوازنة.
وفي هذا السياق تكشف التطورات والمواقف والتصريحات، التي سبقت مؤتمر أنابوليس وتبعته، أن المقايضة هذه المرة تتجه نحو موازاة الخروج العسكري الاميركي “اللائق” من العراق بالخروج السياسي الاميركي الصامت والمتسلل “حياء” من لبنان !
في كلام أوضح، هذه معادلة تضع دماء “المجانين” في لبنان كقناع يغطي تعرّق الاحراج الفاضح لانسحاب هادئ للاميركيين في العراق. اذاً الدم لتغطية عرق الخجل. ونحن عملياً الآن نتقدم في طريق يبدو انها رُسمت على هذا الأساس وأُّتفق عليها من دون الحاجة طبعاً الى نصوص وتوقيعات في كواليس أنابوليس.
لقد تراجع لبنان الذي في مقدم “اهتمامات” أميركا، والذي شكل محور التصريحات اليومية والمتكررة أحياناً عند الرئيس جورج بوش وكوندوليزا رايس، تراجع الى عمق النسيان وبات الآن في مكان سحيق من هذه الاهتمامات. لم يعد يمثل “خط الاعتدال في وجه التطرف والفوضى”، كما كان يقال في واشنطن، وبالمناسبة لم يطلب أحد من أهل “انتفاضة الاستقلال” ان يقال هذا وهو الذي ذبح لبنان فعلاً عبر هذه المحبة المزعومة وكلنا يعرف ان “من الحب ما قتل” !
لم يعد لبنان موجوداً لا في الذاكرة ولا في التصريحات والبيانات ولا حتى في الخريطة السياسية الاميركية.
وكان يمكن لهذا الشيء ان يشكل تطوراً عظيماً لو ان اللبنانيين اغلقوا ابوابهم على كل التدخلات الخارجية وانخرطوا في رسم حل ينهي مأساة بلادهم وينتزع لبنان من تلك النقطة القاتلة في تقاطع المصالح الغربية والاميركية خصوصاً مع المصالح الاقليمية سورية وايرانية.
???
نعم، ثمة حاجة موضوعية وعقلانية للحديث عن هذا التقاطع وخصوصاً بعد انبعاث الحرارة وبوتيرة سريعة في علاقات واشنطن ودمشق حيث تبدو الآن عملية إعادة السفير الاميركي الى سوريا مسألة أشهر إن لم يكن أسابيع.
ثم ان التقرير الاستخباري الاميركي الذي يعطي صك البراءة لايران في المسألة النووية، وضع العلاقات بين واشنطن وطهران – رغم كل ما نسمعه الآن من تصريحات التعمية – على نار هادئة لكنها قد تتصاعد الى الحدود الدافئة والحارة.
ثم ان التقرير الاستخباري الاميركي الذي يعطي صك البراءة لايران في المسألة النووية، وضع العلاقات بين واشنطن وطهران – رغم كل ما نسمعه الآن من تصريحات التعمية – على نار هادئة لكنها قد تتصاعد الى الحدود الدافئة والحارة.
يكفي ان نقرأ تصريحات هوشيار زيباري عن تراجع تسلّل الارهابيين عبر سوريا الى الحدود الدنيا، ويكفي ان نقرأ جيداً التقدير العراقي لمساعدات سوريا المقدمة الى اللاجئين العراقيين، ثم ان نتأمل في قرار اعادة تشغيل خط أنابيب النفط من كركوك في شمال العراق الى بانياس على الساحل السوري، وفي فتح الأبواب امام استثمارات سورية كبيرة في العراق، لكي ندرك ان هذا التطور الايجابي والمهم في علاقات البلدين لم يكن ليتمّ إلاّ بمباركة ضمنية من كوندوليزا رايس طبعاً لا من ندها الأخ زيباري !
واذا تذكرنا ان الاميركيين يستعدون لتجميع قواتهم في ثكن عراقية تشكل عملياً محطات تسفير أو إنسحاب “مشرّف” ومن دون تعرّق او خجل، يمكن ان نفهم الجانب الآخر من الصفقة:
“ارفعوا أيديكم عن تأييد إنتفاضة الاستقلال في لبنان نرفع أيدينا عن اشعال النار في أذيالكم في العراق”.
والصفقة تتفاعل ايجابياً وتتقدم بمقدار ما تتفاعل الازمة لبنانياً وتتعقد. واذا كانت فرنسا قد نفضت يدها من الازمة اللبنانية، فان اميركا باعت لبنان واللبنانيين “فرق عملة” أو بالأحرى “نخاسة” في اطار حساباتها ومصالحها الاقليمية.
???
ولعل نكتة هذا الموسم الطافح بالبؤس والمآسي كانت أول من امس ماثلة في البيان الذي صدر عن مجلس الأمن يستعجل اللبنانيين إنتخاب رئيس للجمهورية.
لكن السؤال الأعمق هو: هل تبقى الجمهورية؟ وكيف سيكون طعمها ولونها وشكلها في ظل قول السفير الاميركي في الأمم المتحدة زلماي خليل زاد: “إن ما يحصل في لبنان سيكون عنصراً رئيسياً في تشكيل الشرق الأوسط الموسع”؟!
وهل سيتيح هذا “الموسَّع” في المجال السيادي والاستقلالي لبقاء وطن اسمه لبنان؟!
طبعاً لا داعي الى البحث عن أجوبة ليست متوافرة حتى الآن. ولكن عندما يقبل المجانين من اهل هذا البلد التاعس أن يضعوا وطنهم على حافة الفوضى والانهيار، فإنهم يساعدون أو يسهّلون مقايضة الدم اللبناني بعرق خجل الانسحاب الاميركي من العراق.