لعبة التفويض وسحبه في لبنان
وليد شقير
وليد شقير
أعاد رئيس المجلس النيابي نبيه بري الصراع في لبنان الى حلبته الإقليمية مرة أخرى. فهو حين قرر العودة عن الاتفاق الذي توصل إليه مع زعيم تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري يوم الجمعة في 7 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، فعل ذلك لأنه اكتشف أن هذا الاتفاق لا يحظى بالتغطية اللازمة إقليمياً، وتحديداً من سورية، خصوصاً أنه يشمل التفاهم على أن يتم التعديل الدستوري لإتاحة انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، من دون تجاوز حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وأن هذه ستأخذ دورها وفق الدستور، في إنجاز هذا التعديل.
لقد أسر الرئيس بري الى المعنيين، في اللحظة نفسها التي تراجع فيها عن هذا الاتفاق بأن الأمر يتعداه، وبوجوب حصول تفاهم سعودي – سوري. وإذا كان كثر يستخدمون التوصيف الذي يقول إن الأزمة في لبنان عادت الى المربع الأول بسبب إطالة أمد الفراغ الرئاسي على رغم التوافق بين الأكثرية والمعارضة على اسم العماد سليمان، فإن العودة الى المربع الأول تكمن في استرجاع بري حديثه عن المعادلة التي طرحها مع نهاية العام 2006، حين اشترط من أجل معالجة الأزمة بين المعارضة والأكثرية، التي ادت الى استقالة الوزراء الشيعة وتعطيل إقرار المحكمة الدولية في البرلمان واعتصام المعارضة في وسط بيروت، معالجة المعادلة التي سماها اختصاراً «S. S» مستخدماً الحرفين الأولين من اسمي السعودية وسورية، باللغة الأجنبية… ان العودة الى المربع الأول تصبح مفهومة أكثر إذا كان هذا هو المطلوب، فالرئيس بري يقول بهذا الكلام أن «لا حول ولا قوة لي»، رافعاً المسؤولية عن نفسه، على رغم استمرار خصومه في إيلائه مسؤولية أساسية في السعي للوصول الى مخرج من الأزمة. وعلى رغم استمرار قادة المعارضة في القول إنه مفوض بالحوار مع الأكثرية وعلى رغم أنه يتكلم «باسم المعارضة» أحياناً.
وواقع الحال ان المتابعين لأحجية الأزمة اللبنانية والبهلوانيات التي تترافق مع تموجاتها حول القضايا الدستورية بافتعال لا سابق له، لم يعودوا يعرفون متى يكون الرئيس بري مفوضاً بالتفاوض مع الأكثرية. فزعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون أعلن امس انه هو المفوض من سائر المعارضة بالتفاوض. والرئيس بري قال قبله انه يتكلم باسم المعارضة في رده على دعوة رئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط الى إكمال الحوار مع بري، ويوم السبت الماضي حين تراجع بري عن اتفاقه مع الحريري قال ان وزراءه لن يحضروا جلسة التعديل الدستوري في مجلس الوزراء وفق المخرج الذي اتفقا عليه، وأبلغ جهات عدة ان وزيراً من «حزب الله» هو الذي سيحضر «واحكوا مع الحزب». وقبلها كان «حزب الله» سحب التفويض من بري حين أبلغ الفرقاء كافة، بعد القيادة السورية، ان على الوسطاء أخذ موافقة العماد عون على أي حل يتم التوصل إليه… وتكررت هذه العملية مرات عدة في التفاوض مع الفرنسيين والجامعة العربية وغيرهما. وملخصها ان بري لا يجد حرجاً في إفهام من يريد ان يفهم ان لا حيلة له مع حلفائه وأن الموضوع ليس عنده. كما لا يجد حرجاً في الظهور بمظهر من ليس القرار في يده عندما يحين اوان التصعيد. لكن بري يعتمد على ان الأكثرية لن تجد غيره في نهاية المطاف من اجل عقد التسوية مع المعارضة، في ظل استمرار العماد عون في التشدد وفي وقت ينأى «حزب الله» بنفسه عن الحوار المباشر مع الفرقاء الآخرين، ويحتفظ لنفسه بموقع قيادة المناورات، ويحيل الفرقاء الى عون فيرفع هو سقف التفاوض ثم يكلف بري به، ثم يسحب منه التكليف…
وإذا كان من شأن هذه اللعبة ان تكون وسيلة ناجعة في الانسجام مع تموجات الوضع الإقليمي، فإن الأمر يصبح ترجمة لهذه التموجات. وما يجري في لبنان هو ترجمة امينة لاستمرار الجفاء في علاقة السعودية وسورية (سين سين). فالأولى ما زالت ترهن تحسّن العلاقات مع دمشق بالإفراج عن الرئاسة في لبنان وتسهيل سورية عبر حلفائها في بيروت الخروج من الفراغ الرئاسي وقيام حكومة تحكمها التوازنات اللبنانية. وسورية تبقي على الرئاسة رهينة في يدها ولن تفرج عنها إلا مقابل تفاهمها مع السعودية على «سلة» من المواضيع والقضايا على الصعيدين الإقليمي والدولي. فدمشق، وفق ما أبلغته الى الملك الأردني عبدالله الثاني، تعتبر ان أي فريق خارجي، خصوصاً عربياً، يجب ألا يناقشها في أمور لبنان، لأنه ساحة نفوذها الحيوي الذي لا دخل لغيرها به، ولأن «حزب الله» هو خط أحمر لا يمكن مسّه.
في هذا الوضع الضبابي والغبار الاقليمي رحم الله فارس الجيش اللبناني العميد فرنسوا الحاج.