اغتيال الحريري: التحقيق يعرف الحقيقة وإعلانها بات قريباً
المتورطون في الجريمة عددهم كبير والشهود بالعشرات
المتورطون في الجريمة عددهم كبير والشهود بالعشرات
عبد الكريم أبو النصر
“المعركة الاستقلالية الاخرى الكبرى التي تخوضها الدول الداعمة للبنان هي حماية التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية وارهابية اخرى وتأمين انطلاق عمل المحكمة الدولية في اقرب وقت ممكن، وذلك من خلال احاطة كل ما يتعلق بهذه القضية بالسرية التامة الى ان تبدأ عملية محاسبة ومعاقبة الذين اعتمدوا سياسة الاغتيالات والاعمال الارهابية لزعزعة امن هذا البلد واستقراره وتهديد مصيره. لكن الواقع ان التحقيق الدولي يقترب من لحظة اعلان الحقيقة، اذ ان لجنة التحقيق انهت اكثر من 80 في المئة من اعمالها واصبحت تملك من الادلة والمعلومات والقرائن والشهادات والاعترافات ما يكفي لجعلها تعرف من خطط لاغتيال الحريري، وطريقة تنفيذ الجريمة، وهويات المتورطين فيها وخصوصا المسؤولين الكبار منهم، وهو ما يساعد المحكمة الدولية على بدء عملها في الاشهر الاولى من سنة 2008. وهذا الاختراق الكبير في التحقيق الدولي يعني انه لم يعد ممكنا التراجع واغلاق ملف هذه القضية لأي سبب كان وخصوصا ان سائر الدول العربية والاجنبية المعنية بمصير لبنان تريد الذهاب حتى النهاية ومحاسبة المتورطين في هذه الجريمة الكبرى”.
هذا ما اكدته لنا مصادر ديبلوماسية غربية في باريس وثيقة الاطلاع على التحقيق الدولي لكنها ليست جزءا منه، واوضحت ان سيرج برامرتس رئيس لجنة التحقيق “مطمئن كليا الى مسار هذا التحقيق واكثر ثقة من اي وقت مضى بنجاحه ووصوله الى النتائج الحاسمة المرجوة منه”.
وكشفت هذه المصادر ان برامرتس “يعرف شخصيا هويات المتورطين في هذه الجريمة او الغالبية الكبرى منهم وانه توصل الى الاقتناعات ذاتها التي توصل اليها سلفه ديتليف ميليس وهي ان مسؤولين امنيين سوريين ولبنانيين رفيعي المستوى هم الذين قاموا بالدور المحوري في جريمة اغتيال الحريري، لكنه يرفض كشف اي شيء او تحديد موعد معين لانتهاء التحقيق لانه ليس راغبا في التأثير على مسار التحقيق، ويريد تجنب اثارة الاضطرابات والمشاكل في لبنان، كما انه يريد دعم مهمة خلفه القاضي الكندي دانيال بلمار واعداد ملف كامل يساعد المدعي العام للمحكمة على توجيه الاتهامات الى المتورطين في الجريمة والمطالبة بتسليمهم الى العدالة الدولية. وذكرت هذه المصادر ان هناك “العشرات من الشهود” اللبنانيين وغير اللبنانيين التزموا تقديم ما لديهم من معلومات عن هذه الجريمة الى المحكمة الدولية، وان عدد المتورطين فيها “كبير”، وان هؤلاء يتوزعون بين من اصدر الامر باغتيال الحريري، ومن اعد خطة تنفيذ الجريمة، ومن قام بتنفيذها، ومن ساعد على التنفيذ، ومن أقدم على تحميل الشاحنة بالمتفجرات، ومن اخفى هذه الشاحنة، ومن راقب نشاطات الحريري وموكبه، ومن حرّض على اغتياله، ومن قام بتأمين الحماية للمنفذين واعوانهم، ومن كان على علم مسبق بهذه الجريمة.
الدور السوري
وكشفت المصادر ذاتها ان جهات غربية معنية بالامر اجرت دراسة دقيقة للتقرير الاخير الذي قدمه برامرتس الى مجلس الامن، وهو اكثر تقاريره اهمية، وركزت في دراستها هذه على الامور الاساسية الآتية:
أولاً، حرص برامرتس على التأكيد، وللمرة الاولى بهذا الوضوح، ان لجنة التحقيق تلقت “تهديدات محددة” تتعلق بعملها مما يعني انها احرزت تقدما ملموسا كبيرا في مهمتها، وهو ما دفعه ايضا الى القول ان اللجنة بدأت تضع برنامجا شاملا لحماية الشهود الذين سيمثلون امام المحكمة الدولية، وانها تستعد لتسليم المدعي العام للمحكمة نتائج تحقيقاتها.
ثانياً، كشف تقرير برامرتس ان اللجنة اصبحت تملك “ادراكا شاملا” لطريقة تنفيذ عملية تفجير موكب الحريري و”لنوع المتفجرات وكميتها ولنوع اداة التفجير”، واستبعدت نتيجة ذلك احتمال حدوث “قصف جوي” للموكب، مما يعني ان العملية كلها اعدت على الارض وان القائمين بها يملكون القدرة والامكانات والحماية الملائمة لاعدادها وتنفيذها في ظل السيطرة الكاملة على الوضع في لبنان آنذاك للاجهزة الامنية والاستخباراتية السورية واللبنانية المرتبطة بها. وهذا مؤشر مهم.
ثالثاً، وفقا لما جاء في التقرير فقد اصبحت اللجنة الدولية تملك معلومات كافية عن الشاحنة المستخدمة في الهجوم وعن الرجلين اللذين اشترياها وعن بائع هذه الشاحنة، كما اصبحت تملك معلومات اكثر دقة عن الانتحاري منفذ الهجوم وهو ليس احمد ابو عدس، الذي حاول المتورطون في الجريمة اقناع الرأي العام بأنه مفجر الشاحنة. وهذا يساعد على كشف هوية مخططي الجريمة والذين حاولوا تضليل التحقيق.
رابعاً، كشف تقرير برامرتس، وللمرة الاولى، ان اللجنة الدولية اصبحت تملك “لائحة شاملة بأسماء الافراد الذين كانوا على علم بحركة موكب الحريري يوم الاغتيال”، مما يشكل تطورا مهما اذ ان من بين هؤلاء اشخاصا متورطين مباشرة في الجريمة. كما حصلت اللجنة على معلومات عن الاشخاص المكلفين مراقبة الحريري والمشاركين بالتالي في جريمة اغتياله، وهؤلاء يعرفون من طلب منهم مراقبة رئيس الوزراء الراحل.
خامساً، كشف تقرير برامرتس، وللمرة الاولى بهذا الوضوح، ان لجنة التحقيق اصبحت على اقتناع بأن الدوافع السياسية هي وراء اغتيال الحريري. واورد التقرير ابرز هذه الدوافع وهي: “الدور الممكن والمتصور الذي أداه الحريري في صدور قرار مجلس الامن رقم 1559 في ايلول 2004 والذي طالب بانسحاب القوات السورية من لبنان، تمديد ولاية الرئيس اميل لحود، الوضع السياسي للحريري عشية الانتخابات النيابية عام 2005. وهذه الدوافع السياسية المحددة تشير بوضوح الى دور سوري في عملية الاغتيال اذ ان المسؤولين السوريين كانوا غاضبين جدا من صدور القرار 1559 الهادف الى انهاء هيمنتهم على لبنان واتهموا الحريري بالوقوف وراءه، كما انهم مارسوا ضغوطا هائلة على الحريري وعدد كبير من النواب لتمديد ولاية لحود، كما كانوا منزعجين جدا من احتمال حصول الحريري وحلفائه على غالبية المقاعد في مجلس النواب في انتخابات 2005. وشدد التقرير على ان اللجنة اصبحت تملك معلومات كافية عن “التهديدات والتحذيرات والتطمينات” التي تلقاها الحريري في الاشهر التي سبقت اغتياله. واكدت المصادر الغربية المطلعة ان اللجنة تملك شهادات لعدد كبير من الشخصيات اللبنانية وغير اللبنانية التي تتفق جميعها على القول ان الحريري تلقى في الفترة التي سبقت اغتياله تهديدات مباشرة من مسؤولين سوريين بارزين، وانه اطلع هو شخصيا جهات عدة داخلية وخارجية عليها.
شبكة السيارات المفخخة
سادساً، كشف تقرير برامرتس الاخير، وللمرة الاولى، ان اللجنة الدولية ركزت جهودها على معرفة وتحديد طبيعة ومستوى “التعاون الذي كان قائما بين الاجهزة الامنية السورية واللبنانية” في مرحلة الاعداد لاغتيال الحريري. وهذه مسألة غاية في الاهمية، اذ ان التحقيق يتركز منذ البداية على “الدور المحوري” الذي قامت به الاجهزة الامنية السورية واللبنانية في عملية اغتيال الحريري. واكدت المصادر الغربية المطلعة ان برامرتس ابدى ايضا اهتماما كبيرا بجمع معلومات دقيقة عن “طريقة اتخاذ القرار الامني في سوريا”، وهو حصل على معلومات مهمة في هذا الشأن من مسؤولين سوريين بارزين حاليين وسابقين وذلك بهدف تحديد هويات الذين اتخذوا قرار اغتيال الحريري وامروا بتنفيذه.
سابعاً، لمّح برامرتس في تقريره الاخير الى امتلاك اللجنة الدولية “معلومات مقنعة” عن الروابط بين اغتيال الحريري والاعتداءات الـ18 الاخرى التي شهدها لبنان منذ صدور القرار 1559 الى ايلول الماضي والتي شملت خصوصا اغتيال جبران تويني وسمير قصير وجورج حاوي وبيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم ومحاولة اغتيال مروان حماده والياس المر ومي شدياق. وسيتم تسليم هذه “المعلومات المقنعة” الى مدعي عام المحكمة الدولية وهو ما يعني، وفقا للمصادر الغربية، ان التحقيق الدولي احرز تقدما ملموسا في ايجاد هذه الروابط، مما يعزز الاقتناع السائد بوجود “مخطط سياسي كبير” يستهدف تحديدا اضعاف الاستقلاليين والمعارضين للهيمنة السورية على لبنان سواء عبر الاغتيالات او عبر وسائل اخرى.
ثامناً، كشف تقرير برامرتس الاخير، وللمرة الاولى، ان لجنة التحقيق شارفت الانتهاء من مهمتها، اذ اكد في الفقرة 97 “ان اللجنة بدأت التحضير للانجاز العملي لتفويضها وسدل الستارة على نشاطاتها في لبنان”، وفي الفقرة 98 ان اللجنة “بدأت تعمل مع دوائر الامم المتحدة لتأمين نجاح عملية الانتقال الى المحكمة الدولية”. واكد التقرير ايضا ان لجنة التحقيق “تستعد لتسليم المدعي العام للمحكمة الدولية نتائج تحقيقها عندما تبدأ المحكمة عملها” أي في الاشهر الثلاثة الاولى من سنة 2008. ووصول لجنة التحقيق الى هذه المرحلة المتقدمة جدا هو ما يجعلها تشعر بوجود اخطار عليها، وهذا ما حذر منه برامرتس في تقريره الاخير وما دفعه الى المطالبة باحاطة نتائج التحقيق بالسرية التامة الى حين بدء عمل المحكمة الدولية والاكتفاء “بكشف معلومات محددة فقط” للرأي العام. وقد طلب برامرتس اعتماد السرية التامة ايضا بهدف حماية موظفي اللجنة الدولية والمتعاونين معها والشهود وكذلك “المتورطين المحتملين” في هذه الجريمة قبل بدء محاكمتهم. ولو لم تكن اللجنة الدولية حققت تقدما كبيرا وملموسا في اعمالها لما كان برامرتس اورد هذه المطالب في تقريره.
تاسعاً، كشف برامرتس في تقريره الاخير، وللمرة الاولى ايضا، أمراً بالغ الخطورة هو وجود شبكة منظمة في لبنان لتنفيذ الاغتيالات السياسية وعمليات التفجير وتتمتع بالحماية الملائمة وهي تنشط منذ خريف 2004 الى اليوم ولا تزال تملك القدرة على الحركة وعلى تنفيذ الجرائم. فقد ذكر التقرير بوضوح ان مرتكبي جريمة اغتيال الحريري وبعض الجرائم السياسية الاخرى “تمتعوا وما زالوا يتمتعون بقدرات عملانية متطورة مكثفة متوافرة في بيروت، وهم يعتمدون على خبرات ومعدات وموارد محددة”. كما كشف التقرير ان هؤلاء قادرون على تجهيز “عدد من السيارات المفخخة مسبقا وفي اماكن متعددة” لتنفيذ جريمة ما، كما حدث لدى اغتيال النائب انطوان غانم في 19 ايلول الماضي. وتركيز تقرير برامرتس على وجود هذه الشبكة المنظمة يدل على ان اللجنة الدولية تملك معلومات وادلة محددة عنها وعن المشاركين فيها وعن القادرين على اعداد سيارات مفخخة بكل اطمئنان في الساحة اللبنانية من اجل استخدامها “في الوقت الملائم” ضد بعض الشخصيات الوطنية الاستقلالية.
وخلصت هذه الدراسة الغربية الى التأكيد ان “برامرتس قال في تقريره الاخير ما لم يقله في سائر تقاريره السابقة، وكان، بالنسبة الى المطلعين على ملف التحقيق، واضحا اكثر من اي وقت مضى لانه اصبح على ثقة بأنه يعرف تماما ماذا جرى، ومن هم المسؤولون والمتورطون في هذه الجريمة، كما اصبح على ثقة بأن اللجنة الدولية تملك ملفا ضخما صلبا حافلا بالادلة والمعلومات والقرائن والشهادات والاعترافات تستطيع المحكمة الدولية الاعتماد عليه لمجابهة ومعاقبة قتلة الحريري ورفاقه وربما قتلة شخصيات وطنية اخرى. وترفض سائر الدول المعنية استباق عمل المدعي العام والمحكمة وتسريب معلومات محددة عن التحقيق الدولي لانها تريد ان تصدر الاتهامات عن هيئة دولية مستقلة تعمل باشراف مجلس الامن الدولي منعا لاي استغلال سياسي لهذه القضية الكبرى وتطويقا لردود فعل الجهات المتورطة في هذه الجريمة الارهابية”.