#adsense

ملء عين الزمن.. والوطن

حجم الخط

ملء عين الزمن.. والوطن

ميرفت سيوفي


يشيّع لبنان اليوم شهيده البطل “العميد الركن فرنسوا الحاج”، وداع حزين يليق ببطل.. سيجتمع تلامذة مدارس لبنان عند العاشرة في ملاعبهم الفسيحة أو الصغيرة، سينشدون النشيد الوطني اللبناني. سيرددون “ملء عين الزمن سيفنا والقلم”، وقد يخطر لهم أو لا يخطر لهم أننا في 12 كانون الاول وفي عامين، وبعين قاتل وقح، كُسِرَ قلمنا كسروا شباب جبران تويني في 12 كانون اول 2005 وكُسِر سيفنا في 12 كانون الاول 2007 يوم كسروا شباب بطل من أبطال جيشنا اللبناني.. يستكثرون علينا الحرية، و”الصوت الذي يودي”.
 

يستكثرون علينا صمت الأبطال الذين يخوضون في الظل غمار الموت ويعودون الى عائلاتهم مضمخين بروح الحياة.
 

لا تليق النهايات الكبيرة إلا بالكبار. تخيّلوا لو أن عملاقاً بحجم أسطورة رفيق الحريري مات موتاً عادياً. لا يليق بأمثاله وأمثال باسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني، والأحياء الذين كتبت لهم شهادة الحياة ليشهدوا الله والحق ولبنان ولشهادة الشهداء، حتى يبقى من يخبّر، يليق بهؤلاء ما قاله المتنبي في نفسه واستحقه وما زال: “وتركك في الدّنيا دويّاً كأنما / تداول سمعُ المرءِ أنملهُ العَشْر”..
 

وسيبقى دويّهم يتردّد صداه في الدنيا، مثلما تردد دويّ كلّ انفجار في قلوب اللبنانيين، اليوم يشيّعون شهيداً جديداً، يا لهذه القدرة عند هذا الشعب على حمل الجثامين، وتوديع الشهداء، شهيداً تلو الآخر، يا لقدرة هذا الشعب الفائقة على الحياة، واقتناص الفرح، والتعلق بالرجاء عند حافة اليأس..
 

بالأمس، كانت السيدة التي في المطار، تنتظر إبنها، وكنت أنتظر شقيقتي، كانت تحدّث سيّدة بجانبها، مواطنتان لبنانيتان تخوضان في حديث لبناني. كنت قبله بساعات قليلة، قد أعلنتُ خوفي، وإعلان خوفي أقرب الى إعلان اليأس والاستسلام، استنكار، رثاء، وقاحة اتهام، بيانات تافهة لكل دول العالم العالقة في عنق المأزق، بيان أمين عام الأمم المتحدة، بيانا الأمم المتحدة، استنكار رؤساء الوزراء الاوروبيين والعرب المتصلين استنكاراً ودعماً.. يليق بكل هذا الدعم الكلامي البياناتي حرفان عربيان أصيلان: “طز”!!
 

السيدة التي في المطار تنتظر إبنها بشوق، وأنا أنتطر التي اعتادت ان تظل على سفر، في غمرة يأسي قالت السيدة: خسرنا بالأمس بطلاً من الأبطال، بطلاً لا كالأبطال، لن نستسلم، سيأتي غيابنا، وسنعيّد على رغم أنوف الذين لا يريدون لهذا البلد أن تكون له أعياد، كنا وما زلنا نبكي جبران، فجعونا ببطل كان مرشحاً لقيادة الجيش..
 

السيدة تجاوزت الستين، والسيدة التي تشاركها الحديث تجاوزتها أيضاً، تأملت وجهين بهيين من لبنان، ما زال الأمل ينبعث منهما، والإيمان بلبنان يشع ويفيض بريقاً من عيونهما. من حديثهما أدركت انه لا يحق لنا أن نتعب أن نستكين، ان نخاف، أو ان نستسلم، سنخون دماء الشهداء وشهاداتهم، ما الذي سيحدث ان صمدنا في اسوأ الاحوال سنلحق بركب الشهداء سنكون شهداء أحياء أو أحياء عند ربنا، فليكن.. لا قاتل يستطيع أن يهزم الشهداء..
 

تليق بالشهداء كل التحايا.. ولكن.
 

ماذا بعد نهر الدماء، وألسنة اللهب، والأجساد المقذوفة مئات الأمتار، حتى أجساد الشهداء تموت متصدّعة كما أيام الوطن.. ردّدوا النشيد الوطني اللبناني، ظللوا ردّدوه حتى تنكسر عين القاتل، ويظل لبنان وشهداؤه: ملء عين الزمن والوطن والقلب.. 

المصدر:
الشرق

خبر عاجل