#adsense

أين “أصدقاء لبنان”··· اللبنانيون؟

حجم الخط

أين “أصدقاء لبنان”··· اللبنانيون؟

نادين سلام

 

مشهد جديد من الإجرام أضيف الى المسلسل الطويل الذي يُعرض قسراً وحصراً في لبنان على مدى أربعة أعوام مضت، والله وحده عالِم متى تأتي حلقته الأخيرة، تطاول خلالها على رموز اختلفوا في طوائفهم وتوحدوا في خطهم السيادي والاستقلالي· ولكن تتميز جريمة اغتيال العميد فرنسوا الحاج بثلاثية الأبعاد، فهي المرة الأولى التي تستهدف فيها المؤسسة العسكرية منذ نهاية الحرب الأهلية، مع كل ما تتمتع به من التفاف شعبي وإجماع سياسي على دورها المميز في صون وحدة الوطن، وتكريس مفهوم المواطنية الحقة بكل أبعاد علاقتها بمؤسستها العسكرية، والمستهدف ليس أي ابن لهذه المؤسسة، فهو أحد أبرز قادتها، وهوالمهندس اللامع لحرب نهر البارد التي سطّر خلالها الجيش أسمى آيات التضحية التي حققت النصر، وهو المرشح الأوفر حظاً لتولي مهام قائد الجيش في حال نجحت المبادرات وتم التوصل الى الوفاق المنشود وانتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية، بإجماع محلي وإقليمي بل عالمي غير مسبوق·


أما البعد الثالث والأخطر فهو توقيت هذا الاغتيال في مرحلة بلغ التوتر وشد الحبال بين “شركاء” الوطن ذروته، وكأن ما نعيشه لا يتجاوز كونه البازار الكبير حيث يحاول كل فريق تحسين شروط الصفقة، بغض النظر على حساب من، ولو كان على حساب لقمة المسكين، أو بأي ثمن يدفع، محلياً طبعاً، بما أن الحساب المحلي سيبقى المدين دائماً ومصادر الخارج دائنة لحسابات محلية ضيقة لا تخدم إلا المستفيدين المباشرين منها·

 

انها ضربة موجعة للمؤسسة الوحيدة التي فرضت هيبتها وسلطتها على جميع اللبنانيين في احلك الظروف التي مرّ بها الوطن منذ ثلاث سنوات وحتى اليوم، حيث لا يوجد أي بصيص نور بقرب انتهاء هذا النفق المظلم·

 

هي ضربة للمؤسسة العسكرية، التي وحدها استطاعت الترفع عن المماحكات الضيقة وخرجت من المنطق الطوائفي التقسيمي لتكون حصناً موحداً لكل ابناء الوطن سواسية في مواجهة التطرف والجهل العقائدي والانجرار الأعمى وراء الغرائز المدمرة·

 

فإذا كانت بداية الغيث في تحويل سهام الحاقدين والمتآمرين نحو الجيش، كيف تتوقع الأكثرية والمعارضة التصدي لهذا المخطط، وما هي خطط الدفاع عن هذه المؤسسة التي سلّفت الطرفين الكثير، وأن الأوان لنرى موقف وفاء يرد الجميل ويذود أولاً وأخيراً عن الوطن، المركب الكبير الذي يحمل الجميع، فإما نغرق سوياً أو نصل معاً الى شاطئ الأمان والاستقرار، بعودة المنطق التوافقي الذي يمهّد لإعادة بناء مؤسسات الدولة ويعيد الدور الطبيعي للسلطات الثلاث، فتكون الرئاسة الأولى على رأس الدولة، والسلطة التشريعية تعود لتفعيل دورها عبر اجراء التعديلات الضرورية حتى يكون الدستور في خدمة مصلحة الوطن وليس العكس· فقد آن الأوان لعصرنة الدستور والقانون الانتخابي بما يرضي مختلف المناطق والطوائف فيكون ملاذ اللبناني وليس “مكسر عصا” الساسة، يفصّلونه ويعدّلونه كل حسب مقاسه·

 

وأخيراً تؤدي السلطة التنفيذية الدور المنوط بها والأهم وهو النهوض بالوطن والمواطن بعد هذه النكبة الطويلة، والتي دفع خلالها اللبناني الأثمان الباهظة من كرامة العيش والاستقرار والإيمان بالمستقبل·

 

هه ليست بأحلام طوباوية ولا بأمنيات مستحيلة، هي حق كل انسان بحياة مستقرة وفرصة لعيش كريم، بعيداً عن تجاذبات بيزنطية لم تضف الى تاريخ لبنان أي انجاز، بقدر ما أعادت عقارب ساعته الى ايام سوداء، تاق اللبنانيون الى نسيانها، وأدت الى طرح علامات استفهام كثيرة حول مفاهيم الديمقراطية السائدة وجدواها في خدمة الاستقلال الحقيقي·

 

لقد تدنى مستوى الهمّ اللبناني من كيفية التطور والإبداع والمنافسة في محيطه، الى التأمل أن تمضي فترة الأعياد بأمن وسلام حتى يلتقط المواطن أنفاسه ويلملم ما تيسّر من لقمة عيش ممكن أن تقيه عوز ما بعد الأعياد، حيث وعدنا الجنرال عون بلقاء مع القاعدة الشعبية طبعاً، لانتزاع ما سُلب منه·

 

نعم، لقد ذابت شمعة الأمل الى بعض أيام آمنة، حيث يبقى الهمّ المعيشي والأمن الطاغيان على سلّم أولويات المواطن، الذي تخلى عن فكرة البلد الآمن النهائي حيث يمكن أن يخطط فيه لمستقبل له ولأولاده من بعده، يؤسس لمشاريع وأحلام تبني اوطاناً، بغض النظر عمن يكون في سدة الرئاسة ومن يشكل الأكثرية في مجلس النواب ومن يتمتع بالثلث الضامن، فالضمانة الكبرى هو لبنان، ولا ضمانة غيره لأبنائه·

 

وأخيراً، بالعود الى الواقع القاتم، شكراً “لأصدقاء سوريا في لبنان”، وشكراً “لأصدقاء أميركا في لبنان”، ويبقى السؤال: متى يتدخل “أصدقاء لبنان” في لبنان ويمسكون بزمام الأمور، كما هو جدير بأي شعب آمن، حر ومستقل؟ متى يتحوّل الجميع الى أصدقاء لوطنهم دون غيره، صادقين مع أنفسهم، صدّيقين مع من إئتمنوهم على مستقبلهم وأمنهم وأبنائهم؟·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل