#adsense

هل ينقذ الجيش لبنان و”شعوبه”؟

حجم الخط

هل ينقذ الجيش لبنان و”شعوبه”؟

سركيس نعوم 

 

لبنان اليوم على شفير الهاوية من جديد. فالفراغ حط في مؤسسة رئاسة الجمهورية ولا يبدو أن بعض قادته والزعماء كما حلفاؤهم في الخارج مستعجلون لملئه. والتعطيل اصاب مؤسسة مجلس النواب بعدما صار القيمون عليها طرفاً في الصراع المحلي الدائر بل في الصراع الاقليمي – الدولي الذي لا يعتبر اطرافه لبنان الا ساحة، ومؤسساته واحزابه وتياراته وقادته ومراجعه ادوات. والشلل وانعدام الانتاج اصابا مؤسسة مجلس الوزراء رغم دستورية الحكومة الحالية ربما بسبب لاميثاقيتها وتمسك اعدائها في الداخل والخارج بالتخلص منها كونها العقبة الكأداء التي احبطت كل محاولاتهم لضرب الوضع اللبناني الذي نشأ عام 2005. والوضع الامني في البلاد ينطبق عليه مَثَل “لا تهزّو واقف عاشوار”.

 

 ولولا خوف بعض اللبنانيين، وليس كلهم على تناقضهم، من تكرار تجربة الاقتتال الداخلي، وتناقض مواقف القوى الاقليمية المتدخلة في لبنان من الفوضى واندلاع الفتن والحروب، لكان اللبنانيون اليوم يعيشون بل يعانون حرباً جديدة قد تختلف عن الحروب التي عاشوا في العقود الماضية من حيث الشكل، ولكن ليس من حيث المضمون الذي هو ضرب مناعة لبنان في صورة نهائية وتحكم الطامعين به في مقابل صفقات اقليمية ودولية بل التقاء مصالح بين اعداء لا يبرره عقل ولا منطق ولا ضمير ولا علاقة اخوة او صداقة. في خضم هذا الوضع يذكّر المجرمون اعداء لبنان اللبنانيين كل بضعة اشهر بأن يدهم “طايلة” وبأن لا يد فوقها وأن ركضهم خلف من يصنفون قوى كبرى او عظمى حماية لبلادهم واستقلالها ونظامها لن يثمر. وفي خضمه ايضاً يتساءل هؤلاء: من ينقذنا ومن ينقذ لبنان؟


وتساؤلهم هذا نابع من حرقة قلب وربما من يأس او إحباط او غضب اكثر منه من رغبة في معرفة هوية منقذهم. ذلك انهم يعرفون ان العماد ميشال عون ليس منقذهم رغم تياره الشعبي الواسع وطموحه المزمن للقيام بهذا الدور، اولا لانه صار فريقاً في حرب اقليمية ادواتها محلية تهدد لبنان بشر مستطير في حين أنه ينكر ذلك ويصر على محلية الصراع الدائر وعلى دوره المرجح فيه وقدرته على اقناع حلفائه بما لا يمكن ان يقنعهم به احد. وفي حرب كهذه تخف قدرته وقدرة اي لاعب غيره على التأثير في مجريات الحوادث. وثانياً، لانه كان محكوما ولا يزال بعقدة الرئاسة. ويعرفون ايضاً ان الدكتور سمير جعجع لن يكون منقذهم رغم استعادة “قواته اللبنانية” مواقع مهمة في الشارع المسيحي من العماد عون وتياره.

 

فبعضهم لا يزال يذكر تجربته الحربية في الماضي وتجربته السلمية بعد انتهائها رغم تسهيله امور اتفاق الطائف في تلك المرحلة. وهي التجربة التي دفعت من يعرفهم الجميع الى ادخاله السجن بتهمة اثبت القضاء براءته منها، وإن لعدم كفاية الدليل. وبعضهم الآخر يعتقد ان ما يحكم مواقفه السياسية حالياً هو صراعه و”قواته” مع عون و”تياره” لا القضايا الوطنية الاخرى. ويعرف اللبنانيون ثالثاً ان “حزب الله” ليس المنقذ ولن يكون لانه وبتوكيل من جهة اقليمية تقول انها تنفذ رسالة الله الى العالم ينفذ هو في لبنان ارادة الامة، شاء من شاء وابى من ابى، ولأنه جزء من صراع مذهبي مزمن جداً وذلك يؤهله ربما للحرب وليس للسلم، ولان مشروعه للبنان غامض عموماً وعن قصد ربما لان ظروف توضيحه وتطبيقه كاملاً لا تزال غير متيسرة. ويعرفون رابعا ان نبيه بري لن يكون منقذهم، سواء بصفته رئيسا لمجلس النواب او زعيماً لحركة “امل”.

 

فهو ايضاً طرف في الصراع المحلي وليس الطرف الاقوى، وهو ايضاً جزء من تحالف محلي – اقليمي معروف ومزمن. ولا يترك له ذلك حرية واسعة للتحرك والمبادرة فعلا لا قولاً رغم رغبته “الصادقة” في ذلك من دون ان يعني هذا الصدق تخليا عن المصالح الفئوية وما يماثلها. ويعرفون خامساً ان النائب سعد الحريري لن يكون منقذهم ولا “تيار المستقبل” الذي يتزعم، اولا بسبب المذهبية التي صارت طاغية في البلاد ولا يستطيع احد الهرب منها. وثانياً، لانه يتعرض لحرب كبيرة بسبب مواصلته الخط الوطني اللبناني الذي سار عليه والده  تسبب باستشهاده، وبسبب تكريس لبنانية من يمثل وجعلها مساوية للعروبة بعدما كانت دونها من حيث الولاء لها والمحبة. ويعرفون سادساً ان الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط ليس منقذهم ولن يكون. والاسباب كثيرة ومعروفة.


اذا كان كل هؤلاء غير قادرين على انقاذ لبنان وشعبه، وبالاحرى “شعوبه”، فهل محكوم عليه وعليها بالزوال او الوصاية او الاحتلال او الفوضى او التقسيم او التقاسم او التفتيت؟


قد لا يكون محكوما على لبنان و”شعوبه” بكل ذلك. ولكن على اللبنانيين ان يعرفوا ان كل هذه الامور يمكن ان تحصل في بلادهم، وإن يعيشوا مرارتها واخطارها ودمارها والخراب اذا لم تحصل اعجوبة تجعل القادة والزعماء يسعون الى تسويات، كما تجعل الممسكين بهم من خارج يتركون لهم بعض الحرية في تعاطي شؤون بلادهم. طبعا كان دائما رد الفعل الاول للمواطنين العاديين، وخصوصاً اثناء مواجهتهم محناً قاسية وليس في لبنان وحده بل في كل دول العالم الثالث، ان الحل هو الجيش او فيه او منه. وقد طبق لبنان ردّ الفعل هذا عام 1958 بعد ثورة هي مجسم صغير لحرب 1975 – 1990 والحرب التي قد تقع، لا سمح الله، اذا استمر عناد الداخل المتناقض ولا انسانية الخارج المتدخل والمتناقض. ونجح الى حد كبير في المحافظة على المؤسسة الديموقراطية واشاعة الاستقرار والشروع في بناء دولة المؤسسات. لكن طريق النجاح لم تكتمل لاسباب اقليمية مشابهة للاسباب الاقليمية التي تعوق استقرار لبنان، وايضاً لنزوع البعض في الجيش الى مخالفة الدستور والقوانين والتحكم بالناس. وطبق رد الفعل نفسه مرتين بعد ذلك الاول عام 1988 بتعيين “الجنرال” عون رئيساً
 لحكومة عسكرية انتقالية تحولت نصف حكومة بعد تأليفها فورا بسبب استقالة المسلمين كلهم منها.

 

 لكن ذلك لم يؤثر على شرعيتها، في رأيه. في حين انه يصر اليوم على لاشرعية حكومة السنيورة بسبب استقالة ثلث اعضائها واستمرار مسلمين ومسيحيين فيها. وطُبق ايضاً عام 1998 بـ”ترئيس” العماد اميل لحود. لكن العسكر لم ينجح في هاتين المرتين، علما ان التعميم لا يجوز هنا وخصوصاً ان الفشل كانت اسبابه الظاهرة العسكر اما اسبابه الكامنة في المرتين فكانت متنوعة من طائفية ومذهبية واقليمية وسياسية وشخصية. طبعاً يعتقد اللبنانيون او بعضهم، وخصوصاً بعد ترشيح الغالبية قائد الجيش العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية وتعذر الحل مع كل الاطراف السياسيين في لبنان، ونجاح سليمان في المحافظة على وحدة المؤسسة العسكرية وتجنب الفتنة التي كان يخطط لها كثيرون ونجاحه في حربه على الارهاب الجديد قبل شهر – يعتقدون ان لا مفر من تكرار محاولة ايكال مهمة الانقاذ الى الجيش مرة رابعة. وطبعاً ليس في لبنان من يمانع في ذلك حتى الذين يبلغ ايمانهم بالديموقراطية حدّ الخوف عليها ليس من العسكر فحسب بل ربما حد الشعور بالكره حيالهم بسببها. لكن المطلوب من العسكر في هذه الحال ان يكون مثل الجيش التركي رغم انه قد لا يكون الاخير مثالاً يحتذى، في رأي كثيرين، بسبب قمعه الديموقراطية وانتهاكه حقوق الانسان وطمسه التعددية الاتنية في بلاده، ومثلما اعطى فرصة للديموقراطية منذ سنوات ولا يزال. اي ان يلتزم حماية بل حراسة العيش المشترك والامن والديموقراطية على هشاشتها مثلما يحرس الجيش التركي العلمانية في بلاده، ومثلما اعطى فرصة للديموقراطية منذ سنوات ولا يزال. والمطلوب ايضاً السرعة في التحرك، ولكن الديموقراطي، لأن التأخر لا بد ان يؤثر على الجيش الذي هو صورة عن الشعب اللبناني بانقساماته المعروفة وخصوصاً اذا تفاقمت الاوضاع.


فهل يستطيع جيش لبنان ان يكون جيش لبنان الواحد وليس جيش الطوائف والمذاهب، وجيش الديموقراطية وليس جيش قمع الحريات؟ هذا ما يتمناه اللبنانيون.

المصدر:
النهار

خبر عاجل