دفن شهيد ام دفن حل ؟
علي حماده
عودة الشهيد فرنسوا الحاج الى التراب تطرح السؤال بقوة: هل دفن الحل معه؟ الاحتمال وارد جدا، وخصوصا ان القراءة الموضوعية لإغتيال فرنسوا الحاج تقودنا الى استنتاجات مفادها ان المأزق لا يزال قائما اكثر من اي وقت مضى، وان المواجهة الدائرة على ارض لبنان بين نهجين ونمطي حياة ستتواصل في المرحلة المقبلة، في ظل اتضاح موقف المعارضة المعوق لوصول العماد ميشال سليمان، وربط الموافقة على النزول الى البرلمان، بسلة مطالب واملاءات لا يقبلها عقل راجح. ولنا في استشهاد اللواء الحاج مثال على الرسائل الدموية التي يراد ابلاغها الى المعنيين. والمعني هنا بالدرجة الاولى هو المرشح ميشال سليمان الذي قيل له صبيحة الاربعاء 12 كانون الاول انه لم يعد في مأمن، ان هو استمر في التمسك بالقليل المتبقي من شرعية ودستور وقانون ومنعة مسيحية.
فاغتيال “عقل” المؤسسة العسكرية في قلب منطقة شبه عسكرية ورئاسية تعج بالقطعات العسكرية المتنوعة، هو قمة التحدي لما يمثله الجيش من مخزون ثقة بالوطن والكيان. ومهما قيل في ان الجيش صار اقوى، يبقى ان الرسالة وصلت الى ميشال سليمان، وبات عليه هو ان يختار بين نوعين من الرئاسة: الرئاسة التاريخية، او الرئاسة الهامشية. فالنزول عند رغبات الطرف اللبناني المفاوض نيابة عن المحور السوري – الايراني، معناه بداية القبول برئاسة بتراء تمتد بضعة اشهر، وتسلم اجندة الآخرين لتنفيذها، مما يؤدي منطقيا الى تسليم البلاد الى دمشق وطهران من دون مقاومة. ويعرف اهل 14 آذار ان القبول بما يطرحه الفريق الآخر لا يؤدي إلا الى نهاية عصر الاستقلال، وعودة الوصاية عبر ادوات محلية لا تملك حرية القرار، ولا تملك إلا ان تتسبب بنهاية الكيان اللبناني كما عرفناه حتى يومنا هذا، مثلما كانت ولاتزال تتسبب بمنع الحياة عن البلاد على مختلف المستويات. وما الواجهات الموضوعة باسم التفاوض، سوى قناع لحقيقة ما يجري وما يحاك في خفاء اقبية المخابرات هنا وهناك.
ان “الرئيس المعلق” ميشال سليمان يقف بإزاء وضع شديد التعقيد يعكس صورة الواقع الاقليمي المتحول من طهران والرياض، الى دمشق وبيروت وتل ابيب، وصولا الى واشنطن. وهنا لا بد لنا من القول انه ما لم تتضح معالم المعركة الاقليمية واتجاهاتها بين الصدام او البازار (واي بازار؟) لن يكون للبنان رئيس جديد للجمهورية، وسيبقى البعض يمارس لعبة التفاوض للتفاوض، ولن تتبدل المعطيات إلا بشرطين: اما بحصول تحول اقليمي – دولي في اتجاه او في آخر، واما بتمرد المرتهنين والادوات على الاجندات التي تمعن في تدمير الصيغة والكيان، وهذا ما لا يبدو قريب المنال !
ان الخشية كبيرة ان يكون الذي دفن البارحة ليس الشهيد فرنسوا الحاج فحسب، ولكن معه الحلول الوسط، وعدنا الى معادلة المواجهة المفتوحة في لبنان بلحم اللبنانيين العاري، وبعقول بعضهم الخاوية او المجرمة، لا فرق!