#adsense

الماضي الأحسن!

حجم الخط

الماضي الأحسن!
حازم صاغيّة

 

حين يقارن الرئيس الإيرانيّ السابق محمد خاتمي قمع النظام الحاليّ بقمع نظام الشاه، يكون يتجرّأ على واحد من مقدّسات الثورة الإسلاميّة التي يُعدّ، هو نفسه، أحد أقطابها. لكنه أيضاً يكون يتجرّأ على طريقة في التفكير أكرهُ ما تكرهه تعريضها إلى المقارنة بماضٍ هي التي طوته وأحالته ماضياً.

 

ذاك ان الوعي الراديكاليّ والقطعيّ يجبّ، في نظر ذاته، ما قبله. وهو إذ يفعل ينقل الشعب والبلاد المعنيّين من العتم الى النور ومن الانصناع بالتاريخ الى صنعه.

 

يتضاعف هذا الميل الراسخ حين يكون الوعي الراديكاليّ المذكور دينيّاً، يقيم مع المقدّس والمقدّر أمتن الصلات، مُرجعاً نفسه وأفعاله الى إرادة إلهيّة، ومحيلاً خصمه البائد الى إرادة شيطانيّة. ولمّا كان البائد شاه إيران «عميل أميركا» و «صاحب السافاك» و «المتهتّك» و «عدوّ الله» و «الآريّ» و «الزرادشتيّ» و «حليف إسرائيل واليهود والبهائيّين»، غدت المقارنة، مجرّد المقارنة، صنواً للهرطقة. فكيف حين يكون التقليد الثقافيّ الإيرانيّ، وهو محيط التجربتين السياسيّتين وفضاء المقارنة بينهما، شهيراً بنزعته الإثنينيّة الضدّيّة منذ «إله الخير» مزدا و «إله الشرّ» أهريمان؟

كلّ هذا الجبل من الخرافات ركله خاتمي على نحو يجيز التشكيك، حتى من منظور إسلاميّ، بشرعيّة الثورة الإسلاميّة والجمهوريّة التي تنهض فوقها.

 

والحقّ أن الرئيس السابق قد تجاوز ما يفعله الرموز الثوريّون عادّة ممن ينشقّون عن أنظمتهم وثوراتهم، فيتحدّثون عن «انحراف» أصابها، كـ «التشوّه البيروقراطيّ» الذي عزاه تروتسكي الى الستالينيّة، إلا أنهم يرفضون كلّ مقارنة بالنظام «الرجعيّ» السابق. فهم إذا فعلوا نقضوا بعض تاريخهم وناقضوه واستدرجوا الشكّ الى إسهامهم الثوريّ، هم أنفسهم.

 

ولربّما ابتدأ خاتمي طريقة في النقد قد يتابعها آخرون ممن تصل بهم الجرأة الى تفضيل النظام البائد على النظام الحاليّ، ومن ثم تفضيل الماضي على الحاضر، ضدّاً على نظرة تبسيطيّة في تفاؤلها بمرور الزمن كائناً ما كان مضمون الزمن المارّ. فالنزوع هذا نراه أحياناً في أفلام سينمائيّة ومسلسلات تلفزيونيّة أو كتابات أدبيّة، وهو طبعاً ما تعبّر عنه تنهّدات كثيرة تعلن حنينها الى الزمن الذي ولّى. غير أنه لم يتحوّل بعدُ منحى فكرياً يعتمد الأرقام والإحصاءات والنسب لإقامة المقارنة بديلاً من التفضيل البديهيّ المسلّم به للحاضر الثوريّ على «العهد القديم».

 

والحال ان من المشروع تماماً تطوير هذه المقارنة التي يصلح ميداناً لتطبيقها كلّ واحد من بلدان الشرق الأوسط تقريباً وكلّ رمز من رموز سياسته واجتماعه، يصحّ هذا في نوري السعيد وصدام حسين صحّته في معادليهم المصريّين والسوريّين والجزائريّين والليبيّين وغيرهم ممن رفعوا راية التغيير الراديكاليّ بالعنف وبمعرفة الحقيقة مسبقاً ومطلقاً. وكان مما أبانه الأسبوع المنصرم من حصاد الزمن الثوريّ أن رجلاً ستينيّاً في الجزائر يمارس الإرهاب القاتل، وأن عفواً يصدره «القضاء» عن إرهابيّ شابّ لم يحل دون عودته الى الإرهاب بهمّة أكبر، وهذا فيما كان زعيم ثوريّ يضرب خيمته في باريس ويعد بتحرير «المرأة الأوروبيّة». وهم أشخاص وعوارض يمتّون بالنسب الوثيق لحماسات سابقة بعضها توّجته «ثورة المليون شهيد» وبعضها أسكرته «إزالة القواعد الاستعماريّة» من ليبيا… ليحلّ بهذه البلدان ما حلّ ومن حلّ!

المصدر:
الحياة

خبر عاجل