لبنان على قائمة الدول المرشحة للتفكك! … مَن عرقل وصول العماد سليمان إلى الرئاسة؟
سليم نصّار
سليم نصّار
تراقب الأمم المتحدة باهتمام بالغ الأوضاع السياسية والاجتماعية في ثلاث دول بسبب تعرض وحدتها الوطنية لخطر التمزق والتفكك، مثلما حدث في قبرص ويوغوسلافيا. وهي حالياً تقاوم بصعوبة رياح التغيير التي هبّت عليها من الخارج وأجبرتها على تجميد أنظمتها السياسية بانتظار ما ستسفر عنه خلافاتها الداخلية.
في أوكرانيا، لم تحسم الانتخابات الأخيرة مسار النظام الذي يعاني من نزاع روسيا وأميركا عبر حليفيهما رئيس الجمهورية فيكتور يوشينكو ورئيس الوزراء فيكتور يانوكوفيتش.
ومع أن التطورات الأخيرة فرضت بعض الحلول الموقتة على الفريقين، «البرتقالي» و «الأبيض الأزرق»، إلا أن تدخل الرئيس فلاديمير بوتين هو الذي منع الانزلاق نحو صدام مسلح، خصوصا أنه يعرف جيداً مدى الاساءة التي تلحقها حركة الانفصال بسكان شرق وجنوب أوكرانيا الذين يرتبطون بروسيا لغوياً وثقافياً. والملفت أن الأزمة السياسية المتنامية لم تؤثر على الوضع الاقتصادي بسبب تحييد التظاهرات واتفاق الفريقين على فصل الوضع الاقتصادي والمالي والسياحي عن الخصومة السياسية. ولكن هذا الاتفاق لم يمنع البلاد من البقاء رهينة التجاذبات الخارجية بانتظار ايجاد صيغة متوازنة تمنع عن الفريقين أذى التدخل السافر الذي تمارسه كل من موسكو وواشنطن.
ومن أواسط آسيا تنتقل مخاوف الأمم المتحدة إلى وسط أوروبا، حيث يتأرجح النظام الهش في بلجيكا بين تيار الناطقين بالفرنسية (فرانكوفونية) وتيار الناطقين بالهولندية (فلامنك). ومع أن الملك ألبير حاول تشكيل تحالف جديد اطلق عليه اسم «البرتقالة الزرقاء»، إلا أن مساعيه باءت بالفشل بسبب اصرار الأكثرية الشعبية على الانسحاب من الدولة الاتحادية. ويخشى الأوروبيون من احتمال نجاح الفلامنك في عملية الانفصال عن الاتحاد، الأمر الذي يوقظ حركات الانفصال في بريطانيا وفرنسا واسبانيا.
في قائمة الأنظمة المرشحة التفكك يبقى لبنان الدولة الأكثر عرضة لهذا الخطر. وليس من الصعب استحضار عشرات الأسباب والأدلة لدعم هذا التصور. ويمكن ايجاز أهمها بالتالي: أولاً، اتفاق الدول الكبرى والاقليمية على منع النزاع العسكري بين سورية وإسرائيل، واستبدال موقع اقتتالهما المفترض في الجولان، بموقع وسط هو لبنان. وقد اتسع هذا الدور في التسعينات بحيث تحول لبنان أيضاً إلى ساحة مشرعة لامتصاص صدمات النزاع الإيراني – الإسرائيلي. ولم تكن حرب الصيف الماضي التي انتصر فيها «حزب الله» على إسرائيل، سوى البديل عن حرب لم تقع بعد بين طهران وتل أبيب. وهذا معناه أن اتفاقية فك الاشتباك على جبهة الجولان، التي وقعت بعد محادثات هنري كيسنجر مع الرئيس حافظ الأسد سنة 1974… هذه الاتفاقية لم تنقض من قبل الفريقين.
ثانياً، بدلاً من أن يكون مركز رئيس الجمهورية صمام أمان وعامل توازن داخلي لحماية سلامة البلاد ووحدتها واستقلالها، تحول بفعل الخلافات إلى مركز لتصدير الخصومة والتنافر. ومن المؤكد أن المداخلات الخارجية التي فرضت بعض الرؤساء تركت آثاراً سلبية بحيث شوهت صورة الرئيس وهمشت دوره. ففي صيف 1958 تم اختيار قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً عقب اتفاق أميركي – مصري رعته دبابات قوات المارينز في بيروت. وفي مرحلة أخرى أوصل الاحتلال الإسرائيلي للبنان سنة 1982 رئيسين شقيقين هما بشير وأمين الجميل. ومنذ إعلان اتفاق الطائف تولت سورية عملية اختيار الرؤساء، بدءاً برينيه معوض الذي اغتيل لأنه اصر على توزير العماد ميشال عون، مروراً بالرئيس الياس الهراوي، وانتهاء بالرئيس اميل لحود.
ثالثاً، تخلي الرئيس اميل لحود عن دوره كحكم وكعامل وفاق وكمنظم للاختلافات وكراعٍ للاصلاحات، أدخل البلاد في أزمات سياسية متواصلة. ثم تحول بعد اغتيال رفيق الحريري، إلى مشكلة دستورية أعاقت مهمته في الحفاظ على المؤسسات الرسمية وجعلته هدفاً لكل من يريد انتقاد الدور السوري. ولم ينس أن يردد وهو يغادر قصر بعبدا، أن حكومة السنيورة غير شرعية. ويبدو أن هذه العبارة المنتقاة كانت أشبه بكلمة السر التي استخدمتها جبهة المعارضة وفرضتها على رئيس المجلس نبيه بري. وهكذا نشأ في لبنان وضع جديد محيّر عطّل كل السلطات التشريعية والتنفيذية في الدولة، فلا رئيس الجمهورية موجود في القصر، ولا الوزارة مجتمعة قادرة على ملء فراغ الرئاسة بسبب طعن المعارضة بشرعية دورها.
فريق من النواب الذين شاركوا في مؤتمر الطائف يؤكد أن اختلاط صلاحيات رئيس الجمهورية بصلاحيات مجلس الوزراء انتج التباين في المواقف وأحدث شرخاً بين القصر والسراي. تماماً مثلما انتجت النصوص المتعارضة في دستور زوريخ الذي وضعه الانكليز لقبرص، سلسلة أزمات انتهت بانفصال الجاليتين. صحيح ان النظام البرلماني اللبناني يفرض مشاركة مختلف الطوائف في صنع القرار السياسي أو الاقتصادي أو الأمني… ولكن الصحيح ايضاً ان الدستور لم يلحظ الخلل الذي يحدثه غياب ممثلي طائفة من الطوائف. والمعروف ان دستور 1926 الذي وضعته سلطة الانتداب أعطى رئيس الجمهورية سلطات كبرى اعتبرها الموارنة ضمانتهم السياسية. وبعد انتهاء الانتداب حرص واضعو الميثاق الوطني على مشاركة رئيس الوزراء السني في صنع أي قرار سياسي يتخذه رئيس الجمهورية الماروني. ويتمثل جوهر هذه المشاركة في نظرية الديموقراطية التوافقية التي تمنع هيمنة الأكثرية وتهميش الأقلية. وفي ضوء هذه المعادلة انتهت ثورة 1958 وأحداث 1975 – 1990 الى تبني نظرية صائب سلام: «لا غالب ولا مغلوب».
يقول المتتبعون لأحداث لبنان منذ انضمام العماد ميشال عون الى موقف «حزب الله»، إن جبهة المعارضة بغالبيتها الشيعية لا تؤيد نظرية «الديموقراطية التوافقية». والسبب ان شراكة الطائف لا تشملها، وان طروحاتها لا تنسجم مع نظرية «لا غالب ولا مغلوب». ومعنى هذا ان معارضتها تستهدف النظام بكامل تركيبته وتوازناته، كما تسعى الى تفويض دعائم اتفاق الطائف، لعل هذه الأزمة تنتهي بإعلان الغلبة للأقوى وليس لصاحب الحق الدستوري. ومثل هذا التوجه المنهجي في التعامل مع أزمتي الحكومة والرئاسة، يقود الى نتيجة حتمية تمنع انتخاب رئيس جمهورية لا يتبنى شعارات المعارضة، أو اختيار رئيس حكومة لا يقاطع «قريطم» أو حتى انتقاء قائد جيش لا يستظل رعاية «حزب الله». هل هذا ما تخفيه الأيام المقبلة للبنان؟
وصف وزير الخارجية بالوكالة طارق متري اقتراح ميشال عون الموافق على انتخاب العماد ميشال سليمان لمدة سنتين، بأنه انقلاب على الدستور والطائف. وكان يعني بهذا الوصف ان عون سيجعل من قائد الجيش نسخة ثانية عن الرئيس كيرنسكي الذي استخدمه لينين لبضعة أشهر قبل ان ينقض عليه بواسطة الثورة. ويبدو ان حركة الانقضاض نفذها عنه «حزب الله» بدليل ان الرئيس نبيه بري تراجع عن الوعد الذي أعطاه لكوشنير بأن الوزراء الخمسة المستقيلين سينضمون الى الوزارة لبضع ساعات من أجل تسهيل عملية تعديل الدستور. ويتردد في دمشق ان سياسة الانفتاح على ايران التي أعلنها الرئيس جورج بوش، قد تساعد على اختيار رئيس جمهورية ورئيس حكومة من دون الدخول في تسوية مع جماعة 14 آذار، وهذا ما أرجأ قرار انتخاب العماد سليمان، علماً بأن ماضيه يؤشر الى شخصية متوازنة في العلاقات الداخلية ومتزنة في العلاقات الخارجية.
ففي لقائه مع ديفيد وولش، مساعد وزير الخارجية الأميركية، فاجأه العماد سليمان بالقول انه سيكون مع الجيش على الحياد في حال تشكلت حكومة ثانية معارضة لحكومة السنيورة. وبرر موقفه المحايد بأنه لا يستطيع تجاهل الشيعة وقسم من المسيحيين في نزاع يرفض أن يكون الجيش طرفاً فيه. ولم ينكر في حديثه بأن هناك نحواً من 15 ألف جندي في منطقة الجنوب. وهذا يتطلب منه معالجة متأنية لدورهم بحيث لا يتعرضون للأذى. ومن المؤكد أن وولش لم يكن ممتناً لمثل هذا الموقف المتفهم لطبيعة تعقيدات الوضع اللبناني، ولا لمثل هذه الصراحة التي تفتقدها غالبية السياسيين.
بالمقابل، قام العماد سليمان بتبرئة سورية من تهمة ارسال «فتح الإسلام» إلى مخيم نهر البارد، وأعلن قبل نهاية التحقيق الذي يتولاه ريمون عويدات، أن «القاعدة» تقف وراء هذا التنظيم. وربما أراد بهذا التفسير استرضاء السيد حسن نصرالله الذي أعلن أن دخول المخيمات هو خط أحمر. ولكن هذا التفسير لم يرض دمشق أيضاً، لأن وصول قائد الجيش إلى رئاسة الجمهورية قد يعزز القوة الضاربة، ويحجب عن «حزب الله» الدور الذي ائتمنته عليه سورية منذ استثنته عن سائر «الميليشيات» وصنفته في خانة المقاومة المشروعة.
تزامنت عملية تأجيل انتخاب الرئيس، مع موعد قرار استئناف حملة الاغتيال، وإنما على مستوى القيادة العسكرية. وبما أن المستهدف العميد الركن فرانسوا الحاج، مدير العمليات في الجيش، كان في طليعة مقتحمي مخيم نهر البارد، فإن التحقيق يميل إلى اتهام «القاعدة» بهذه الجريمة. صحيح أن «القاعدة» في لبنان تنشط كخلية سرية تعمل بتوجيه من قوى في الخارج والداخل… ولكن الصحيح ايضاً ان تصفية الحاج ستحول دون وصول رجل عسكري قوي الى قيادة الجيش. والمعروف عن الفقيد انه كان وطنياً لبنانياً بامتياز. ومع انه من بلدة «رميش» الجنوبية، فقد رفض الالتحاق بجيش سعد حداد. وقد بكاه صديقه العماد عون لأنه خاض معركة في القليعات ضد قوات جعجع أثناء معارك 1989. ولكنه اتهم السنيورة بتصفيته لأن الأمن في نظره، مفقود بسبب تجاهله مطالب المعارضة!
يوم الخميس الماضي تقرر تكليف العماد ميشال عون بالتحدث والتفاوض باسم المعارضة. وقد يكون هذا القرار من أذكى وأدهى القرارات التي اتخذها «حزب الله» بحيث وضع زعيماً مارونياً معروفاً بولائه لنفسه وبحبه «للمونولوغ» في موقع المحاور الأوحد، من أجل تأجيل عملية انتخاب الرئيس الى حين يفرغ لبنان من كل جماعة 14 آذار.