لبنان هو أولوية بشار اما الجولان……
حسن صبرا
يصمم كثيرون، سياسيين وكتاباً واعلاميين، ان نظام دمشق يريد الإمساك من جديد بلبنان ليكون ورقة بين يديه كما العراق او حماس، كي تعيد له واشنطن الجولان المحتل من اسرائيل عام 1967، فيتخلى عن لبنان وحماس والعراق..
ونحن نجزم بأن بشار الاسد لم ولن يبذل أي جهد في سبيل استرجاع الجولان لا سلماً.. ولا حرباً طبعاً، لكنه مستعد لمحاربة اللبنانيين الى ان يستعيد سيطرته ووصايته عليه.
لمذا؟
الحرب من اجل الجولان مكلفة، وقد تطيح النظام، والنظام في حسابات عائلة الاسد اهم من الارض، وقد تأكد هذا منذ عام 1967 حين سحب وزير الدفاع السوري وقتها حافظ الاسد قواته من جبهة القتال ضد اسرائيل وأرسلها الى دمشق لتنتشر حول الاذاعة والتلفزيون والاركان والمحطات الرئيسية لمنع سقوط النظام، فضلاً عن انه اعلن سقوط القنيطرة وكان الجيش السوري ما زال متحصناً داخلها يدافع عنها.
اما الحرب من اجل لبنان فهي تدعم نظامه في الداخل، حيث المكتسبات لا تنتهي، بدءاً من نهب اموال اللبنانيين الرسمية والخاصة والتي تقدرها مصادر مطلعة بأنها بلغت خلال فترة الوصاية الكريهة على لبنان نحو 20 مليار دولار..
ومن المكتسبات الاخرى المهمة توفير العمل (والمخبرين) لنحو مليون مواطن سوري يعتاش من عملهم في لبنان اكثر من خمسة ملايين سوري في مختلف القطاعات.
المكتسب الثالث والمهم ايضاً هو امساك سوريا بمفاصل الوضع اللبناني سياسياً وعسكرياً وأمنياً.. بما يتيح لنظامها موقعاً اقليمياً مهماً، يضاعف اهمية سوريا سياسياً وجغرافياً ويعطيها ثقلاً في المديين العربي والدولي.
المكتسب الرابع ان نظام دمشق يوسع دائرة ملاحقة خصومه سواء من ابناء سوريا او من الانظمة العربية والغربية التي تعارضه، ومن داخل لبنان يستطيع ان يعقد الصفقات مع هذه الانظمة ليقبض ثمنها مثلما فعل مثلاً في قضية الجيش الاحمر الياباني وقبض ثمنها صفقة اقتصادية مجزية مع اليابان. وكما فعل مع قضية حزب العمال الكردستاني قبل ان يبيع حافظ الاسد زعيمه اوج آلان، خوفاً من احتلال تركيا لحلب.
هذه المكتسبات وغيرها كلها خسرها نظام الاسد، لذا فهو يرى ان الحرب من اجل لبنان مجزية.. عكس الحرب من اجل الجولان.
اما سلماً فإن بشار الاسد يعتبر انه لم يخسر الجولان في عهده بل ان نظام والده ومن سبقه اسقطوا الجولان حين كان ما يزال طفلاً لم يتجاوز السنة الاولى من عمره، اما لبنان فقد خسره في السنة الخامسة من وراثته من والده عام 2005، وهي غصة ستلاحقه مدى عمره.
في السلم ايضاً اذا عاد الجولان الى سوريا فإنها ملزمة باستحقاقات لا حدود لها مع عودة هذه الارض الى وطنها الأم. وأول هذه الاستحقاقات اعادة اكثر من مئتي الف ربما اصبحوا الآن مليون مواطن الى الجولان المحرر، مع ما يعنيه هذا من مشاكل وحاجات في بناء المساكن وشق الطرقات وتوفير الخدمات والمدارس والمستشفيات ومد الكهرباء، والمياه والمجاري.. فضلاً عن توفير فرص العمل لهذا الحشد الكبير من الناس، وهذا أمر يعجز عنه نظام دمشق في ظل تعميم الفقر على كل المناطق السورية في عهده.
اما الاخطر على النظام فهو ان سكان الجولان بمعظمهم يتمترس عند منحدرات جبل قاسيون المطل على دمشق وافراغ هذه المنطقة بعودة اهلها الى الجولان فإن قسماً مهماً من استراتيجية النظام الامنية للإمساك بدمشق يسقط بما يعرضه للمخاطر، خاصة وان السلام مع اسرائيل اذا عاد الجولان يفقد الجزء الآخر من استراتيجية النظام اهميتها عند المنطقة الفاصلة بين دمشق ونقطة الحدود السورية مع لبنان عند المصنع.. حيث نشر جمهوره في هذه المنطقة بحجة مواجهة اسرائيل، لكن السلم مع اسرائيل سيكشف للسوريين ان هذا الحشد هو جزء من مشروع حصار دمشق الاخطر عليه دائماً.
من اجل العودة الى لبنان يقاتل نظام بشار لأن التكلفة فيه اقل ويدفع ثمنها دائماً ايران مالاً وشعب لبنان أنفساً واستقرار الوطن الصغير وأمنه.. في انتظار ان يأتيه العالم ليدفع له الثمن الاكبر.
من اجل العودة الى لبنان يسلح نظام الاسد حزب الله كي يمنع قيام دولة لبنانية قوية تمنع تهديد الاسد واستخباراته العلنية، وهو ضد تقوية الجيش اللبناني بالمطلق وقد اثبتت سيطرة قواته العسكرية والاستخباراتية على لبنان طيلة 15 سنة، أي ضعف كان عليه جيش لبنان الوطني، وهو ايضاً بالمطلق الآن ضد انتخاب قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية، مثلما كان بالمطلق ضد نجاح الجيش الوطني في محاربة ارهاب استخباراته عبر شاكر العبسي وأوعز لحسن نصر الله ان يقول ان نهر البارد خط احمر.
من اجل العودة الى لبنان يسكت بشار الاسد عن المطالبة بالجولان، ألم يتخل عن المطالبة بالاسكندرون المحتل من تركيا، وألغت وسائل اعلامه نشرة الاحوال الجوية عن هذا اللواء السليب؟
سكوت بشار عن الجولان يعزز وضعه مع اميركا فلا تحرج واشنطن بمطالبة اسرائيل بإعادة الجولان الى سوريا بينما لا تمانع اسرائيل بأن يعود بشار الى لبنان طالما هو ساكت عن الجولان.
ألم تتفق كل من اسرائيل ونظام بشار على ابقاء مزارع شبعا في وضعها الحالي، كي يستفيد الاسد من بقاء سلاح حزب الله ليمنع قيام دولة لبنانية قوية؟
ألم تحمِ اسرائيل نظام بشار من السقوط عدة مرات وما زالت لانه لا يريد منها الجولان، ولأنه يعدها بقدرته وحده على تطبيق القرار 1559 وأوله حل ميليشيا حزب الله.. ومن حولها من عصابات فلسطينية خارج المخيمات؟
الذين يعتقدون ان لبنان لن يرتاح إلا اذا استعاد بشار الاسد الجولان واهمون، فهذا النظام تعايش مع احتلال الجولان لكنه لم يستطع ان ينسى انه خسر لبنان.
والذين يعتقدون ان النظام السوري لا يستطيع ان يتخلى عن الجولان لأنها أرض وطنية، نعيده الى عقيدة هذا النظام الذي يعتبر لبنان ايضاً ارضاً وطنية سورية، وهي اغلى وأغنى وأشهى مئات المرات من الجولان.
ومع الأسف فإن الجولان مرتفعات جبلية وغابات بلا بشر بينما في لبنان يتامى للاستخبارات السورية اشتاقوا الى مواقعهم التي نصبهم عليها خلال وصايته، كما في لبنان حزب الله الذي يرهن الوطن كله من اجل الوفاء لبشار الاسد، وفي لبنان مشروع فارسي ليس للانتشار على حدود فلسطين كما يزعم، وهو موجود الآن داخلها عبر حماس وعلى حدودها عبر بشار الاسد، بل من اجل ملء الفراغ الذي يعتبره نظام طهران موجوداً في الارض العربية كلها، لذا فهو يتمدد من العراق الى فلسطين الى سوريا الى لبنان لملئه.. وهذا، ربما سبب آخر لمشروع الفراغ الرئاسي الذي رسمه النظام الفارسي وينفذه بشار في دمشق ونصر الله في بيروت.