الأيدي التي قتلت الضباط المسيحيين في البقاع هي نفسها قتلت اللواء الحاجالسياسة الكويتية: “حزب الله” لا يقبل بقائد للجيش من بلدة مارونية جنوبية
لم تستبعد أوساط سياسية وأمنية لبنانية ان »يشهد بعض مناطق جنوب وبقاع لبنان والضاحية الجنوبية من بيروت تداعيات خطيرة لاغتيال مدير العمليات في الجيش اللبناني اللواء الركن فرانسوا الحاج الاربعاء الماضي عندما ستحدد التحقيقات الجارية في الحادث معالم الطريق التي تمر عبر الطرف المهيمن على تلك المناطق وهو »حزب الله«, وعندما ستظهر الأسباب الحقيقية الكامنة وراءه وفي طليعتها ان هذا الحزب »لن يسمح لضابط ماروني من قرى جنوب لبنان بالوصول الى قيادة الجيش سواء كان قريبا من (جيش لبنان الجنوبي) السابق واسرائيل او كان ضدهما, لأن تجارب هذا الحزب الايراني – السوري مع ذلك الجيش كانت مريرة وهو يعتبر اي مواطن مسيحي, وخصوصا اذا كان مارونيا من البلدات والقرى المسيحية في جنوب لبنان, عدوا له كما كان عدوا للفلسطينيين حتى مطلع الحرب الاهلية عام 1975 لأن هذين الطرفين السابق واللاحق نكلا بسكان تلك القرى وحاصراهم وعزلاهم عن بقية لبنان, لا لشيء إلا لأن بعض ابنائهم انضووا تحت لواء »الجيش الجنوبي« للدفاع عن أنفسهم من هجمتيهما الشرستين اللتين هجرتا الى الداخل اكثر من 50 الفا من هؤلاء السكان«.
وعلى الرغم من ان اللواء الركن الراحل فرانسوا الحاج »كان لدى انفراط عقد الجيش اللبناني عام 1975 ولجوئه الى بلدته الجنوبية المسيحية رميش لفترة قصيرة من الزمن يعتبر شوكة في خاصرة جيش سعد حداد المدعوم من اسرائيل الذي أرسل له احد عناصره المدعو كريم العميد لاغتياله في قريته – حسب ضابط في هذا الجيش يقيم في باريس منذ انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 – واضطراره الى الفرار الى بيروت, الا ان جماعات »حزب الله« لم تصدق في يوم من الايام انه نأى بنفسه عن اسرائيل والجيش الجنوبي على اعتباره ضابطاً مارونياً من تلك القرى التي عانت الامرين من هيمنة الحزب على مقدراتها, خصوصاً بعد الانسحاب الاسرائيلي وتفردها بالمنطقة الجنوبية برمتها في غياب الجيش اللبناني, كما عانى الضباط الموارنة الكبار في البقاع الاوسط (رياق وابلح) والبقاع الشمالي (بعلبك) الذين ظلوا في ثكناتهم ينسقون مع القوات السورية الغازية في مطلع الحرب, ورفضوا الالتحاق بقيادات الجيش المعارضة لهذا الغزو في اليرزة وزحلة والمناطق الاخرى, الا انهم رغم كل ذلك قتلوا على حواجز تابعة للقوات الشيعية يومذاك الواحد تلو الاخر او اختطفوا ثم ظهرت جثثهم في اوقات لاحقة«.
قتلة ضباط البقاع أنفسهم
وقال ضابط »الجيش الجنوبي« السابق ل¯»السياسة« في اتصال به من لندن »ان الأيدي نفسها التي قتلت الضباط اللبنانيين الكبار في البقاع وعددهم يزيد عن الثمانية في مطلع الحرب اللبنانية, هي نفسها التي اغتالت اللواء الركن الحاج قرب منزله في بعبدا, كيلا تواجه فيما بعد »بكارثة« تسلمه قيادة الجيش وعودة ظهور مشاعره الدفينة ضد جماعات »حزب الله« رداً على ما فعلته في الشباب المسيحي وعائلاتهم في الجنوب الذين اضطر معظمهم للفرار حتى الى العدو الاسرائيلي هرباً من العدو الايراني الذي لا يقل شراسة«.
وأبدت الاوساط السياسية والأمنية في بيروت »استغرابها من هذه الحملة الاعلامية الكاسحة في فضائيات وصحف حزب الله وحلفائه في 8 اذار, التي حاولت ابعاد اي شبهة عن الحزب في عملية الاغتيال, وراحت تتباكى على فرانسوا الحاج في بيانين فوريين له ولكتلته النيابية (الوفاء للمقاومة) نددا فيهما بجريمة الاغتيال اضافة الى ندوات »المنار« الفضائية حول الموضوع وهو امر لم يفعله الحزب حيال اي من الجرائم ال¯18 السابقة بحق القادة والاعلاميين اللبنانيين في اي ظرف من الظروف«.
وقالت الاوساط ان »دموع التماسيح التي ذرفها »حزب الله« وميشال عون ونبيه بري منذ اللحظة الاولى للاغتيال, وتسريبهم الى الصحف والفضائيات مزاعم ترشيحهم هم للحاج الى خلافة العماد سليمان في قيادة الجيش, وتحويل الانظار الى اتهام »القوات اللبنانية« بالجريمة والى الموساد الاسرائيلي« على لسان وزير الخارجية السوري وليد المعلم, فيما لم يفعلوا ذلك اطلاقاً حيال الجرائم التي ارتكبت خلال السنوات الثلاث الماضية, لهي دليل أكثر من دافع على صحة المعلومات الاولية التي ظهرت على ألسنة قادة في 14 اذار وعلى الشبكات الالكترونية التابعة لاستخبارات عربية ودولية التي اتهمت سورية و»حزب الله« وجماعاتهما بتنفيذ عملية الاغتيال«.
وكشفت الاوساط النقاب عن ان »ميشال عون لم يلق من قيادة الجيش وضباطها الكبار, منذ عودته من المنفى قبل نحو سنتين, تلك (الحفاوة) التي كان يتوقعها, اذ تبين له فيما بعد انه ليس جيشه الذي تخلى عنه في نهاية حرب التحرير مع سورية بعدما فر الى السفارة الفرنسية ومنها الى باريس, بل هو جيش اميل لحود ذو »(العقيدة الجديدة) المختلفة كلياً عن عقيدته المتطرفة الجانحة باستمرار نحو الحروب والاقتتال«.
وقالت الاوساط ان تحويل بروباغندا »حزب الله« الاعلامية منذ الانفجار الذي قضى على اللواء الحاج, الانظار عنه شخصياً وعن حلفائه وتوابعه ايضاً باتجاه مخيم عين الحلوة الفلسطيني في جنوب لبنان بالزعم ان السيارة الملغومة التي انفجرت وأدت الى مصرع الضابط الكبير تم شراؤها من منطقة التعمير في عين الحلوة انما هو محاولة اخرى لادخال الارهاب عنصراً وطرفاً آخر في القضية, كما ان تركيز الاضواء بقوة على دور الحاج في القضاء على ارهابيي نهر البارد ما يعطي انطباعاً بأن خلايا فتح – الاسلام هي وراء اغتياله, لم يكن موفقاً ولا مقنعاً خصوصاً وان هذا التباكي لا ينسي احداً وضع حسن نصر الله (خطه الاحمر) امام الجيش وفي طليعته فرانسوا الحاج حول عصابة العبسي ودخول مخيم نهر البارد, كما ان احداً لم ينس بعد ان عناصر العصابة هذه دخلوا لبنان من سورية الى بلدة قوسايا الحدودية البقاعية قاعدة احمد جبريل, وان حزب الله هو الذي نقلهم سراً الى مخيم برج البراجنة ومنه الى الشمال في طرابلس ونهر البارد«.
التحليل الأكثر منطقية
وكان من أهم التحليلات المنطقية التي تلقتها »السياسة« خلال الساعات الأخيرة التي اعقبت عملية الاغتيال, من المؤسسات والمنظمات والمنسقيات اللبنانية في أميركا وكندا واستراليا وبريطانيا وفرنسا بشكل خاص, ذاك الذي اورده البروفسور وليد فارس الاستاذ المحاضر في قضايا الارهاب في جامعة ميامي الاميركية وأحد كبار الباحثين في شؤون »الدفاع عن الديمقراطيات في العالم«, في مقال خاص قال فيه ان المؤشرات عن الجهات التي نفذت عملية الاغتيال واضحة استنادا الى المعطيات التالية:
1- ان لبلدة فرانسوا الحاج الذي ولد في قرية مسيحية (رميش) في جنوب لبنان تاريخا مأساوياً في مقاومتها قوى الارهاب هناك (الفلسطينيون في الستينات والسبعينات و»حزب الله« وحركة أمل بعد ذلك حتى اليوم), حيث اضطر عدد كبير من ابنائها, وهو منهم الى الالتحاق بالجيش اللبناني خلال العقود الماضية, وانخرط في مقاومة الاحتلال السوري للبنان وهيمنة »حزب الله« على جنوبه وبقاعه.
ليس صحيحاً »تحالفه« مع حزب الله!
وقد رفض اللواء الحاج خلال قيادته قوات المغاوير في الجيش قبل تسلمه قيادة العمليات وبعدها ان يكون لحزب الله مناطق خاصة به محرمة على دخول الجيش والقوات الأمنية اليها في الجنوب والبقاع, كما رفض وقوع جزء من شمال البلاد (نهر البارد) في أيدي قوات اخرى تابعة لسورية هي »فتح الإسلام«.
2- ان الجهات التي يمكنها تنفيذ عملية الاغتيال والتي لها مصالح في حذف اللواء الحاج من المعادلة اللبنانية كقائد مقبل للجيش يخلف العماد ميشال سليمان هي حتما تعمل تحت مظلة المحور السوري الإيراني بما فيه أجهزة الاستخبارات السورية والحرس الثوري الايراني (باسدران), و»حزب الله«, وأحمد جبريل (الجبهة الشعبية القيادة العامة) بالاضافة الى مجموعات صغيرة متعاملة مع نظام بشار الأسد, وهذا المحور متهم منذ اواخر عام 2004 بسلسلة الاغتيالات داخل صفوف قادة ثورة الارز في لبنان.
3- باغتيال العميد الحاج, تواجه قوى الديمقراطية اللبنانية انتكاسة واضحة خصوصا بعدما أعلن قائد الجيش العماد سليمان خلال زيارته الأخيرة في نهاية الاسبوع الماضي الى الجنوب برفقة الحاج تصميمه على »الحفاظ على ديمقراطية لبنان وعلى الرئاسة الأولى والبرلمان والمجتمع المدني« وهذه كلها ثوابت معلنة لدى قوى 14 اذار الحاكمة المناوئة لسورية وايران و»حزب الله« وتوابعها في لبنان«.
ودعا فارس الرئيس اللبناني المقبل وحكومته الجديدة الى الطلب من مجلس الأمن الدولي اصدار قرار جديد حول ما يلي:
– نقل القرار 1559 (الداعي الى انسحاب السوريين وتجريد »حزب الله« من سلاحه وانتخاب رئيس جمهورية دون تدخل خارجي) الى مظلة الفصل السابع من ميثاق الأم المتحدة المتضمن مبدأ استخدام القوة لجهة التنفيذ.
– اشراف الامم المتحدة على انتخابات رئاسة الجمهورية وحمايتها دوليا.
– توسيع دعم الأمم المتحدة للجيش اللبناني لمواجهة الحملة الارهابية المتعاظمة.