ساركوزي يُعيد اكتشاف ما سبقه شيراك إليه حول “صدق الأسد”.. والفشلُ عربيّ أيضاً
التموضع الدولي والعربي الجديد محكّه إجراءات ضد النظام السوري
نصير الأسعد
تشكّل الزيارة التي قام بها مساعد وزيرة الخارجيّة الأميركيّة ديفيد ولش إلى بيروت في اليومين الماضيين عنواناً بارزاً لـ”تموضع” دوليّ جديد إزاء لبنان وإستحقاقه الرئاسيّ.
فبعدَ أسابيع طويلة أخلَت الديبلوماسيّة الأميركيّة “الساحة” خلالَها للديبلوماسيّة الفرنسيّة، لا شك أنّ زيارة ولش تُعلن إنتهاء المبادرة الفرنسيّة التي دفعها النظام السوريّ إلى الفشل، وتعلنُ إعادة الأمور نسبياً إلى ما كانت عليه قبلَ هذه المبادرة.
فبعدَ أسابيع طويلة أخلَت الديبلوماسيّة الأميركيّة “الساحة” خلالَها للديبلوماسيّة الفرنسيّة، لا شك أنّ زيارة ولش تُعلن إنتهاء المبادرة الفرنسيّة التي دفعها النظام السوريّ إلى الفشل، وتعلنُ إعادة الأمور نسبياً إلى ما كانت عليه قبلَ هذه المبادرة.
الإختبار ونتائجه السلبية
كانت واشنطن وافقت قبلَ أسابيع على إعطاء فرصة كافية لمبادرة فرنسيّة تهدف إلى إنقاذ الاستحقاق الرئاسيّ اللبنانيّ عبر المرور بدمشق ووضعها أمام إختبار الامتناع عن التدخل التعطيلي في لبنان في مقابل “إعادة تأهيل” النظام السوريّ للعودة إلى المجتمع الدوليّ.
جاءت النتيجة سلبيّة. أخذ نظام الأسد من المبادرة الفرنسيّة ما يمثل استعداداً دولياً للتطبيع معه إبتداءً من الإختبار اللبناني، وتحرّك على الرقعة اللبنانيّة بما يمكنه من إسترهان الاستحقاق ووضع شروط التفاوض مع المجتمع الدوليّ على دوره ونفوذه في لبنان وعلى صيغ حماية النظام، وعلى موقعه ضمن في المعادلة الإقليمية. وأكثر من ذلك، لم يكتفِ هذا الإنتظام بـ”الانتشاء” من الاتصالات الفرنسيّة به والتي كانت بمثابة فكّ لعزلته الخارجيّة، بل هو سارَعَ إلى إعلان نفسه منتصراً في لنبان، داعياً الفرقاء اللبنانيين والخارجيين الذين يناهضون تدخله إلى الإعتراف بـ”هزيمتهم”.
ما قاله شيراك سابقاً صحيح
عندَ هذا الحدّ، أعاد الرئيس الفرنسيّ نيكولا ساركوزي إكتشاف ما كان سلفُه الرئيس جاك شيراك إكتشفه من قبل. إنّ رئيس النظام السوريّ يكذب ولا يلتزم بما يقوله ويعد به. فهو وعدَ باريس بتسهيل حصول الاستحقاق الرئاسي، وإذا به يمعنُ في تعطيله راسماً مشهد الإستعداد للتفاوض “على” لبنان بشروطه التي تعني السيطرة على القرار اللبنانيّ والعودة إلى ممارسة الوصاية عليه.
بالتأكيد حصلَ في الأيّام الماضية تشاورٌ فرنسيّ ـ أميركيّ. وستكون اليوم محطّة أساسيّة في هذا التشاور بالاجتماع المتفق عليه بين ساركوزي ووزيرة الخارجية الأميركيّة كونداليزا رايس.
المبادرة الفرنسيّة: لا صفقة لكن أداء “مشكول”
ما إنتهت إليه المبادرة الفرنسيّة يؤكدّ عدداً من الأمور الرئيسيّة.
يؤكد أن أيّ صفقة دوليّة مع النظام السوريّ في لبنان وعلى حساب إستقلال لبنان وسيادته لم تكن مبرمة خلال الأسابيع الماضية. لكن ما إنتهت إليه المبادرة الفرنسيّة يؤكد في المقابل أنّ طريقة التعامُل الفرنسيّ ـ الدوليّ ـ مع نظام الأسد إنطوت ليس فقط على خطأ إفتراض “صدقه” أو صدقيته، إنما أيضاً على خطأ التفاوض “السمِح” معه أي تقديم “الإغراءات” ـ ولو خارج لبنان ـ وتراجع التلويح بـ”الإجراءات”.
إعادة الإعتبار لـ”العقوبات”
لذلك، سيكون على التشاور الفرنسيّ ـ الأميركيّ الراهن أن يأخذ في الإعتبار نقاطاً رئيسيّة. الأولى هي تحميل النظام السوريّ مسؤوليّة دفع المبادرة الفرنسيّة إلى الفشل أي مسؤوليّة الاستهتار بالمجتمع الدوليّ وقراراته. والثانية هي إعادة الإعتبار للموقف الدوليّ الأصليّ، ولحقيقة أنّ المبادرة الفرنسيّة كانت محاولة أو محطّة في سياق حماية لبنان وإستحقاقاته، أي أنّها لم تكن “النهاية” ولا شيء بعدَها. والثالثة هي إعادة الإعتبار لمنهج الضغط على هذا النظام.
ربّ قائل بحقّ إنّ الديبلوماسيّات الدوليّة لا تنتقل بسرعة من أداء إلى آخر. وربّ قائل إنّ الإستدراك الدوليّ حتّى لو حصلَ اليوم، فإنّه لا يلغي حقيقة انّ النظام السوريّ إستقوى خلال الأسابيع المنصرمة بأداء دوليّ “أكثر من مرِن”. غيرَ أنّ ما لا بدّ أن يكون واضحاً هوَ انّ إطالة زمن الإنتقال من ديبلوماسيّة الإستيعاب إلى سياسة الضغط المتجدّد، ستكون بالغة السلبيّة على المجتمع الدوليّ نفسه. هذا مع العلم انّ “فترة الإستيعاب” التي برزت “فجأة” في حينها لم تكن طويلة قياساً إلى أعوام من القطع مع النظام في دمشق.
وبكلامٍ آخر، كي يستعيدَ المجتمع الدوليّ صدقيّته حيالَ لبنان، لا بدّ من الإقرار صراحةَ بفشل “الإستيعاب”، ولا بدّ من إعادة النظام السوريّ إلى موضعه الأصليّ بما هو خارجٌ عن المجتمع الدوليّ. والأهمّ انّه لا بدّ من فرض عقوبات دوليّة عليه تترجم “العودة” إلى التشدّد.
14 آذار ليست “معارضة عراقية”
إنّ حركة 14 آذار ليست “معارضة عراقية”. لا هي حركة نضال من خارج البلد. ولا هيَ تطالب المجتمع الدولي ودوله الرئيسيّة بإرسال الجيوش إلى دمشق. هي حركة إستقلال من داخل لبنان، وتستندُ إلى توازن لبنانيّ في مصلحتها. لكنها تُطالب بمواقف خارجيّة تلجُم التدخلات السوريّة والايرانيّة. ولذلك هي تطالبُ بمواقف سياسيّة وبخطوات مؤذية للنظام السوريّ، لو قرّر المجتمع الدوليّ المبدأ لوجَدَ هذه الخطوات بسهولة.
بهذا المعنى، فإنّ زيارة ديفيد ولش التي تمّت في الأيّام الفاصلة بين دفع النظام السوريّ المبادرة الفرنسيّة إلى الفشل وبين “إستئناف” الموقف الدولي الأصليّ تجاه هذا النظام وسياسته في لبنان، هي مؤشر إلى تموضع جديد أكدّ عليه المسؤول الأميركيّ خلال لقاءاته.
لا للقمة في دمشق
وفي السياق نفسه، لا شكّ انّ إستهتار النظام السوريّ بالمجتمع الدوليّ خلال “أسابيع الإستيعاب” تزامن مع إستقواء هذا النظام على “النظام العربيّ”. وليس خافياً هنا انّ المبادرة الفرنسيّة كانت هي نفسُها مبادرةً عربية أيضاً، بمعنى أنّها كانت مدعومة من النظام العربيّ، ما يفيدُ انّ دفع مبادرة فرنسا إلى الفشل هو تحدّ للنظام العربي أيضاً.
حتماً ثمّة تشاورٌ عربيّ ـ عربيّ جارٍ الآن. بيدَ انّه في وقتٍ بدأ نظام الأسد يتصرّف على أساس أنّ قيادة النظام العربيّ آيلة إليه، وانّ إنعقاد القمة العربية في دمشق “لا رجعة فيه” وهو يلمّح إلى أنّ مَنْ لا يحضرون في دمشق سيكونون معزولين، ثمّة حاجة إلى موقف عربيّ موحّد.
ليسَ صحيحاً انّ مكان القمة المقبلة في دمشق “لا رجعَة فيه”. وليسَ صحيحاً ان النظام السوريّ الذي وضعَ النظام العربيّ عليه شروط “العضويّة” وطالبَه بالامتثال للإستراتيجية العربيّة ولـ”قواعد” العلاقة بين الدول المكوّنة، يستطيع أن يقرّر وضع القمة.
إنّ النظام العربيّ قادرٌ منذ اليوم على أن يقولَ للنظام السوريّ انّ قمةً لا يشارك لبنان فيها برئيس جديد بسبب التعطيل السوريّ، لن تُعقد في دمشق. والنظام العربيّ قادرٌ منذ الآن على أن يقول لنظام الأسد إنّ تعطيله لإنتخاب الرئيس اللبناني حتّى موعد القمّة وعلى أمل منه بـ”صفقة” على حساب لبنان فيها، ليس مقبولاً ولا قمّة في دمشق. ويُمكن النظام العربيّ أن يأخذ من الإجراءات ما يكفل “إزعاج” هذا النظام.
باختصار، ثمّة تموضع دوليّ جديد، وطبيعيّ أن يكون هناك تموضع عربيّ جديد موازٍ. فحماية لبنان مهمّة عربيّة ودوليّة، لا بل لا مبالغة في القول انّ المجتمع الدوليّ والنظام العربيّ بدفاعهما عن لبنان إنما يدافعان عن نفسَيهما أيضاً.