#adsense

الأزمة الرئاسية في الحسابات السورية – الإيرانية

حجم الخط

الأزمة الرئاسية في الحسابات السورية – الإيرانية

صلاح سلام

 
لا دماء الشهيد الكبير فرنسوا الحاج ومرافقه، فتحت الطريق أمام “العهد الجديد”،·· ولا تنازلات فريق 14 آذار نفعت في انتخاب الرئيس التوافقي، لا ورقة “السلة الكاملة المكتوبة والمفصلة”، التي وضعها نائب رئيس حزب الله في جيب العماد ميشال عون، ساعدت على إطلاق ورشة التفاوض من جديد بين الأكثرية والأقلية لملء الفراغ الرئاسي،·· ولا صيغة التعديل الدستوري التي “ينام” عليها الرئيس نبيه بري ساهمت في تحديد آلية التعديل الدستوري، وفق الدستور، لإيصال العماد ميشال سليمان الى قصر بعبدا·


الأزمة في الداخل تشتعل سجالاً بيزنطياً و”دونيا” من جديد، والتداخلات الإقليمية والدولية تشتد تشابكاً على الساحة اللبنانية، ويكاد يتحول معها الوطن الصغير الى “أرض المعركة الحاسمة” بين المحور السوري – الإيراني من جهة، بمواجهة التجمع الأميركي – الأوروبي من جهة أخرى، والذي يكاد يضيع بينهما الوزن العربي والإقليمي القادر على تدوير الزوايا، وإيجاد المخارج المناسبة، عادة، للأزمات المتفاقمة!

 

ولا ضرورة للتكرار للمرة الألف بأن محنة لبنان ظاهرها الخلافات الداخلية بين اللبنانيين، ولكن حقيقتها تقود الى “القطب المخفية” في الصراع الإقليمي – الدولي على مناطق النفوذ والخيرات في المنطقة، وأن لبنان، سيكون في طليعة الدول المستضعفة، مثل العراق وفلسطين، التي ستدفع من أمنها واستقرارها أثمان الاشتباك الإقليمي – الدولي، كما أنها ستدفع من سيادتها وقرارها الوطني المستقل، كلفة أية صفقة تُعقد بين الأطراف المتصارعة في المنطقة!

 

ولعل التمديد للفراغ الرئاسي أسبوعاً بعد أسبوع، وتوجيه الضربة الموجعة للمؤسسة العسكرية باغتيال أحد ألمع قيادييها، يعتبر بمثابة “أول الغيث” لما ينتظر الوطن الصغير وهذا الشعب الصابر، من محن وهزات في الأشهر المقبلة، في حال لم تحدث “المعجزة” ويتم إجراء الانتخابات الرئاسية وإيصال الرئيس التوافقي الى قصر بعبدا، قبل نهاية الشهر الحالي الذي تنتهي معه المهلة الدستورية لأي تعديل دستوري خلال الدورة العادية لمجلس النواب!

 

فهل يحق للبنانيين أن يحلموا بإمكانية حدوث “المعجزات” من جديد، وهم على أبواب أعياد سماوية مجيدة؟

الواقع أن ليس ثمة ما يوحي بقرب حصول “معجزة ما” تساعد على إعادة فتح أبواب القصر الرئاسي أمام الرئيس التوافقي قريباً، لأن عودة التوتر الى الصراعات الخارجية بدأت انعكاساتها تظهر سريعاً في الساحة اللبنانية التي تعطلت فيها فجأة كل قنوات الحوار بين الأطراف المحليين، وطويت صفحة الإلتزامات المتبادلة بين اللاعبين الخارجين، وعادت معها الأمور الى نقطة البداية، رغم المواقف المعلنة من الجميع بالتمسك بترشيح العماد ميشال سليمان كرئيس توافقي!

 

العالمون ببواطن الأمور، والمتتبعون لتطورات الأيام العشرة الأخيرة يدركون جيداً أن مفتاح الأزمة ما زال في الخارج، وأن مناورات التعطيل الداخلية، ما هي إلا من نوع القنابل الدخانية التي تحاول إخفاء العوامل الخارجية الضاغطة بشدة، بطيف من الدخان الأبيض الذي لا يحجب ما هو ظاهر·· ولا يخفي ما هو مستور!

 

ويبدو أن رفض الأكثرية التفاوض مع العماد عون، بعد سحب تفويض المعارضة وحلفائها الخارجين من الرئيس نبيه بري، نقول إن الرفض يعود إلى إدراك قيادات 14 آذار الى أبعاد المناورة الجديدة الهادفة الى المماطلة والتسويف لإنهاء الدورة العادية لمجلس النواب، وبالتالي تمديد أزمة الفراغ الرئاسية الى نيسان المقبل، وبالتالي إبقاء البلد تحت رحمة شتى الاحتمالات الأمنية، وأكثرها سوءاً عودة مسلسل الاغتيالات والتفجيرات من جديد، دون إسقاط إمكانية إعادة التوتر الى الشارع مرة أخرى، على غرار ما حصل يومي 23 و25 كانون الثاني الماضي·

 

رفض الأكثرية لمناورة التفويض المفاجئ لعون، لا يعتبر ولا يجب أن يعتبر، من باب الانتقاص من مكانة رئيس التيار العوني ولا إنكاراً لدوره السياسي، بقدر ما هو رفض مبدئي لكل ما يعيق إجراء الانتخابات الرئاسية في أسرع وقت ممكن·

ولعل قناعة عدم جدوى التفاوض على “الورقة المستورة الموضوعة في جيبة عون” يعود الى تضمينها بندين غير دستوريين، ولا يمكن أن تقبل بهما مختلف قيادات 14 آذار·

 

البند الأول: يقضي بتقصير ولاية رئيس الجمهورية التوافقي الى سنة وسبعة أشهر اليوم، وغداً قد تصحح المدة الى سنة وخمسة أشهر مثلاً-!!- بهدف إفساح المجال أمام العماد عون للترشح للرئاسة من جديد بعد إجراء الانتخابات النيابية في ربيع وصيف عام 2009!!

 

والتلاعب بفترة ولاية رئيس الجمهورية بهذا الشكل الفاضح مرفوض من بكركي والقيادة المسيحية والإسلامية على السواء، لأنه يتناقض مع النص الدستوري الذي يحدد الولاية الرئاسية بست سنوات، فضلاً عن أن تبرير التقصير يعطل دور رئاسة الجمهورية في المعادلة الوطنية، ويحولها الى نقطة ضعف خطيرة في تركيبة السلطة الشرعية، الأمر الذي من شأنه أن يضاعف مشاعر الإحباط والتهميش عند المسيحيين·

 

البند الثاني: الاتفاق المسبق على اسم رئيس الحكومة الجديدة، فضلاً عن اشتراط الاتفاقات المسبقة على تعيينات قيادة الجيش والأمن العام والأجهزة الأمنية الأخرى، بالإضافة الى المحاصصة المفروضة سلفاً سواء في عدد الوزراء (3 للمعارضة)، والحقائب السيادية والخدماتية الأساسية (مناصفة بين الأقلية والأكثرية!)·

 

واضح أن هذا البند يخالف الآلية الدستورية لترشيح رئيس الحكومة، ويصادر صلاحيات النواب وحقهم الدستوري في المشاورات النيابية الملزمة التي يجريها رئيس الجمهورية لاختيار رئيس الحكومة·

 

في حين أن اشتراط الاتفاقات المسبقة على التعيينات الأمنية يعني التدخل في صلاحيات رئيس الجمهورية، والافتئات على سلطات رئاسة الجمهورية في وقت يرفع فيه العماد عون شعار تعزيز مركز رئاسة الجمهورية!!

 

ولا ندري لماذا وافق عون على حمل هذا التفويض المفخخ على كتفيه، الذي من شأنه ليس تعطيل التفاوض اللبناني – اللبناني وحسب، بل والأخطر سيؤدي الى إقفال قصر بعبدا الى أجل غير مسمى، وتطويل فترة الفراغ الرئاسي الى نيسان كمحطة أولى، ثم الى الانتخابات النيابية في صيف عام 2009 ·

 

أما الحديث عن الحسابات السورية والإيرانية في تعطيل الانتخابات الرئاسية فشرح يطول··، يبدأ من المواجهات الساخنة في أفغانستان والعراق، ولا ينتهي عند المنازلات المستمرة في غزة والصومال والسودان، مروراً طبعاً بتمديد الأزمة في لبنان!

 

ولكن يمكن اختصار المفاصل الأساسية في الموقف السوري – الإيراني بالنقاط التالية:

ارتياح طهران لبوادر التراجع الأميركي في الملف النووي، والذي كرسه تقرير وكالة الاستخبارات الأميركية الذي نفى أية صفة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني·

 

اطمئنان القيادة الإيرانية الى مجريات الأمور في العراق، والتي تصب كلها لصالح تحويل هذه الدولة العريقة المعادية لإيران، الى دولة تدور في فلكها السياسي والإيديولوجي، بعد فشل الاحتلال الأميركي في إقامة نظام ديمقراطي متوازن يحافظ على تماسك الدولة الواحدة في بلاد الرافدين·

 

تحقيق خطوات مهمة على صعيد التقارب الإيراني مع دول الخليج العربي، والذي توّجت بحضور الرئيس الإيراني لقمة الدول الخليجية لأول مرة، منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي قبل أكثر من ربع قرن لدرء الخطر الإيراني على المنطقة·

ظهور تسليم عربي ودولي بدور محوري لإيران في ملفات المنطقة الصعبة، وخاصة في العراق وفلسطين ولبنان·

والحسابات السورية ليست بعيدة عن تلك المعطيات ويمكن اختصارها لبنانياً على النحو التالي:

 

انتهاء فترة العزلة العربية والدولية التي فرضت على دمشق إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري· وذلك من خلال “هجمة” الاتصالات والزيارات التي قام بها قادة عرب وأوروبيون مع الرئيس السوري، فضلاً عن الموفدين العرب والدوليين·

استعادة دمشق زمام المبادرة في تحريك الوضع اللبناني، من خلال تمتين علاقاتها وتجديد دعمها لحلفائها في المعارضة وخاصة حزب الله، الذي نجح بضم تيار العماد عون الى جبهة المعارضة المتعاونة مع سوريا·

 

إصرار القيادة السورية على متابعة معركة القضاء على الأكثرية سياسياً، ومحاولة تفكيكها حزبياً وطائفياً، وذلك عبر سلسلة من الانهاكات الأمنية المتواصلة·

 

استمرار محاولات عرقلة فعالية حكومة السنيورة عبر استقالة وزراء الثنائي الشيعي، وما رافقها من اعتصام في وسط بيروت منذ أكثر من سنة·

 

أما في المواجهة السورية مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي فثمة معطيات لا بد من التوقف عندها وأهمها:

 

 1 – ارتياح سوري كبير للأوضاع الداخلية أمنياً وسياسياً واقتصادياً، حيث سجلت الاستثمارات العربية أرقاماً قياسية في العام الحالي·

 

2 – عدم استعجال دمشق لأية تسوية أو صفقة مع الإدارة الاميركية الحالية التي سقط مشروعها في المنطقة، وتم هزيمتها في العراق، وهي أي الإدارة الأميركية الحالية تعيش آخر أيامها في دوائر النفوذ الأميركي بعد اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الاميركية·

 

في هذا الإطار، قد يستمر التعاطي السوري، أو حتى التفاوض المباشر أو غير المباشر، مع الإدارة الحالية أشهراً أخرى·· ولكن من المستبعد أن يتوصل الى النتائج التي تتوخاها واشنطن·

 

3 – اعتبار دمشق أن النظام العربي الحالي غير قادر على توفير مميزات الدعم والتحالف التي تقدمها طهران، وفي الوقت نفسه، عدم قدرة العرب على شطب الدور السوري المحوري في ملفات المنطقة وأزماتها الملتهبة·

 

4 – ثمة من يرى في العاصمة السورية أن المتغيرات المتلاحقة على الساحة اللبنانية تكاد تقلب، أو هي عدّلت فعلاً، موازين القوى بين الأكثرية والمعارضة لصالح الأخيرة، وهذا ما عبّر عنه نائب الرئيس السوري فاروق الشرع الاسبوع الماضي عندما أكد أن حلفاء دمشق اليوم في لبنان هم أقوى مما كانوا عليه اثناء الوجود العسكري هناك·

 

ومثل هذا التقييم لا يحتاج الى تفسير، حيث أن الرهان على تطويل الازمة السياسية والرئاسية في لبنان من شأنه أن ينهك قوى 14 آذار ويساعد على تفكيكها بعد استغلال الحساسيات المعروفة بين بعض قادتها، وبالتالي تصبح الغلبة للفريق المتحالف مع دمشق·

 

هل يعبّر التقييم السوري – الإيراني للمعطيات السابقة عن أمر واقع جديد في صراعات المنطقة؟

قد يكون من المبكر حسم الجواب على مثل هذا السؤال، ولكن ثمة قناعة إيرانية – سورية مشتركة بأن مواقف خصومهما في المنطقة من الأميركيين والأوروبيين، لن تتعدى البيانات الكلامية، في حين أن دمشق وطهران تمسكان بزمام المبادرة على الأرض عبر الحلفاء المحليين في العراق وفلسطين ولبنان·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل