#adsense

ليس “ساحة” لتصفية الحسابات فقط ..بل “مسرح” للدمى واللامعقول أيضا!!

حجم الخط

ليس “ساحة” لتصفية الحسابات فقط ..بل “مسرح” للدمى واللامعقول أيضا!!

محمد مشموشي

 

لم يقل لبناني واحد، في ما عدا العماد ميشال عون، أن اغتيال مدير العمليات في الجيش اللبناني اللواء فرنسوا الحاج كان وراءه “متورط” واحد أو أقله “شريك” واحد في الجريمة هو الحكومة بشخص رئيسها فؤاد السنيورة. بل أكثر من ذلك، لم يقل أحد في لبنان أو في الخارج، في ما عدا “رفيق السلاح” اياه، ان العملية أقل من “جريمة متعمدة” ضد الوطن كله (برئاسة جمهوريته وحكومته ومجلسه النيابي) وضد الجيش، أداته الأمنية الأولى، فضلا عن قائده المرشح للرئاسة بالاجماع، من دون أن ننسى طبعا “قبعة” السيادة والحرية والاستقلال التي يتغطى بها الجميع من دون استثناء.


لكن، وبرغم المفارقة النافرة في ما سبق وخطورته، يمكن تجاوزه الى عدد من المفارقات الأخرى التي تعني الكثير لمن قد يرغب في أن يضع الأمور في نصابها بينما البلد، والعالم من حوله، يقف مشدوها أمام خشبة مسرح اللامعقول.
من بين هذه المفارقات يمكن لحظ ما يأتي:


ـ لم تمر أربع وعشرون ساعة على جريمة الاغتيال، وما تبعها ادانة هنا وصكوك براءة هناك، حتى كان العماد عون يفاجئ البلد المشدوه فعلا باعلان نفسه “مفوضا كامل الصلاحية” من المعارضة للتحاور مع الغالبية حول “ورقة مستورة”، كما قال، ربما تنتشله من الدائرة المفرغة التي يدور فيها منذ شهور.


ـ ترافق ذلك مع اعادة “بعث الحياة” في تهمة معروفة الأهداف، أطلقت عشية بدء حرب مخيم نهر البارد وظن اللبنانيون أنها انتهت بانتهائها، حول عدم التنسيق (وربما عمدا هذه المرة لتبكيل تهمة تورط الحكومة في اغتيال اللواء الحاج!) بين أجهزة الجيش من جهة وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي من جهة ثانية.


ـ ظهور نائب الأمين العام لـ” حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، بعد طول غياب، لاعلان أن هناك “سلة متكاملة” في جيب العماد عون .. تقبل، فيفتح مجلس النواب ليخرج أرنب الرئاسة منه، ولا تقبل فلا يفتح الباب ولا يخرج اذا لا تعديل دستوريا ضروريا ولا رئيس دولة ولا طبعا خلاص، أو شبه خلاص، من حالة الفراغ.


ـ سبقت ذلك كله “بشرى” نائب الرئيس السوري فاروق الشرع لمن وصفهم بـ”الحلفاء” في لبنان، وسمّى من بينهم عون وطبعا الشيخ قاسم، بأن “لا أحد في العالم يمكنه أن يهزم سوريا في لبنان” وبأنها، مع حلفائها هؤلاء، أقوى الآن مما كانوا عليه في أي يوم مضى … بعد أن عاد العالم ليطالب دمشق (وهي لا ترغب، لأنها على ما هي عليه من قوة) بالتدخل للمساعدة في حل العقدة اللبنانية المحلية … البحت محلية.


والواقع أن في كلام الشرع كثيرا من الصحة، ليس لجهة قوة سوريا أو ضعفها في لبنان ولا لجهة قوة حلفائها أو ضعفهم، وانما أولا وأساسا لجهة كون العقدة اللبنانية الراهنة بحت محلية، بل لعلها بحت شخصانية مصلحية وبحت كيدية ضيقة سواء لبست “قبعة” الحرية والسيادة والاستقلال أو دست بين سطور “ورقة مستورة” أو حشرت داخل شباك “سلة متكاملة”.


ذلك أن تصرف الغالبية كـ”أم الصبي”، كما يقول المثل، بالتنازل عن مرشحيها للرئاسة واسقاط خيار الانتخاب بالأكثرية البسيطة وترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان والموافقة على تعديل الدستور، لم يكشف فقط ما كانت تبيته المعارضة في تكتيكاتها (من ضمن الاستراتيجية المقررة) بل أفسح في المجال أمامها لطلب المزيد ثم الاصرار عليه. أكثر من ذلك، ففي الوقت الذي كانت فيه الغالبية تعتقد أنها قدمت ما قدمته من أجل لبنان، ومن أجل لبنان وحده، كانت المعارضة ترى في ذلك دليل ضعف وأن ما قدمته هذه الغالبية انما قدم على مذبح قوة المعارضة في الداخل فضلا عن قوة “الحليف” المقيم سعيدا في دمشق. هل قال الشرع غير ذلك عندما تحدث عن “سوريا التي لا تقهر في لبنان”؟!، بل هل قال عون وقاسم من جهتهما غير ذلك عندما تحدثا عن اغتيال اللواء الحاج و”الورقة المستورة” و”السلة المتكاملة” والا …؟!.


ثم ما الذي يمنع العماد عون، على فرض السير في نظرية “الورقة المستورة”، من العودة الى ما وصف بـ”مبادرة الساعات المعدودة” القائمة على رئاسة العام ونصف العام فقط (بعد أن سكت عنها مؤخرا)، والى الانتخابات النيابية المبكرة (بعد أن سكت عنها أيضا) والى تحميل حكومة العهد الأولى عبء “ورقة التفاهم” بينه وبين “حزب الله” بوصفها الحل الذي لا حل بعده لقضية سلاح المقاومة؟!. وما الذي يمنع أيضا من أن يعمد “المفوض ذو الصلاحيات الكاملة”، العماد عون، الى نقل الراية التي تسلمها من “المفوض” السابق، الرئيس نبيه بري، الى “مفوض” ثالث قد يكون الشيخ قاسم هذه المرة، بالدعوى نفسها التي رددها بري (ناسيا تعهده بأن الانتخاب لا بد سيتم قبل 24 تشرين الثاني) والقائلة ان الحوار لم يؤد الى نتيجة مقبولة؟!.


وبعد ذلك، أين تكمن فعلا قوة المعارضة (بغض النظر عن قوة سوريا) التي تحدث عنها الشرع اذا كانت الأيام الـ15 المقبلة ستضع مجلس النواب، المقفل بالقوة منذ أكثر من عام، مقفلا بعدها بقوة الدستور الذي يفترض عندها دورة عادية غير واردة قبل آذار المقبل؟!، وهل يكون تهميش الرئاسة، فضلا عن المسيحيين، قد زال تماما في ذلك الوقت، أو يكون “ثالوث” الحرية والسيادة والاستقلال قد تكلل بالغار؟!.


لا حاجة الى طرح هذه الأسئلة، ولا الى انتظار اجابات عليها، ما دام الشرع يرى أن عدم انتخاب رئيس للجمهورية “ليس نهاية العالم”، وما دام عون يرى أن الفراغ قد حل في قصر بعبدا لكن لبنان لم يزل هو هو (المقصود أنه لم يزل من الوجود !) وأن بامكان اللبنانيين أن “ينبسطوا” في فترة الأعياد .


لا حاجة الى شيء من ذلك، لسبب بسيط جدا هو أن لبنان الذي كان يوصف سابقا بأنه “ساحة” لتصفية حسابات الآخرين على أرضه اكتسب عمليا وبحق، نتيجة بعض ممارسات بعض طبقته السياسية، صفة جديدة هي أنه بات “مسرحا” بكل ما للكلمة من معنى: مسرحا للدمى المتحركة في جانب، ومسرحا للامعقول في جانب آخر.
…ولعله، من هنا، يصبح من العبث أن يغامر المرء بالركون الى أي تحليل عقلي أو منطقي لما شهده لبنان في خلال الفترة الماضية، ولا حتما لما يمكن أن يشهده في خلال الفترة المقبلة .

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل