لأن سوريا خدعتها بالكلام المعسول ولم تف بوعودها فرنسا تغيّر أسلوب التخاطب معها وأميركا تعاود تحركها
اميل خوري
ما هي الأسباب التي جعلت فرنسا تغيِّر سياستها او موقفها حيال سوريا فيدعو الرئيس ساركوزي بحزم الى انتخاب رئيس للجمهورية فورا معتبرا جلسة اليوم الإثنين هي “الفرصة الاخيرة” كما جعلت الولايات المتحدة الاميركية بعدما غابت فترة عن الاهتمام بملف ازمة الاستحقاق الرئاسي، تعود اليه بقوة وترسل مساعد وزيرة الخارجية ديفيد ولش الى لبنان ليؤكد انه حان الوقت لانتخاب رئيس للجمهورية بدون شروط، وهو ما كان قد دعا اليه البيان الرئاسي الذي صدر عن مجلس الامن؟
الاوساط السياسية المتابعة لتطور ازمة الاستحقاق الرئاسي تعرض بعض اسباب تبدل الموقف الفرنسي من سوريا على الوجه الآتي:
اولاً: طلبت فرنسا من الولايات المتحدة الاميركية اعطاءها فرصة لمعالجة ازمة الاستحقاق الرئاسي في لبنان وذلك من خلال قيامها بأوسع تحرك ديبلوماسي واوسع اتصالات مع كل الاطراف المعنيين محلياً وعربياً واقليمياً وتحديداً سوريا وايران، وهذا ما قامت به بعد موافقة الولايات المتحدة الاميركية التي توقفت عن القيام بأي تدخل في هذه الازمة الى ان تنتهي المساعي الفرنسية.
ثانياً: عادت الوفود الفرنسية بحصيلة اتصالاتها لا سيما مع المسؤولين السوريين بابداء استعدادهم الكامل لتسهيل اجراء الانتخابات الرئاسية في لبنان، والقبول باسم المرشح او المرشحين الذين سماهم البطريرك الكاردينال صفير، وربما اعتقادا منهم ان سيد بكركي الذي اكد اكثر من مرة انه يرفض الدخول في لعبة الاسماء، لن يستجيب ذلك، فتكون سوريا قد القت مسؤولية عرقلة اجراء هذه الانتخابات على بكركي. لكن ما توقعه هؤلاء المسؤولون لم يصح، اذ وافق البطريرك صفير على وضع لائحة باسماء المرشحين، بعدما ضمن له الجانب الفرنسي اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري ومنع حصول فراغ استناداً الى وعد سوري بذلك، فكانت النتيجة ان سوريا اخلت بوعدها للجانب الفرنسي ولم يتم التوصل الى اتفاق على اي مرشح من المرشحين الذين وردت اسماؤهم في لائحة البطريرك، فكان الفراغ بعدما تعذر اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري الامر الذي جعل وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير يعتذر من سيد بكركي لما حصل ولعدم الوفاء بما وعد به بسبب تبدل موقف سوريا وحلفائها في لبنان.
ثالثاً: انتقال البحث عن مرشح رئاسي توافقي من خارج لائحة البطريرك صفير وبموافقة البطريرك نفسه الذي لا مطلب له سوى انتخاب رئيس للجمهورية، ومنع استمرار الفراغ الرئاسي، فوقع الاختيار بنتيجة الاتصالات محلياً وعربياً واقليمياً ودولياً على قائد الجيش العماد ميشال سليمان، وعلى اساس ان هذا الاختيار سيكون مقبولا حتما من المعارضة ولا سيما من حلفاء سوريا الذين سبق لهم ان رحبوا سلفا باختياره الذي قد لا يكون مقبولا من بعض اركان قوى 14 آذار لأنهم في الاساس ضد تعديل الدستور لهذه الغاية وضد وصول عسكري الى سدة الرئاسة الاولى، الا ان هذه القوى بعدما اطلعت على كل المعطيات، وجدت ان لا سبيل للخروج من ازمة الاستحقاق الرئاسي، ووضع حد للفراغ وما قد يكون له من تداعيات على المستوى السياسي والامني والاقتصادي الا بالتنازل عن مرشحيها بطرس حرب ونسيب لحود والموافقة على ترشيح العماد ميشال سليمان للرئاسة الاولى، متوقعة ان يحظى ذلك بموافقة حتمية من قوى 8 آذار والمتحالفين معها، فيتم انتخابه بدون عوائق، وإذ بالمعارضة التي تتكون من هذه القوى، والتي لم تكن تتوقع موافقة قوى 14 آذار على هذا الترشيح، تصاب بالارباك وتفتش عن ذريعة لتعطيل الانتخاب، فوجدت في تعديل المادة 49 من الدستور ومرور هذا التعديل بالحكومة التي لا تعترف بشرعيتها ذريعة للعرقلة.
رابعاً: لم تكتف المعارضة بذريعة عدم اعترافها بالشرعية الحكومية لتحول دون مرور التعديل الدستوري بها، بل وعت سلة مطالب تعجيزية بمعظمها، وربطت انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية بالاتفاق عليها، ولكي لا تكون عقدة التوصل الى هذا الاتفاق عند التحالف الشيعي فانها قررت تفويض العماد ميشال عون محاورة الاكثرية الموالية باسم المعارضة على سلة المطالب هذه بحيث تصبح المسألة تخص الزعماء المسيحيين فتوافق المعارضة ولا سيما “حزب الله” على ما يوافق عليه هؤلاء الزعماء… علما انه لم يعد يفصل عن موعد جلسة الانتخاب سوى ثلاثة ايام والبحث في سلة المطالب يحتاج ربما الى اشهر فيما البلاد تعيش حالة فراغ او شبه فراغ في كل المؤسسات.
خامسا: ان حلفاء سوريا في لبنان بعدما تأكدوا من حصولهم على انتخاب رئيس للجمهورية من غير قوى 14 آذار، عمدوا الى تأخير هذا الانتخاب كي يحصلوا على المزيد، خصوصا بعدما اصبح التخلص من استمرار الفراغ الرئاسي مكلفا، ويمكن هؤلاء الحلفاء قبض ثمن الخروج منه غاليا، وذلك بمنع اختيار رئيس الحكومة العتيدة من قوى 14 آذار أيضا، او بتسمية شخص منها غير النائب سعد الحريري والرئيس السنيورة، علّ ذلك يحدث انقساما ما في صفوفها وان تتألف هذه الحكومة بنسبة 55 في المئة للموالاة و45 في المئة للمعارضة وتتوزع الحقائب المهمة مناصفة بينهما، فتكون سوريا وحلفاؤها في لبنان قد انزلوا هزيمة كاملة بقوى 14 آذار وانهوا وجودها، وتحقق عندئذ ما اعتبره الرئيس الاسد بأن الاكثرية التي تتألف من هذه القوى “وهمية وعابرة” فاذا لم تسلم قوى 14 آذار بتقديم مزيد من التنازلات فتوافق على سلة المطالب التي اصبحت عند العماد عون، فان الفراغ الرئاسي يستمر وتكون هذه القوى هي المسؤولة عن استمراره…
سادساً: ان اتفاقاً عربياً واقليميا ودولياً يتم على ان يظل الفراغ الرئاسي الحاصل هادئا ومنظما، كي يظل لبنان ينعم بالامن والاستقرار الى حين يتم التوصل الى انتخاب رئيس للجمهورية، وقد بني ذلك على اساس ان لا تنتخب قوى 14 آذار رئيسا بنصف زائد واحد ولا تشكل قوى 8 آذار من جهتها، حكومة ثانية، واذ بهذا الاتفاق يخرق باغتيال اللواء الركن فرنسوا الحاج في المنطقة التي تسيطر عليها السلطة السياسية والامنية والعسكرية وذلك امعانا في التحدي من المخططين للجريمة وبغية توجيه رسائل الى اكثر من جهة، ولا سيما الى مؤسسة الجيش والى قرار ترشيح قائدها العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية كي يظل الفراغ هو البضاعة المطروحة للبيع والشراء، الى ان يتم التوصل الى اتفاق على كامل الصفقة المطلوبة بين سوريا وايران من جهة والولايات المتحدة الاميركية من جهة اخرى، وليس على جزء منها، سواء ما يتعلق بالملف النووي، وما يتعلق بالمحكمة ذات الطابع الدولي، وكذلك بالصراع على السلطة في لبنان بين الاكثرية الموالية والاقلية المعارضة، وهو صراع يتخذ الطابع المحلي والاقليمي والدولي.
لقد تبين لفرنسا التي فوضتها الولايات المتحدة الاميركية القيام بمساعٍ لحل ازمة الاستحقاق الرئاسي في ضوء كل ذلك لأن النظام السوري خدعها بكلامه المعسول ان لم يكن كذب عليها، كما فعل مع سواها من اصحاب المساعي العربية والدولية، وان الكلام السوري شيء والفعل شيء آخر، عندها قررت اعادة النظر في سياستها حيال هذا النظام، وعادت الولايات المتحدة الاميركية من جهتها الى لعب دورها في ازمة الاستحقاق الرئاسي. وقد تأكد لهما ان سياسة الجزرة مع النظام السوري لا تجدي، وان هذا النظام المطمئن الى بقائه لا تهمه عقوبات ولا تغريه زيارة الرئيس ساركوزي لها اذا غير سلوكه حيال لبنان وشمل إجراء الانتخابات الرئاسية.
اما قوى 14 آذار الملسوعة بالكلام الاميركي والدولي وبكثرة الوعود وبتكرار تأكيد الدعم لـ”ثورة الارز” و”لانتفاضة الاستقلال” لن تتخذ اي موقف الا بعد ترجمة هذا الكلام وهذا الدعم فعلا على ارض الواقع.