#adsense

الشرع الذي لا يفهم الشرع!

حجم الخط

الشرع الذي لا يفهم الشرع!

سلطان القحطاني


بعد التاسعة بتوقيت غرينتش من يوم الجمعة لم يعد فاروق الشرع يشغل منصبه كنائب لرئيس الجمهورية السورية، بل أصبح الناطق الرسمي الجديد باسم الطفولة الثورية العربية التي اعتقدنا أنها ذهبت أدراج رياح التاريخ، وأُغلقت عليها الأبواب بالضبة والمفتاح، بعد أن اكتشف العرب أن الانتصارات لا يمكن أن تتحقق من خلال الميكروفونات، إنما من لهيب الإرادات وأفعال المضارع والمستقبل.


إن الشرع الذي أمضى في دهاليز السياسة عقوداً طوالاً لم يعد يفهم «الشرع الأخلاقي» الذي كان الرابط الأبرز بين بلاده والمملكة العربية السعودية على مدار السنوات السنوات، والأيام الأيام، والساعات الساعات، في إطار تاريخ مشترك كان يُكتب بمداد من الدم والتضحيات، بينما المنطقة كلها كانت لا تزال بكراً تتشكل على ورقة بيضاء رُسم عليها تاريخنا وجغرافيته الحديثة.


لم يعد أحد يفهم ما هي مشكلة الشرع، ولم يعد أحد يفهم كيف اختفت من قاموسه كل المفردات الديبلوماسية التي تعلمها من خلال عمله في وزارة الخارجية، وكل الاستراتيجيات السياسية التي من المفروض أن تكون منهجه في وقت العرب الحرج الحالي، وتحول بعد ذلك كله إلى مجرد سياسي مبتدئ لا يرى في الرياض سوى قطعة قماش حمراء يزداد تهيجاً كلما رآها.


وفي الوقت الذي تمر فيه المنطقة بعدد من المطبات الصناعة التي تحتاج إلى وقفة وتأمل ووحدة سياسية بين أقطار العرب شرقاً وغرباً، يخرج السيد فاروق الشرع ليحشر كل خطط التقارب في زاوية ضيقة، ويستمر محرضاً ومعرقلاً أي مسعى إيجابي يلملم الصفوف، ويشخصن القضايا بدلاً من أن يخرج من الثقب الضيق إلى النافذة الأرحب كما يفعل السياسيون المحترفون.


وحتى وإن حاول الدارسون والباحثون أن يفسروا هذه المشكلة «الفاروقية» فإنهم حتماً سيصابون بالدهشة ولن يتمكنوا من معرفة البداية ولا النهاية في تحليل خطاب هذا السياسي الذي كان ظلاً قريباً مع داهية سورية الرئيس السابق حافظ الأسد، ويبدو أنه للأسف لم يحفظ دروس السياسي الكبير الراحل جيداً. كما أنها أصبحت مشكلة معقدة تواجه حتى منظري القومية العربية الذين يصابون بالصدمات الكهربائية يوماً إثر آخر، حينما يجدون أن مشاريعهم الأخلاقية، وطموحاتهم المأمولة، قد اختطفت من قبل شخصيات فقدت بوصلتها السياسية، والفكرية على حد سواء، وأصبحت تعرف ما هي ذاهبة منه، لكنها لا تعرف ما هي ذاهبة إليه!


وفي حين أننا قد نستطيع أن نفسّر أبعاد الخلاف السعودي – السوري بعد حرب لبنان الأخيرة والذي انتهى بعد أن استقبل العاهل العروبي السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز الرئيس بشار الأسد خلال القمة العربية الأخيرة التي احتضنتها الرياض وعقدا على هامشها خلالها ثلاثة اجتماعات مغلقة، فإننا لن نجد تفسيراً لما يثيره الشرع بين الوقت والآخر من همز ولمز عن دور المملكة السياسي في المنطقة. فعلى هامش الفعاليات الرسمية المعلنة، والأخرى التي تتم على شكل حوارات حول المآدب السياسية في بلاده، يتطرق الشرع إلى دور المملكة وكأنها العثرة الوحيدة في وجه الوحدة العربية، أو إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، رغم أن دور الرياض العروبي أضاع عليها باستمرار العديد من الفرص السياسية مع الدول الكبرى، وجعل علاقتها مع واشنطن القوة العظمى في الكرة الكونية على حافة توتر مستمر.


لقد غامرت الرياض بعلاقتها الأزلية مع حليفتها الكبرى المرة تلو المرة من أجل قضايا العرب من دون أن تفقد التزامها بـ «فقه الواقع» وعقلانيته واعتداله، أو تشعر بأنها تستطيع أن تواجه الكون إلى ما لا نهاية وحدها، وهي تعرف أن الأسلحة ليست في يدها، وأوراق الحلول متناثرة، في منطقة متناثرة يزيدها أمثال السيد العزيز فاروق الشرع تناثراً وتنافراً.


مشكلة السيد الشرع الأساسية تكمن في أنه لم يعد يفهم بأن السياسة في القرن الحادي والعشرين هي فن الممكن الواقعي الذي يمكن تحقيقه، أما الميكروفون وصوتياته فتلك قضية أخرى لا علاقة لها بالسياسة ولا فروعها.


كم أنت حزينة يا دمشق ومصابة بالزكام الأبدي وأنت ترين صباحاً ومساءً كيف يحاول شخص وحيد أن يأخذك من الجميع وكيف يحاول أن يأخذك المفرد من الكل، ولا يكتفي بذلك، بل يحاول أن يحرضك على الكل أيضاً من دون سبب. ورغم ذلك ستثبتين أنك أكثر وعياً من أن يقودك «شرع ما» خارج وضعك في الجغرافيا، ودورك في التاريخ.


إنكِ لو استلقيت على سرير طبيب لعرفتي أين الداء، ولن تحتاجي إلى أكياس الأدوية، ولا إلى صناديق اللقاحات، بل ستحتاجين إلى أن تفتحي آذانك، وهي كُثر، وتأتيك أصوات الحقيقة من كل حدب وصوب.


يا آل دمشق، يا أبناء العمومة، وأخوة التاريخ، وسدنة دماء الشهداء التي تنبت شقائق النعمان، إن علاقتكم مع الرياض ضاربة في جذور الجذور، وفي نسغ النسغ، فلا تتركوها في مهب ريح الأشخاص والأصنام السياسية… أبعدوا «فاروق الشخص» عنها وستمضي إلى الفردوس المرتجى!

 

خبر عاجل