التعليمات سورية: ربط الانتخاب بالسلة وبالمرور بالرابية فتطير الجلسة التاسعة
الحريري: “ما جرى ترجمة عملية لكلام الشرع”
جعجع: “مناورة سورية لتبريد الضغوط الدولية”
جنبلاط: “التسوية المشرّفة تعيد الاعتبار الى الدستور”
إصرار “المعارضة” المتمادي وبتعليمات سورية على ربط الانتخاب بما تسميه “السلة المتكاملة” وربط الاستحقاق بالاتفاق المسبق على الحكومة، رئيساً وحصصاً ومقاعد..وبالمرور بالرابية…كل هذا الابتزاز ادّى امس الى تطيير الجلسة التاسعة لمجلس النواب بهدف استمرار العرقلة وتمديد الفراغ الى اطول فترة ممكنة. ومع ارجاء الرئيس نبيه بري الجلسة الى الثانية عشرة ظهر السبت المقبل في 22 من الشهر الجاري. تبددت الأجواء التي سادت ليل الأحد الإثنين حول إمكان انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.
فعلى رغم حضور ما يناهز الـ 110 نواب الى مبنى مجلس النواب أمس مما أوحى بامكان حصول الاختراق المنتظر، لم تنجح المشاورات الكثيقة التي شهدها مكتب رئيس المجلس ولا سيما الخلوات المتعاقبة التي عقدها مع رئيس “كتلة المستقبل” النائب سعد الحريري ورئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط، ونواب من “تكتل الاصلاح والتغيير” وكذلك مع كتلتي “الوفاء للمقاومة” و”التنمية والتحرير”، في رسم اطار توافقي لا للمخرج الدستوري ولا للمخرج السياسي، فكان التأجيل تكراراً الحصيلة الطبيعية للمراوحة.
مصادر نيابية
وقالت مصادر نيابية شاركت في هذه المشاورات لـ”النهار” إن الامور عادت الى نقطة معقّدة وان تكن لم تعد الى نقطة الصفر، وان الشروط السياسية نسفت امكان التقدم أي خطوة. وعزت البلبلة الكبيرة التي سادت الاجواء التي سبقت الجلسة الى توافر اشارات عن اتصالات فرنسية مع دمشق بينها اتصال بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بالرئيس السوري بشار الأسد عبّدت الطريق نحو تقدم وازالة الشروط السياسية في وجه انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، فيما عمل وسطاء قانونيون وسياسيون محليون على ايجاد المخرج الدستوري. وقالت ان هاتين الخطوتين عممتا موجة تفاؤل بامكان حصول اختراق في جلسة البارحة، لكن المشاورات التي اجريت في المجلس اثبتت ان موضوع الشروط السياسية ظل في الطليعة وتركز تحديداً على الحكومة الجديدة. وأوضحت المصادر ان المعارضة أصرت على الحصول على الثلث الضامن في أي تركيبة حكومية أياً تكن التوزيعات فيها، من غير ان تأخذ الحقائب الوزارية التي ستعود الى رئيس الجمهورية من هذا الثلث، في حين اصرت الغالبية على ان تكون حصتها في الحكومة دون الثلثين وحصة المعارضة دون الثلث المعطل وتكون حصة الرئيس الجديد بيضة القبان بين الطرفين.
صيغ للحكومة الجديدة
ولعل المفارقة في هذا السياق ان الخلاف على الحكومة الجديدة استعاد الكثير مما عرفته البلاد لدى احتدام الازمة الحكومية عقب استقالة الوزراء الشيعة منها ولدى توسط جامعة الدول العربية بين فريقي الغالبية والمعارضة. وعاد تداول صيغ للحكومة الجديدة ومنها صيغة 14 (للغالبية) – 10 (للمعارضة) – 6 (للرئيس الجديد)، وصيغة 14 (للغالبية) – 11 (للمعارضة) – 5 (للرئيس الجديد). وتردد ان الرئيس بري اقترح الصيغة الثانية بحيث ينقص ثلاثة وزراء للغالبية من أصل 17 و2 للمعارضة من اصل 13 لتكون حصة الرئيس الجديد خمس حقائب وزارية، وان بري يرى ضرورة ان تكون للرئيس كتلة وزارية ولو لم يطلب هو ذلك.
“السلة” والمشاورات
وأضفت الأوساط المواكبة للاتصالات اجواء متحفظة جداً، على نقيض ما ساد الاتصالات قبل 24 ساعة فقط، من امكان حصول حلحلة قبل موعد السبت المقبل نظراً الى تباعد المواقف عن “السلة السياسية” التي تشترطها المعارضة.
ومع ذلك قالت أوساط قريبة من الحكومة إن أي جلسة لمجلس الوزراء لم تتقرر بعد على ما كان تردد أمس، في انتظار مشاورات تجريها قوى 14 آذار وينتظر ان تتخذ بعدها القرارات المناسبة، علماً ان قوى عدة فيها منها “القوات اللبنانية” استعجلت عقد جلسة لمجلس الوزراء ووضع مشروع قانون لتعديل الدستور وارساله الى مجلس النواب من منطلق أولوية تعديل الدستور ورفض أي مخرج آخر غير دستوري للانتخاب، فضلاً عن وجوب مرور التعديل بالحكومة.
الحريري
لكن النائب الحريري قال ليلا لـ”النهار” “ان ما حصل في مجلس النواب يثبت ان سوريا لا تزال تحاول إطالة الفراغ في سدة الرئاسة اللبنانية”. واضاف: “ان ما جرى هو ترجمة عملية لكلام نائب الرئيس السوري فاروق الشرع على المستوى السياسي بعدما ترجم كلامه بالدم في جريمة اغتيال اللواء الركن الشهيد فرنسوا الحاج”.
وشدد على “ان القاصي والداني في المجتمع العربي والاسلامي والدولي يعلم ان النظام السوري يفاوض مباشرة مع المحاورين الدوليين باسم قوى 8 آذار مقدما لائحة مطالب هي نفسها التي تواجه بها الاكثرية في الداخل”.
وعن تمسك المعارضة بالثلث المعطل في حكومة العهد الاولى شرطا مسبقا لتعديل الدستور وانتخاب العماد سليمان قال الحريري: “ان موقفنا المبدئي كان ولا يزال عدم المس بصلاحيات رئيس الجمهورية لجهة طريقة التكليف لتشكيل الحكومة بعد الاستشارات النيابية الملزمة، أو لجهة صلاحية توقيع مرسوم تشكيلها او أي صلاحية أخرى من صلاحياته. اما الكلام عن الثلث المعطل فهو مستغرب منذ اللحظة، اذ ان جميع من حاورنا من مبعوثين عرب ودوليين ومن قوى سياسية محلية، يعلم علم اليقين ان موقفنا هو التمسك بأن يكون للرئيس الصوت الوازن في مجلس الوزراء، بمعنى الا يكون للأكثرية الثلثان الحاسمان ولا لقوى 8 آذار الثلث المعطل بحيث يصبح رئيس الجمهورية هو الضامن في كل القرارات. وهكذا نرى من وجهة نظرنا ان الرئيس يكون بالفعل رئيسا قويا وتكون صلاحياته معززة بحيث يتمكن من استرجاع ما تم التفريط فيه من حقوق للمسيحيين خلال فترة الوصاية. اضافة الى ذلك فان تخلي الاكثرية عن الثلثين الحاسمين وتخلي قوى 8 آذار عن الثلث المعطل يجعلان الرئيس التوافقي حَكَما فعليا في كل الامور الوطنية”.
عون
في المقابل أعلن العماد عون مساء في الرابية أنه “المفاوض باسم المعارضة والكلمة الفصل موجودة معي وبنود التفاوض متفق عليها وموجودة في جيبي (…) وخارج هذه الورقة لا يمكن أحدا ان يبت أي شيء، فاذا لم يكن تفاوض من هنا فلا انتخابات في مجلس النواب”. وقال: “اذا لم نستطع التفاهم الآن فلا أعتقد اننا سنستطيع التفاهم بعد اسبوعين او ثلاثة أو بعد شهر او شهرين، وأعتقد ان الموضوع أصبح واضحا فلنأخذ فرصة طويلة”.
وسئل هل “الفرصة” الى ما بعد شهر آذار؟ فأجاب: “لبعد شهر آذار”. وقال انه اذا كان النائب الحريري “لا يريد التفاوض فليرفض ذلك ولن ينتخب رئيس وهذا فعلا ما يريده هو”.
ورد الوزير مروان حماده على كلام عون فرأى ان “بنود التفاوض موجودة في جيب (الرئيس السوري) بشار الاسد ومن المؤسف ان يكون العماد عون قد تبلغها منه”. ووصف الوضع الراهن بأنه “حائط مسدود”، لكنه أكد “استمرار قوى 14 آذار في محاولة خرقه قبل يوم السبت المقبل”.
مواقف بعد ارجاء الجلسة
أعقب إعلان الإرجاء سلسلة من المواقف، فاعتبر عضو كتلة “القوات اللبنانية” النائب أنطوان زهرا أن ما جرى هو “فصل جديد من الملهاة التي نعيشها وعنوانها سيادة الفراغ”، وقال “على رغم النيات الحسنة لقوى 14 آذار تبين أن المطلوب ربح الوقت ووضع الشروط التعجيزية”، منتقداً محاولات “الالتفاف على الدُستور رغم استعداد 14 آذار لإيجاد تسوية، شرط الحصول على إجماع حولها (..)”.
ولفتت وزيرة الشؤون الاجتماعية نايلة معوض هي أيضاً الى أنه “من سوء الحظ فإن قوى 8 آذار لا تزال مرتبطة بالقوى الاقليمية وترفض كل الحلول”، لافتة الى أن “الحل المطروح اليوم خطير جداً لأنه من جهة يضرب الدستور وخصوصاً المادتين 76 و77 منه، ويضرب رئاسة الجمهورية والدستور والسلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومة من جهة ثانية”، مضيفة “نحن نرفض الشروط المسبقة، وقوى 8 آذار متمسكة بالشروط المسبقة (..)”.
من جهته، أسف وزير الدولة لشؤون مجلس النواب ميشال فرعون لأن “مسيرة الابتزاز والتعطيل والفراغ وحتى الترهيب لم تنتهِ وكذلك الكلام المزدوج”، وقال “سمعنا كلاماً مطمئناً عملياً حول المضي للانتخاب، ولكن، كما دوماً، يحصل انقلاب في اللحظة الأخيرة، والمطلوب أن يتحوّل الولاء المزدوج الى ولاء للمصلحة الوطنية العليا (..)”.
وأعلن النائب بطرس حرب عدم موافقته على الفكرة المطروحة لتجاوز العقبة الدستورية أمام انتخاب سليمان، وقال “إن الشعب اللبناني تعب من المبادرات ومن الجدليات ومن العقبات السياسية، وهو بات يحتاج الى انتخاب رئيس غير مقيّد وله من الصلاحيات ما يسمح له بقيادة البلاد نحو الأفضل (..)”.
وأشار النائب ميشال المر الى أن “هناك عقدة صغيرة تتعلق بعدد الوزراء ونسبة التمثيل”، لافتاً الى “صيغة حل مع الرئيس بري (..) ترضي الجميع وتم الاتفاق عليها (..)”.
في المقابل، نفى عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسين الحاج حسن أن تكون المعارضة قد وضعت أي شرط أمام الحل، وقال إن “ما تطلبه المعارضة هو اتفاق سياسي متكامل في سلة واحدة”، واعتبر “أن ما يقوم به فريق 14 شباط اليوم هو مناورة مكشوفة للانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية بعد انتخاب الرئيس (..)”.
في هذه الأثناء، دعا النائب جنبلاط في موقفه الأسبوعي لجريدة “الأنباء” كل الأطراف “الى تسهيل الانتخاب الرئاسي وفتح صفحة جديدة تكون بمثابة تسوية مشرفة تتيح إعادة الاعتبار الى الدستور والمؤسسات وتسمح للبنان باستعادة عافيته السياسية”، واعتبر أن “الرئيس الجديد الذي هو مرشح التوافق، أي العماد سليمان، على مسافة واحدة من جميع الأطراف وتاريخه وتاريخ المؤسسة العسكرية تحت قيادته يجعلان منه ضمانة بحد ذاته”، لافتاً الى أن هذا الانتخاب “سيكون الخطوة الأولى على طريق استعادة الثقة بالدستور والمؤسسات، وسيشكل صدمة إيجابية تعكس حرص جميع القوى السياسية على إنقاذ البلاد من مخاطر الفراغ الذي لا يفيد أحداً (..)”.
جنبلاط زار يرافقه الوزراء: مروان حماده، غازي العريضي ونعمة طعمة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة وعرض معه التطورات على مدى ساعة.
ورد الوزير حمادة رد على عون فرأى أن “بنود التفاوض موجودة في جيب (الرئيس السوري) بشار الأسد، ومن المؤسف أن يكون العماد عون قد تبلغها منه”، ووصف الوضع الراهن بأنه “حائط مسدود”، لكنه أعلن “استمرار 14 آذار بمحاولة خرقه قبل يوم السبت (..)”.
جعجع
في غضون ذلك، اعتبر رئيس الهيئة التنفيذية في “القوات اللبنانية” سمير جعجع في حديث لوكالة “فرانس برس” أن ما قيل عن حلحلة خلال الساعات الماضية “مناورة سورية لتبريد الضغوط الأميركية والفرنسية”، وقال “ما طرح وسمي تفسيراً للدستور هو محاولة التفاف ولعب عليه”، مؤكداً أن “أفضل آلية بعد العرقلة التي نراها (…) أن يجتمع مجلس الوزراء ويرسل مشروع قانون بتعديل الدستور الى المجلس النيابي”.
ولفت جعجع الى أن المعارضة “لا تزال تطرح الشروط قبل الانتخاب مثل تشكيل حكومة جديدة وتوزيع الحقائب والتعيينات الرئيسية”، وقال “هذا مرفوض تماماً وغير منطقي ولم يحدث في لبنان من قبل، وهو يحد من حرية حركة الرئيس الجديد ويشكل نوعاً من الابتزاز”، معتبراً أن “استراتيجية سوريا وحلفائها هي: إما أن يأخذوا السلطة كلها بعدما خرجوا عسكرياً من لبنان عبر ابتزازنا وإما أن يُبقوا على السلطة معطلة في لبنان”.