سقف الموالاة والمطالب؟!
الفرد نوار
الفرد نوار
أكدت لعبة تأجيل الجلسة النيابية للمرة التاسعة امس، ان المعارضة لاتزال تتحكم في المجريات الدستورية والقانونية بالقوة، حيث لم يعد احد في الاكثرية مقتنعا بأن الانفراج قد يحصل في المستقبل المنظور، وهذا التكرار الممل يشير صراحة الى ان من كان يتحدث عن الخشية من الفراغ الرئاسي، قد استطيب الفراغ الى درجة السعي المستمر الى توظيفه في اطار العقدة الكبيرة المسماة «حق المعارضة»!
صحيح ان قوى 14 آذار لم تسقط في التجربة السياسية، كما انها لم تسقط الى الآن بالضربة القاضية، طالما حافظت على تماسكها وعلى اكثريتها، لكن ليس من يضمن استمرار التماسك ومعه الاكثرية، في حال نجح المتربصون في اقتناص سيارة واحدة من السيارات التي تتولى نقل نوابها بين اماكن اقامتهم (المفروضة عليهم) وبين مجلس النواب، وعندها لن يبقى تماسك ولن تبقى اكثرية، لا في الحسابات السياسية ولا في الحسابات الدستورية!
من هنا بالذات، يبدو رهان المعارضة ربما على حادث غير مستبعد، وعندها لا بد وان تتطور الامور باتجاه مختلف تماما يصعب على احد الخوض فيه لان القرار عندها سيكون بيد الاقلية التي تبدو في وضع افضل بكثير من «الزميلة الاكثرية»، وهذا بدوره ما يفتح شهية قوى 8 آذار على تكرار معزوفة ارجاء الجلسات تلو الارجاء، ونسف اي مسعى توافقي تلو النسف (…) الى ان يكون الآتي اعظم؟
فالسلة التي يتحدث المعارضون عنها، قد تكون مخرجا موقتا لعقدة او عقدتين. لكن الاكثرية مطالبة بسؤال من يعنيه الامر عمن يضمن بقية المخارج والحلول، في حال تم الاخذ بالشروط المتعلقة بالحكومة وبمستوى المشاركة الوزارية، والمقصود هنا «شرط السيادة» و«شرط القرار الواحد« و«شرط الدولة الواحدة» و«شرط السلاح الواحد»، خصوصا ان من ضمن شروط المعارضة «تأمين المشاركة في القرار»، وهي المشاركة التي قد تؤدي الى الاطاحة بمقومات سياسة الدولة؟!
لذا، ثمة من هم على قناعة في قوى 14 آذار ان لا تحل التعقيدات المعلنة من جانب المعارضة، قبل ان تتوضح الحلول التي تسببت فيها قوى 8 آذار، وتحولت بالتالي الى مطالب حيوية للاكثرية من المستحيل تجاهلها، او قبل الخوض في تفاصيلها ومحاذيرها!
وطالما ان المعارضة قد حددت سقفا لما تقبل به ولما ترفضه عبر سلة مطلبية متكاملة، فليس ما يمنع الموالاة من ان تحدد سقفها لما تقبل به ولما ترفضه عبر سلة مطلبية متكاملة، وعندها فقط قد تستقيم المعادلة بحسب مجالات الاخذ بها، اي ان قوى 14 آذار ستكون في مقابل طروحاتها فريقا سياسيا ووطنيا مظلوما بعكس ما تسعى القوى المناوئة الى تصويره؟؟
كذلك، ماذا يمنع الخوض في بيانات علنية عما تريده الاكثرية في معرض نظرتها الى سيادة الدولة وسياسة الدولة واستراتيجية الدولة ونظرة الدولة الى الاستقلال والحرية على ان يأتي الجواب علنا وفي بيان واضح المعالم من قبل المعارضة، اقله لوقف استمرار السجالات بلا طائل، وكي لا يقال ان «فخامة الرئيس فؤاد السنيورة يريد كذا ويرفض كذا»، قياسا على مقولات المتلاعبين بمصالح مواطنيهم وطوائفهم!
إن المشكلة مع المعارضة لا تكمن في ما تريده بقدر ما تكمن في ما ترفضه، وهي عندما سقطت في امتحان مؤتمر الحوار الوطني لم تستوعب صدمة السقوط اللاحق في جلسات التشاور، وكذلك بالنسبة الى السقوط الثالث في امتحان الشارع، ومن ثم عبر سقوط رابع مدو تمثل في انسحاب الوزراء الشيعة واستتباعات السقوط الخامس الذي حمل عنوان «الاعتصام المركزي المقيت والجاني والاستفزازي في وسط العاصمة»؟
صحيح ان الرئيس اميل لحود قد لوح عشرات المرات بأنه سيتكل على اخلاقية الموقع الرئاسي والبقية الباقية من الضمير والوطنية «كي لا يترك فراغا في بعبدا»، لكنه عندما غادر قصر الرئاسة غير مأسوف عليه ظهر وكأنه غير معني بالفراغ كما وانه لم يكن معنيا بالسلطة، وهذا الواقع لا يختلف بشيء عما تسعى المعارضة الى تكريسه، ليس حبا بالسلطة، بل لان القرار الذي تبحث عن حيازته لايزال بعيدا من متناول يدها!
أما الذين فهموا اسباب وابعاد ومعاني توكيل ميشال عون بالتفاوض، فكانوا على ثقة مطلقة انه ليس في وارد التعاطي مع ما يتعدى ثقله السياسي والفكري، بعدما سبق له ان قبل بوظيفة «شتام الرابية» ليتوازن مع غيره من «شتامي خلدة والجاهلية»، وبعض من ليس بوسع احد الخوض في اسمائهم «لان يدهم طايلة»؟!
لهذه الاسباب ارجأ الرئيس نبيه بري الجلسة النيابية، ولهذه الاسباب لم تعقد الجلسة ولاسباب غيرها بدا رئيس المجلس من خلالها مكبل اليدين وغير قادر على تقديم بدائل، الامر الذي دفعه الى ترحيل مبادرته الى المكان الذي يصعب على «المكلف عون» استعادة زمام الامور لمجرد انه العقدة، وليس بوسع احد ان ينتظر حلا ممن يجسد العقدة في مفهومها السياسي والاكاديمي. فكيف اذا تطور مفهوم الجهة المعقدة الى ما هو مختلف عليه وطنيا؟!