لماذا رجَّحت إيران استرضاء عون على الرضا بسليمان؟
غسان الإمام
غسان الإمام
الخطأ في العنوان! رسائل الضغط والتهديد الفرانكوأميركية طرقت باب دمشق. كان عليها أن تقرع باب طهران. المضحك ان الدول الكبرى عاجزة عن متابعة سرعة دوران الكوكب اللبناني «المحترق» على محور الاحداث والتقلبات. المبكي ان الحرب بالنظارات من بعيد، من باريس وواشنطن صعبة. غادر الوزير كوشنير بيروت وهو «متشائل» بالحل. بمجرد مغادرته «تخربط» الوضع. طار الاتفاق على تعديل الدستور الذي حققه خلال زياراته. تعقّدت الأزمة السياسية. وضع «حزب الله» بناء على «نصيحة» طهران بيضه في سلة العماد ميشال عون كاردينال الطائفة المارونية السياسي.
لماذا تعقدت الأزمة؟ لم تدرك باريس وواشنطن سريعا عودة سورية الى «وحدة الصف» مع ايران في لبنان، بعد «تمرد» قصير الأمد إثر ذهاب سورية الى أنابوليس، العودة تمت بهدوء غير ملحوظ. سكتت سورية عن سحب ايران بساط الحل من تحت نبيه بري (المقرب من دمشق) لتمده تحت العماد عون (حليف حزب الله). بات واضحا ان ايران تفضل استرضاء عون على رضاها وقبولها بترئيس ميشال سليمان.
هكذا استعاد المشاغب عون المبادرة الى… تعقيد الأزمة بعدما «حلحلها» بري. عون ضروري جدا لإيران وحزب الله. اخترقت ايران بعون الشارع المسيحي والطائفة المارونية. بلا عون، تضعف الشيعة في قوقعتها الطائفية، امام حلف الدروز والسنة والموارنة (المعارضين لعون) في مقدمة المعارضين، سمير جعجع قائد حزب «القوات اللبنانية» والعدو القديم واللدود لعون. الى الآن، اثبت عون انه يملك القوة السياسية والانتخابية في الشارع المسيحي (22 نائبا) اسقط مرشحي الأكثرية، بمن فيهم ابن الجميل. وجعجع الذي يملك القوة الشارعية لا يريد العودة الى حروب الاستئصال الدموية. الحبس للرجال، لكن جعجع خرج من زنزانة قضى فيها 12 سنة في قبو وزارة الدفاع. بات يفضل، بحكمة وتواضع، اللعبة الديمقراطية السلمية.
ماذا في سلة عون؟ هناك شروط مارونية وشيعية على ترئيس سليمان. عون لم يعلن عنها بانتظار مَنْ يفاوضه عليها.
حزب الله استحى من كشفها، لأنها شروط طائفية/ إيرانية بحتة. عمدت إيران إلى نعيم قاسم (النجم الصاعد في الحزب على حساب حسن نصر الله) للإشارة إلى وضع بيضها في سلة عون، حيث لا أسرار في لبنان، فالمعروف ان أول الشروط وضع «برنامج سياسي» يلتزم به سليمان (المشكوك فيه) قبل ترئيسه. ثم تشكيل حكومة «وحدة وطنية». وهو التعبير المهذب عن حكومة «طائفية»، تضمن احتفاظ حزب الله بدولته وسلامه أولا، وتعطيل تشكيل محكمة دولية لمحاكمة سورية في قضية الحريري، ثانيا.
ماذا أيضا؟ الشروط التعجيزية تذهب إلى درجة المطالبة بتسميته رئيس الحكومة سلفا، بل والوزراء، ولا سيما وزراء السيادة! عون يشترط مشاركة الشيعة (يقصد حزب الله) دائما في أية حكومة. عون والحزب يطالبان بوزارة العدل وبالخارجية أو الداخلية. يقال ان من بين الشروط عدم توزير سعد الحريري أو فؤاد السنيورة رئيس الحكومة الحالي.
دستوريا، عون هو الذي عرقل الحل. عندما وافق بري وحزب الله على حضور وزرائهما المستقيلين جلسة مجلس الوزراء لإعداد مشروع التعديل الدستوري بشكل يسمح بترشيح سليمان، اعترض عون على حلفائه: كيف تحضرون، فيما أقول وتقولون ان الحكومة غير شرعية؟
«جنة» بري ولا «جهنم» عون! إذا كانت هذه هي شروط عون، فكيف يمكن للأكثرية ان تفاوضه؟ كان بري أكثر ليونة وسهولة من عون. يعطي ويأخذ. واضح ان سورية ما زالت تفضل ترئيس سليمان، لكنها أضعفت حليفها بري (رئيس مجلس النواب) بسحب تفويض الحوار والحل منه. فعلت ذلك مضطرة أمام إصرار إيران وعون. لو أرادت سورية لأصرت على مواصلة تسجيل انتخاب سليمان دستوريا وسياسيا. من هنا، غضب أميركا وفرنسا والسعودية على دمشق المسايرة لطهران وعون، وغضب أميركا على فرنسا، بعودة وولش إلى بيروت لإعادة لملمة أجنحة الأكثرية لمواجهة تصلب الأقلية.
قلت سابقا ان السعودية هي التي نصحت الأكثرية بترشيح قائد الجيش ليصبح محل «إجماع». الأكثرية تساهلت، إلى درجة رضيت بتسجيل وزراء الشيعة «لا شرعية» الحكومة في مضبطة اجتماع مجلس الوزراء. لكن بعد اعتراض عون، هل ترضى الأكثرية باحتكار «برلمان» بري لتعديل الدستور بلا تمرير التعديل في مجلس الوزراء؟ وهل ترضى بالشروط السياسية التعجيزية؟
السعودية قالت على لسان سفيرها ان لا شروط تقيد الرئيس المنتخب. الآن متروك للاستشارات النيابية بعد الانتخاب كما كان الأمر يجري بعد انتخاب كل رئيس. لعل العقدة الدستورية والسياسية يمكن «حلحلتها» خلال حجة الحاج نجاد ولقائه بالعاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز. هذا يعني ان الحل مؤجل على ما بعد العيد، إذا لم تعقد جلسة الاثنين (أمس). وأنا اكتب هذا الكلام أول أمس (الأحد).
أتمهل قليلا عند عون. الحل عنده والمشكلة فيه! عند المسيحيين، عاش عون. «عاش. عاش. عاش». فقد ورث مُلك الموارنة. حتى العماد سليمان لا يقبل بترئيسه إذا لم ينتخبه نواب الملك ونواب الشيعة. حياد سليمان يفترض الاجماع، ولا سيما ضمان اصوات النواب الموارنة لضمان «الشرعية» الطائفية.
المشكلة في عون (72 سنة) انه ما زال يطمح في ان يكون رئيسا. لهذا اشترط «تشطير» رئاسة سليمان، لعل الظروف تتغير بعد سنتين، فتسمح أميركا وفرنسا والخصوم له بالوصول الى الرئاسة، بعدما سمحت سورية.
عون ضابط سياسي سيئ الحظ بالإضافة الى عناده. في ماضيه حروب: حرب «سوق الغرب» لمنع هيمنة الدروز والسوريين على بعبدا مقر القصر الرئاسي. حرب «تحرير» المسلمين اللبنانيين من سورية قصف فيها الذين أراد أن يحررهم. حرب مع جعجع أهلكت 2500 مسيحي وأسقطت ألوف الجرحى. حرب أخرى مع سورية انتهت بـ «تهريبه» الى فرنسا (1991) واشترط فيها الأسد على أميركا الموافقة على اسقاط عون (حليف صدام) للمشاركة في حرب تحرير الكويت.
حركة الكثبان الرملية في لبنان تشكل دائما التناقضات في المواقف. عاد عون من المنفى بعد 15 سنة (2005) باتفاق ضمني مع سورية لعلها تقبل به رئيسا بعد لحود! بشار الذي يحل ويشبك الخيوط على طريقة أبيه، قبل بعودة عون واسترضائه، لأن سورية بحاجة الى حليف قوي في الشارع المسيحي بعد انسحابها من لبنان إثر مقتل الحريري. الحسرة النفسية كبيرة عند عون وهو يرى عمادا آخر، أكثر اتزانا وتعقلا وتسامحا منه، يخطف أهلية الترشيح للرئاسة. من هنا، تحول العماد عون الى العماد «شمشون» الذي يهدم الهيكل اللبناني «علي وعلى أعدائي يا رب».
تبقى لديّ كلمة في شأن حكومة معلَّبة اسمها حكومة «الوحدة الوطنية». في اللعبة الديمقراطية، هذه الصيغة هي تقليد قصير الأمد تستوجبه ظروف استثنائية. في لبنان، حكومة الوحدة الوطنية اسم حركي وتعبير وطني مهذب عن «حكومة طائفية». الخطر في هذه الحكومة ان تستحيل إلى شرط دائم (عند الشيعة أو غيرها) في كل حكومة. حكومة الوحدة (الطائفية) تلغي حق الشعب والطوائف في المعرفة والنقد. تجمد اللعبة الديمقراطية في قالب قد تحتكره مراكز القوى غير الديمقراطية في الطوائف. حزب الله مثلا يحتكر تمثيل الشيعة و«رَوَّضَ» بري المتحالف مع سورية. حزب الله لا يسمح الا لنفسه بالتوزير من دون سائر الشيعة. كان عقد وفك التحالفات بين الكتل السياسية الطائفية في الماضي بوحي الديمقراطية اللبنانية
