“حزب الله” .. المأزق الصعب.. والثمن؟ نقلا عن المحرر: إذا ما نظر المراقب إلى الوضع في لبنان، يتراءى له للوهلة الأولى أن “حزب الله” هو الطرف المحوري فيه، ونقطة الثقل التي تتقاطع حولها كل الجهود الداخليّة والخارجيّة الهادفة إلى ايجاد حل للأزمة اللبنانيّة. غير أن التعمّق في النظرة يبيّن أن هذا الانطباع الأوّلي غير دقيق، وأن هذا التنظيم العسكري والسياسي الشيعي يواجه الآن المأزق الأصعب في تاريخه الممتد على مدى ربع قرن.
كيف وصل “حزب الله” إلى هذا الوضع؟ ما هي الخسارات الرئيسيّة التي مُني بها في السنوات الأخيرة؟ ما هي المعضلات الاستراتيجية التي يتخبّط فيها؟ ما هي التهديدات التي تواجهه؟ وما الخيارات المتبقية أمامه؟ تقرير خاص من بروكسيل وضعه المحلّل الديبلوماسي في “المحرر العربي”، يستند إلى متابعة حثيثة للملف اللبناني وإلى دراسات عدّة صدرت أخيراً عن عدد من المراكز الدوليّة المتخصصة في شؤون المنطقة.
لا يمكن تقييم الوضع الراهن لـ«حزب الله»، أي في آخر العام 2007، إلاّ عبر مقارنته بوضعه سابقاً، لكي نرى عن كثب ما تغيّر في وضع هذا التنظيم. لكن، مع أي وضع سابق تصلح مقارنة الوضع الحالي؟ هل تصلح المقارنة مع يوم انتهاء حرب صيف 2006 ضد الجيش الإسرائيلي التي وصفها الحزب بأنها كانت «نصراً من الله»؟ الحقيقة هي أن «لحظة العز» الحقيقية لـ«حزب الله» لم تكن حرب صيف 2006، التي صمد فيها بفعالية في وجة آلة الحرب الصهيونيّة، بل كانت في ربيع 2000 غداة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.
الفرق بين اللحظتين كبير والتوقف عنده يفتح الباب أمام مقاربة الوضع الحالي للحزب. ففي ربيع 2000، كرّس الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من جنوب لبنان واستعادة كل شبر من الأراضي اللبنانيّة التي احتلتها إسرائيل في 1978 ومن ثم في 1982، انتصار المقاومة الشجاعة التي قام بها «حزب الله» ضد الاحتلال الصهيوني طيلة 18 عاماً. غداة هذا الانسحاب الإسرائيلي كان «حزب الله» محاطاً، لبنانياً وعربيّاً ودوليّاً، بهالة من الاحترام ليس فقط العسكري بل أيضاً السياسي والمعنوي. وكان قادراً في تلك اللحظة أن يتحوّل إلى مركز الثقل في اللعبة السياسيّة اللبنانيّة، إذ كان رصيده عالياً جداً لدى جميع الطوائف والفرقاء، على الرغم من طابعه الديني ومن ارتباطه العضوي بإيران.
غير أن الحزب أضاع تلك الفرصة بشكل كلّي، إذ هو بدلاً من العمل بعد التحرير على بناء لبنان، اختار إبقاء لبنان ورقة في يد إيران وسوريا، مرتكزاً إلى مقولات «مستنبطة» مثل القول إن الاحتلال مستمر في مزارع شبعا (وهي منطقة صغيرة محتلة منذ العام 1967 ولم تثبت حتى هذه اللحظة لبنانيّتها على الصعيد القانوني)، وأن نشر الجيش اللبناني في الجنوب وعلى الحدود «مؤامرة صهيونيّة»، وأن سلاح الحزب لا يمكن التخلي عنه «طالما العدو قادراً على تهديد لبنان ولو بطائرة من ورق»، ناهيك عن ربط «المقاومة» في لبنان بالقضيّة الفلسطينيّة ومن ثم باحتلال العراق لا، بل وبالصراع بين إيران والغرب…
أمّا في صيف 2006، فلقد أدت الحرب التي اختار الحزب تفجيرها إلى دمار هائل في لبنان وإلى مقتل 1200 شخص على الأقل وجرح الآلاف… من دون أن يكون هناك مبرر مقنع لهذه الحرب. وبدا الحزب وكأنه قدّم لبنان، بل جماهيره الشيعية ذبيحة في صراع لا علاقة مباشرة لهما به، هو صراع المحور «المتطرف» الإيراني – السوري… مع المحور «المعتدل» الغربي التوجه.
إذاً، كانت «لحظة العز» الحقيقيّة لـ«حزب الله» في ربيع 2000، ومن يومها ورصيد الحزب يتراجع رويداً. وهالته تنحسر. غير أن المقارنة الأفضل ليست بين وضع الحزب اليوم ووضعه غداة الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، فهذه مرحلة زمنية طويلة تغيّرت خلالها بعمق المعطيات المحليّة والإقليميّة والدوليّة. المقارنة الأكثر منطقية هي على الأرجح بين وضع الحزب في آخر 2007 اليوم ووضعه في صيف 2004، أي عندما تغيّرت المقاربة الدولية للملف اللبناني مع صدور قرار مجلس الأمن الرقم 1559 عشية تمديد ولاية رئيس الجمهورية اميل لحود. هذا يعني أن قراءتنا هنا تنحصر بما تغيّر في وضع «حزب الله» بين مطلع أيلول 2004 وآخر 2007، أي تبسيطاً خلال الولاية الممددة لإميل لحود.
سُبحة الخسارات المتتالية
إن مقارنة وضع الحزب بين هذين التاريخين تبيّن أنه مُني بسلسلة طويلة من الخسارات، هي أشبه بسبحة انقطعت وبدأت تنفرط حباتها الواحدة تلو الأخرى. وسنحاول في ما يلي، عبر المقارنة الهادئة بين وضع الحزب عشية التمديد ووضعه غداة انتهاء التمديد، استعراض كل ما خسره الحزب في هذه المرحلة التي امتدت 40 شهراً:
1- خسر «حزب الله» في صيف 2006، مع بدء تنفيذ القرار 1701، سيطرته الكاملة والمطلقة على جنوب لبنان، أي على منطقة تماس مع إسرائيل. هذه الخسارة لم تكن مجرد تراجع تكتيكي، بل كانت هزيمة استراتيجيّة. فالحزب لم يعد قادراً على «المتاجرة» بموضوع تسخين الجبهة الحدوديّة مع إسرائيل. وما يزيد من هذه الخسارة هو أن الجنوب كان الجبهة الوحيدة المفتوحة على حدود إسرائيل منذ 33 عاماً. ذلك أنه منذ حرب 1973، لم يتم أي اشتباك فعلي على الحدود المصريّة أو السوريّة أو الأردنيّة مع إسرائيل. وبذلك أيضاً، خسرت سوريا وإيران ورقة مهمّة جداً. طبعاً، لا زال الحزب يتمتع بقوة عسكريّة جنوب الليطاني غير أن حريّة حركتها انتهت (بسبب الوجود العسكري المكثف في تلك المنطقة للجيش اللبناني وللقوات الدوليّة المعززة). وهو كذلك يتمتع بقوة عسكرية شمال الليطاني، غير أن استخدامها يطرح إشكاليّات عسكريّة (إذ، على عكس الصواريخ القصيرة المدى، من السهل كشف الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى وتدميرها فوراً بالطيران كما بيّنت حرب صيف 2006) وإشكاليات سياسية (استخدام هذه الصواريخ سيؤدي إلى إدخال سوريا مباشرة في الصراع).
2- خسر «حزب الله» في ربيع 2005، مع الانسحاب السوري من لبنان، الغطاء السياسي والأمني الكامل الذي كان يتمتع به منذ تأسيسه. فحتى ربيع 2005، كان الوجود السوري في لبنان يؤمّن غطاءً سياسياً وعمقاً استراتيجياً للحزب، ويسمح بوصول كل ما يحتاجه الحزب براً وجواً وبحراً. مع الوجود السوري كان هناك تواصل كامل بين إيران والحزب. الخروج السوري أدى إلى قطع هذه الرئة. ليس بشكل كامل بالطبع، لأن الأسلحة والمساعدات لا تزال تصل إلى الحزب من إيران ومن سورية عبر الحدود السوريّة، لكن الأمور صارت معقدة أكثر من السابق. أضف أن الامدادات عبر البحر وعبر الجو صارت صعبة، بل شبه مستحيلة.
3- خسر «حزب الله» إبتداء من صيف 2004 قانونيّة سلاحه حسب الشرعيّة الدوليّة، وذلك عبر قرارت عدة صدرت عن مجلس الأمن حول لبنان، لا سيّما القراران 1559 و1701، ناهيك عن عشرات التقارير الدوريّة حول تنفيذ هذين القرارين، وعن العديد من البيانات الرئاسيّة الصادرة عن مجلس الأمن والتي تشير إلى هذين القرارين تحديداً. كل هذا «الإنتاج» القانوني الدولي، والذي يصعب جداً تغييره أو إلغاؤه، يعتبر أن سلاح «حزب الله» يتناقض مع سيادة الحكومة اللبنانيّة على مجمل أراضيها. ولقد حاول بعض الفرقاء اللبنانيين، من رفيق الحريري في الأشهر الأخيرة من حياته، إلى وليد جنبلاط حتى عشية حرب «الوعد الإلهي»، إقناع العواصم الدوليّة لا سيّما الغربيّة بعدم التركيز على سلاح «حزب الله»، واعدين بأن يتم حل الموضوع كشأن داخلي لبناني. غير أن القانون الدولي صار واضحاً تماماً في هذه النقطة: سلاح «حزب الله» غير شرعي، وهو سلاح ميليشيا، ويجب نزعه أو تسليمه. والمفارقة هنا هي أن «حزب الله» بنى مقاومته منذ تأسيسه وحتى الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000 على شعار واحد ألا وهو تطبيق قرار آخر صادر عن مجلس الأمن هو القرار 425.
4- خسر «حزب الله» مع انتهاء الولاية الممددة للرئيس اميل لحود وخروجه من قصر بعبدا الرئاسي في 24 تشرين الثاني الغطاء الذي كان يتمتع به من قبل رئيس الجمهوريّة، وهذا الغطاء من قبل السلطة التنفيذية العليا في البلاد كان مهماً جدأً لـ«حزب الله»، لا سيّما بعد الخروج السوري من لبنان في ربيع 2005، ولقد انتقلت صلاحيات رئاسة الجمهوريّة بأكملها إلى الحكومة اللبنانيّة «مجتمعة»، التي يعارضها «حزب الله» ويطالب بإسقاطها. ولقد صار من الواضح أن الحزب يعارض بكل الوسائل انتخاب رئيس جمهورية جديد قبل الحصول على ضمانات «خطيّة» تعجيزيّة، لأنه يعرف أنه يستحيل في الوضعيّة السياسيّة الحاليّة أن يصل إلى قصر بعبدا رئيس جمهورية جديد يسمح لـ«حزب الله» بالاستمرار في استراتيجية «الدولة داخل الدولة» التي ينتهجها منذ تأسيسه والتي كان يحميها اميل لحود بعد الانسحاب السوري.
5- خسر «حزب الله»، مع استقالة عمر كرامي الثانية في 13 نيسان 2005، وتكليف نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الانتقالية في 14 نيسان 2005، ولا سيّما منذ تشكيل حكومة فؤاد السنيورة في 19 تموز 2005، التغطية التلقائية التي كان يتمتع بها من قبل الحكومة اللبنانيّة، أي من قبل السلطة التنفيذيّة المركزيّة. صحيح أنه شارك في الحكومة حتى «استقالة» وزرائه منها في 11 تشرين الثاني 2006، غير أن السياسة الحكوميّة في لبنان بدأت تندرج تحت سقف تعزيز الدولة واحترام قرارات الشرعيّة الدوليّة المتعلقة بلبنان. أي أنها صارت حكماً في آلية مناقضة لهيمنة «حزب الله» على قسم من البلاد وإصراره على التمسّك بسلاحه.
6- خسر «حزب الله» مع الانتخابات النيابية التي جرت في ربيع 2005 التغطية التي كان يتمتع بها من قبل السلطة التشريعيّة في لبنان. فهو كان باستمرار منذ انخراطه في الانتخابات النيابيّة في لبنان في موقع الأكثريّة، فإذا به يتحوّل إلى الأقليّة ويحتاج إلى نواب كتلة العماد ميشال عون لكي يتمكن من منع التصويت في المواضيع التي تتطلب أكثرية الثلثين. أمام هذا الوضع، لجأ «حزب الله» إلى حليفه نبيه بري، رئيس مجلس النواب، لكي يعطل عمل المؤسسة التشريعيّة عبر منع المجلس من الانعقاد كون «حزب الله» يعرف أن قرارات مجلس النواب لن تكون لصالحه إذا ما التأم، وذلك أن معظم قراراته تتخذ بأكثرية النصف زائداً واحداً.
7- خسر «حزب الله» مع الانسحاب السوري ومع استعادة الجيش اللبناني تدريجياً لدوره المستقل، تحالفه مع المؤسسة العسكريّة اللبنانيّة. كان الجيش اللبناني حتى الانسحاب السوري، لا، بل وحتى حرب 2006، أداة مساعدة لـ«حزب الله»، حتى أنه كان يقوم أحياناً بحماية شحنات الأسلحة المرسلة إلى المقاومة. وكان يرفض «النزول» إلى الجنوب. وكان «حزب الله» يتصرّف على أن الجيش اللبناني أداة لـ«حماية» المقاومة… أي أنه كان يتعاطى معه على أنه رديف لـ«المقاومة» وعلى أن «المقاومة» هي الأساس. غير أن الجيش، تدريجياً، استعاد استقلالية دوره، لا سيّما مع انتشاره في الجنوب في آب 2006، ومع معركة نهر البارد (بين أيار وآب 2007)، وأخيراً لا آخراً مع تحرّكه لإنهاء «انتفاضة الدواليب» التي جرت يوم الاثنين 10 الحالي. وأكثر ما يعبّر عن هذا التباعد الجديد بين «حزب الله» والجيش اللبناني هو تغيّر موقف الحزب من وصول قائد الجيش العماد ميشال سليمان إلى سدة رئاسة الجمهورية. فمنذ أشهر، كان العماد سليمان هو الخليفة الأمثل لأميل لحود في نظر الحزب، أما اليوم فإن الحزب لا يتراجع عن أيّ حجة لعرقلة وصول قائد الجيش إلى بعبدا. وما يؤكد هذا التباعد ما قاله العماد سليمان في الجنوب في 11 الحالي عن دور الجيش اللبناني «القوة الوحيدة» على أرض لبنان.
8- خسر «حزب الله» تدريجياً، منذ الانسحاب السوري في ربيع 2005، التنسيق المطلق والكامل الذي كان يتم بينه وبين الأجهزة الأمنية اللبنانيّة بكاملها ومن دون استثناء. طبعاً، لا زالت للحزب علاقات واتصالات مع هذه الأجهزة، غير أن الأمور لم تعد بتاتاً كما في السابق، وصار على الحزب أن يواجه هذه الأجهزة في كثير من الملفات بينما كانت تغطيه بشكل كامل في السابق.
9- خسر «حزب الله» تدريجياً منذ الانسحاب السوري «المونة» التي كان يتمتع بها في جميع مؤسسات الدولة وبُناها، من الكهرباء… إلى الهاتف… مروراً بالقضاء… وبالقطاع الصحي… إلخ. هذا الكلام لا يعني بتاتاً أن الأمور صارت اليوم شفافة في لبنان، لكن هناك تغيّراً واضحاً في الثفافة السياسيّة لمؤسسات الدولة، بسبب التطوّرات السياسيّة والأداء المهني لحكومة السنيورة، وبسبب الضغوط المتزايدة من الخارج، إن على صعيد الشرعيّة الدوليّة وإن على صعيد المؤسسات المانحة التي تشترط القيام بإصلاحات بنيويّة عميقة. وكل ذلك يدفع في اتجاه الإصلاح والشفافيّة ويخفف، ولو ببطء شديد، من «المحسوبية»…
10- خسر «حزب الله»، لا سيّما منذ تنظيمه «يوم الوفاء لسورية» في 8 آذار 2005، ومن ثم مع تمسكه بحقه في البقاء لوحده على سلاحه، ومع تفجيره لحرب صيف 2006، ومن رفضه لشرعيّة الحكومة منذ خريف 2006، واحتلاله للوسط التجاري في بيروت منذ آخر 2006، وتعطيله لمجلس النواب، وعرقلته لانتخاب رئيس جمهورية جديد، العطف الشعبي الواسع الذي كان يتمتع به خارج الطائفة الشيعيّة في لبنان.
11- خسر «حزب الله»، لا سيّما منذ حرب صيف 2006، والسياسة التي اتبعها من بعدها، جزءاً من شعبيته داخل الطائفة الشيعيّة. ففي الجنوب، يتمتع الشيعة منذ انحسار هيمنة «حزب الله» على المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، بدرجة من الأمن ومن «البحبوحة» لم يعرفوها منذ أجيال، وذلك بسبب تواجد ما يزيد على 25 ألف جندي لبناني ودولي، وبسبب الهدوء التام وغير المسبوق على الشريط الحدودي وكذلك في منطقة شبعا، وبسبب الدفق المالي الهائل الذي تزامن مع وصول القوات الدوليّة ومع وصول المنظمات الإنسانيّة إلى المنطقة. لذا، يمكن القول إن شيعة الجنوب وإن كانوا يعطفون فعلاً على «حزب الله» وعلى زعيمه السيد حسن نصر الله، لا يريدون العودة بتاتاً إلى الوضع السابق. كذلك، يشعر الشيعة خارج المنطقة الحدودية أن سياسة «حزب الله» بدأت تعزلهم عن النسيج الوطني اللبناني. وهذا ما يفسر أن ثمة أصواتاً متزايدة ترتفع داخل الطائفة الشيعيّة منتقدة سياسة الحزب. وهذا ما كان نادراً قبل الانسحاب السوري في ربيع 2005 وما تزايد بعد حرب صيف 2006 .
12- خسر «حزب الله» التأييد الذي كان يتمتع به لدى الدول العربية والإسلامية، والتفهم الذي كان محاطاً به في العواصم الدولية. وهو اليوم في عزلة ديبلوماسيّة وسياسيّة صارمة. فكما ذكرنا، صارت الأمم المتحدة تعتبره مجرد ميليشيا يتناقض سلاحها مع السيادة اللبنانيّة، بينما أدرجته الولايات المتحدة على لائحة المنظمات الإرهابيّة، وغدت دول الاتحاد الأوروبي تنظر إليه بكثير من الريبة. أما الدول العربيّة، باستثناء سورية وبدرجة أقل قطر، والدول الإسلاميّة عموماً، باستثناء إيران، فهي تنظر إليه بحدز، إن بسبب شيعيته، وإن بسبب ولائه الفارسي، وإن لكونه حركة إسلامية مسلحة ومتطرفة.
13- خسر «حزب الله» منذ حرب صيف 2006 التفاهمات «المعلنة» و«غير المعلنة» التي كانت قائمة بينه وبين إسرائيل، والتي كانت «تسمح» له مثلاً بالقيام بعمليات في مزارع شبعا فقط… فهو خرق ما هو «متوافق» عليه بقيامه بعملية 8 تموز 2006 التي فجرّت الحرب. وبالتالي خسر أيضاً «الضمانات» الأمنية التي كان حاصلاً عليها في إطار «توازن الرعب» بينه وبين إسرائيل. وبالتالي دخلت قياداته، لا سيّما أمينه العام وكبار قادته العسكريين، في حياة صعبة «تحت الأرض» إذ هم يعرفون أن حياتهم مهددة في أي لحظة، لا سيما بعد حرب «الوعد الصادق» التي أعتبر الإسرائيليون أنها «تجاسر تاريخي» على أمنهم.
14- خسر «حزب الله» تدريجيّاً منذ صيف 2004 المبرّر المعنوي للمحافظة على سلاحه… فلا الواقع على الأرض، ولا الشرعيّة الدوليّة ولا حتى الحكومة اللبنانيّة تؤكد أن هناك أراضي لبنانيّة محتلة من قبل العدو الإسرائيلي. وحتى لو ثبتت لبنانيّة مزارع شبعا في المستقبل، وهذا ما تسعى إليه الديبلوماسيّة اللبنانيّة، فإن الحكومة اللبنانيّة قالت مراراً إن «تحريرها» أمر يُدار من قبل السلطات الشرعيّة اللبنانيّة، سيّما وأنه بالإمكان على الأرجح استردادها قانونيّاً وديبلوماسيّاًَ إذا ما ثبتت لبنانيتها.
15- خسر «حزب الله» بعد صيف 2006، وبعد انكسار الجرة بينه وبين الحكومة اللبنانية والأكثرية النيابيّة، التواصل الجغرافي بين «مناطقه» في لبنان، وصار عليه أن يدير خريطة ميدانيّة على درجة عالية جداً من التعقيد، بين الوضع الخاص جنوب الليطاني والأوضاع المختلفة شمال الليطاني وفي الضاحية الجنوبية وفي البقاع. وهذا بحد ذاته يخفف من قدراته الميدانية ويفرض عليه أن يأخذ في كل مرة العديد من الأمور في الاعتبار.
تهديدات مختلفة
بعد كل هذه الخسارات التي مٌني بها، ما هو الوضع الحالي لـ«حزب الله»؟ يواجه «حزب الله» حالياً سلسة من التهديدات المختلفة والتي تؤدي وستؤدي حكماً إلى إضعافه التدريجي:
– «حزب الله» مهدّد قانونياً، مباشرة أو غير مباشرة في التحقيقات اللبنانيّة والدوليّة الجارية حالياً حول التفجيرات التي شهدها لبنان منذ خريف 2004. طبعاً، «حزب الله» ندد بجميع هذه التفجيرات، لكن جميع المصادر الديبلوماسيّة والمخابراتيّة التي اطلعت ولو جزئياً على ما لم ينشر من نتائج التحقيقات، تفيد أنه من الممكن أن يتبيّن في نهاية المطاف أن لـ«حزب الله»، أقله لعناصر ولمسؤولين فيه، ضلعاً في بعض من هذه التفجيرات على الأقل. وهذا ما قد يفسر إصرار «حزب الله» الثابت على سحب الغطاء الشرعي اللبناني عن المحكمة ذات الطابع الدولي المكلفة معاقبة قتلة رفيق الحريري وكل من هو مسؤول عن العمليات الأخرى التي جرت في لبنان. علماً أن هذه المحكمة تم إقرارها في نهاية المطاف بموجب الفصل السابع وصارت الحكومة اللبنانيّة ملزمة بقراراتها.
– «حزب الله» مهدّد أمنياً، من قبل إسرائيل أوّلاً، حتى وإن لم يحرك ساكناً. غير أنه في حال استمر في سياسة التعطيل والتفريغ فإن الوضع يمكن أن ينفجر على الأرض في لبنان. وعندها سيكون «حزب الله» مهدداً في تحركاته من قبل القوات الدولية المعززة في الجنوب (التي تغيّرت طبيعة مهامها مع القرار 1701)، ومن قبل الجيش اللبناني (في حال رفض الحزب الانصياع لسلطة الدولة أو هاجم مراكزها)، ومن قبل الفرقاء الآخرين في لبنان (في حال عادت الحرب الأهليّة في لبنان).
– «حزب الله» مهدّد سياسيّاً، إذ أن نفوذه الداخلي يتضاءل وهو ينغلق على نفسه يوماً بعد يوم. وقد تتم «التسوية التاريخية» الجديدة بين اللبنانيين في نهاية الأمر من دونه، إذا ما استمر في الممانعة.
– «حزب الله» مهدّد اقتصادياً، فهو من ناحية يعطل بسياسته الانتعاش الاقتصادي في لبنان مما يفرض عليه الاهتمام أكثر فأكثر بمؤيديه، لا سيّما إذا ما انهار الاقتصاد اللبناني، وفي الوقت نفسه لا يمكنه الحصول إلا بشكل غير علني على مساعدات من إيران. هذا لا يعني أن «حزب الله» على وشك الإفلاس المالي، غير أنه يواجه إشكاليّة اقتصاديّة صعبة بسبب استراتيجيته السياسيّة.
معضلات صعبة
إضافة إلى هذه الخسارات وإلى هذه التهديدات، يعاني «حزب الله» من سلسلة من المعضلات الصعبة، لا بل الصعبة جداً…
إضافة إلى هذه الخسارات وإلى هذه التهديدات، يعاني «حزب الله» من سلسلة من المعضلات الصعبة، لا بل الصعبة جداً…
1- التحالفات الخارجيّة لـ«حزب الله» ليست مضمونة على المدى الطويل ومكلفة سياسيّاً:
– الدولة التي ربط مصيره بها، أي إيران، دولة بعيدة جغرافياً، لا حدود للبنان معها، وهي تواجه ضغطاً دولياً هائلاً، وتعاني من عزلة، ومن صعوبات اقتصاديّة، واحتياطها النفطي محدود، وثمة خلافات عميقة داخل طبقتها الحاكمة وتباعد بين نظامها وبين الشعب.
– الحليف الأقرب، سورية، دولة معزولة ديبلوماسيّاً، ضعيفة عسكرياً، ولا يمكن المراهنة بتاتاً على استمرار نظامها، فنظامها هزيل الشرعيّة (أقلية، وراثة، عسكر، فساد) وهو نظام «قديم»، إذ أن آل الأسد في السلطة منذ 1970، والتغيير آتٍ لا محالة بشكل أو بآخر إلى سورية. والأرجح أن من سيخلف الأسد سيكون قائداً معتدلأً ومنفتحاً على الدول العربية النافذة، أي أنه سينخرط في خط السعودية – مصر – الأردن – المغرب. وبمعزل عن هذه المعطيات التي تخص إيران ونظامها وسياستها… وسوريا ونظامها وسياستها… أي حتى لو سلمنا جدلاً أن إيران لن تتخلى أبداً عن «حزب الله»، وأن سورية لن تتخلى أبداً عن «حزب الله» وأن إيران وسورية ستظلان دوماً حليفتين… (أي إذا ما سلّمنا للحظة بأن التاريخ سيتوقف عن الحركة في هاتين الدولتين إكراماً لـ«حزب الله»، وهذا بالطبع مجرّد تصوّر نظري)، فإن ثمّة معطى أساسياً لا يمكن نفيه ألا وهو أن ارتباط «حزب الله» بإيران وسورية يعني ارتباطه بالمحور السياسي الأكثر انعزالاً في العالم اليوم. هذا الارتباط هو إذاً بحد ذاته مشكلة استراتيجيّة وسياسيّة ومعنويّة عويصة يصعب تخيّل كيفية الخروج منها.
2- الإشكالية الداخلية لـ«حزب الله» يستحيل حلها: فهو بحاجة إلى دولة تحميه من العالم… يختبئ وراءها من المحكمة الدوليّة غداً أو يستغيث بها لاهثاً لانتزاع وقف لإطلاق النار في صيف 2006… ويغرف من ميزانيتها ما أمكن… ولكنه لا يريد دولة قوية…
– وهو يتصرف وكأنه يريد الهيمنة على البلد، بينما الشيعة أقلية إذ هم لا يشكلون إلا قرابة 30 في المئة من السكان (وقرابة 25 في المئة في لوائح الشطب) أضف أن الحزب لا يمثل جميع الشيعة.
– وهو يدعي أنه يريد احترام الدستور بحرفيته، لا، بل وبروحيته… ويدخل في مقارعات فلسفية حول كيفية قراءة كلمة في بند ما من الدستور… ولكنه في الوقت ذاته يريد تفجير حرب ضروس ساعة يشاء ومن دون أن يسأل أحد… ويريد تعديل الدستور بشكل مخالف للدستور…
– وهو يدعي تمثيل أكثرية الشعب اللبناني… ولكنه يلاحظ أنه يضعف بين الشيعة، وأن حليفه ألأساسي ميشال عون يضعف بين المسيحيين…
– وهو يتهم الآخرين بعدم احترام اتفاق الطائف… لكنه يريد تعديله لإعطاء الشيعة حق الفيتو على كل شيء… ويطرح أفكاراً مناقضة له (انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من قبل الشعب)… ويتحالف مع الطرف الآخر الذي يريد تعديل اتفاق الطائف، أي ميشال عون.
– وهو يريد الدفاع عن مقولات إسلامية متشنجة ومتطرفة في مجتمع منفتح ومتعدد… يستحيل أن يتقبل هذا الطرح…
– وهو يتهم الآخرين بأنهم يريدون سلخ لبنان عن محيطه العربي… بينما هو ذراع لنظام فارسي في بلد عربي…
– وهو يتهم الآخرين بالعمالة للخارج… بينما هو يستمد كل قوته العسكريّة والماليّة من الخارج…
– وهو يقول إنه حزب لبناني، لكنه يربط تمسكه بسلاحه بقضايا غير لبنانية وغير عربية وذات بعد دولي…
– وهو يبني استراتيجية عسكرية قائمة على الشهادة والتضحية والنضال أي على الدم وعلى العنف وعلى الموت… في مجتمع تعب من الحروب ولا يطمح إلا إلى الاستقرار والحياة. هاتان المعضلتان، الخارجية والداخلية، خاصتان بـ«حزب الله». فلو نظرنا إلى الأطراف الآخرين في لبنان لوجدنا أنهم لا يعانون منهما بتاتاً، أو أقله بشكل جزئي جداً. وهذه الوضعية المستحيلة الخاصة بـ «حزب الله» ستؤدي في النهاية إلى إضعافه.
أمام هذا الوضع المأزقي، ماذا بإمكان «حزب الله» أن يفعل؟ من الواضح أن سياسة التعطيل والتفريغ لا يمكن أن تستمر إلى الأبد… فهي مجرد تكتيك للوصول إلى نقطة معينة… ولا يمكن أن تصبح استراتيجية بحد ذاتها… ولكن من الواضح أيضاً أن سياسة التهديد ما عادت كافية لوحدها. فـ«حزب الله»… – هدد باعتصام يؤدي إلى إسقاط الحكومة واعتصم… ولم تسقط الحكومة…
– وهدد بـ«النزول إلى الشارع» وفعل في يومي الثلاثاء والخميس الأسودين… وفي يوم «انتفاضة الدواليب»… ولم يغير ذلك شيئاً في المعادلة… – وهدد باقتحام السرايا… فلم ترتعد فرائص الحكومة… – وقال إن المخيمات «خط أحمر»… فلم يكترث الجيش بهذا الكلام وتجاوز الخط… – وطالب اميل لحود بخطوة إنقاذية… فخطى لحود عائداً إلى منزله… ورفض شرعية الحكومة قائلاً إنها غير قانونية ولا ميثاقية ولا دستوريّة… فإذا بالعالم أجمع ومن دون استثناء، بما فيه طهران ودمشق، يعترف بها… إذاً، شعارات «حزب الله» تنهار الواحدة بعد الأخرى…
ماذا يبقى؟
كل هذا لا يعني أن «حزب الله» هو اليوم في حالة اضمحلال وانهيار وضياع… فلدى هذا الحزب أوراق عدة، لكنها أوراق شائكة… – يتمتع «حزب الله» بقوة عسكرية حقيقيّة لكن استخدامها صعب وخطير، سواء ضد إسرائيل أو ضد القوات الدوليّة أو ضد الفرقاء اللبنانيين. – يتمتع «حزب الله»، رغم تراجع شعبيته، بتأييد واسع في الشارع الشيعي. لكن هذا التأييد لا يعني أن جمهور الحزب يريد الدخول في أهوال حرب أهليّة جديدة. – يتمع «حزب الله» بإمكانات تنظيمية ولوجيستية ومالية كبيرة لكن لا يمكن الاتكال عليها كحل استراتيجي له ولجمهوره. أي أن هذه الإمكانات لا تغني عن الحاجة الماسة إلى الدولة.
ما العمل؟
ماذا بإمكان «حزب الله» أن يفعل إذاً؟ الخيارات المطروحة أمام الحزب عديدة لكنها هي أيضاً شائكة:
ماذا يبقى؟
كل هذا لا يعني أن «حزب الله» هو اليوم في حالة اضمحلال وانهيار وضياع… فلدى هذا الحزب أوراق عدة، لكنها أوراق شائكة… – يتمتع «حزب الله» بقوة عسكرية حقيقيّة لكن استخدامها صعب وخطير، سواء ضد إسرائيل أو ضد القوات الدوليّة أو ضد الفرقاء اللبنانيين. – يتمتع «حزب الله»، رغم تراجع شعبيته، بتأييد واسع في الشارع الشيعي. لكن هذا التأييد لا يعني أن جمهور الحزب يريد الدخول في أهوال حرب أهليّة جديدة. – يتمع «حزب الله» بإمكانات تنظيمية ولوجيستية ومالية كبيرة لكن لا يمكن الاتكال عليها كحل استراتيجي له ولجمهوره. أي أن هذه الإمكانات لا تغني عن الحاجة الماسة إلى الدولة.
ما العمل؟
ماذا بإمكان «حزب الله» أن يفعل إذاً؟ الخيارات المطروحة أمام الحزب عديدة لكنها هي أيضاً شائكة:
– بإمكان «حزب الله» الإستمرار في التعطيل والتفريغ السياسي والدستوري والاقتصادي. لكن الاقتصاد اللبناني على شفير الهاوية، والوضع السياسي والشعبي لن يتحمل كثيراً أخذ البلد رهينة.
– بإمكان «حزب الله» الاستمرار في تهديده الضمني باللجوء إلى القوة (على الرغم من تشديد الحزب في أدبيّاته على أن سلاح «المقاومة» لن يوجه إلى الداخل… وهذا بالطبع أسطورة أدبية كون الجميع يعلم في لبنان كيف صفى «حزب الله» جسدياً كل قيادات المقاومة الوطنية غير التابعة له في الجنوب… وكيف بنى قوته على دم مئات لا بل آلاف القتلى في صراعات داخل لبنان بينه وبين حركة «أمل»، وبينه وبين الجيش، وبينه وبين بعض الفصائل الفلسطينية…)، لكن استخدامه لسلاحه في النزاع السياسي الداخلي الآن هو بمثابة استخدام سلاح رادع لا يعود من قيمة له بعد ذلك. فسيتحول الحزب عندها إلى طرف مستهدف من الجميع.
– بإمكان «حزب الله» التحرك على الأرض في بيروت، عسكرياً، لقلب المعادلة، أي إقتحام السرايا أو السيطرة على بعض المؤسسات. لكن ذلك سيعرضه إلى الاصطدام بالجيش أو بالشارع السني وبالشارع المسيحي وبالشارع الدرزي.
خياران لا ثالث لهما
لكن الحقيقة هي أنه وراء كل المناورات السياسية والتصعيدات التي يقوم بها «حزب الله»، ليس أمامه في المستقبل القريب إلاً خياران لا ثالث لهما. ومع كل يوم يمر، يتضاءل هامش المناورة الذي يتمتع به «حزب الله» لبنانيّاً وإقليميّاً. وبالتالي هو سيضطر إلى الانخراط قريباً في واحد من الخيارين الاستراتيجيين:
– خيار التراجع الحميد لحفظ المكاسب أي القبول ببناء الدولة، وأن يكون الحزب شريكاً فيها وطرفاً، وليس أن تكون الدولة أسيرته. غير أن هذا الخيار وإن كان يحفظ له حقوقه وهيبته، فهو سيؤدي إلى انحسار نفوذه… لأنه حالياً دولة داخل الدولة… وبناء الدولة لا يمكن أن يتم إلا على حساب دويلته.
– خيار الهروب إلى الأمام، أي منع بناء الدولة، وتغيير موازين القوى، وهو خيار سيؤدي كذلك في نهاية المطاف إلى انحسار نفوذه، حتى وإن تمكن من تحقيق مكاسب عسكرية هنا أو هناك في المرحلة الأولى. لأن أكثرية اللبنانيين ضده ولأن العالم العربي والإسلامي والأسرة الدولية يستحيل أن تقبل بالتعامل مع «غزة جديدة».
المأزق … والثمن
«حزب الله» ظاهرة نبتت بشكل واضح ابتداء من العام 1982 من رحم الثورة الإيرانية وبسبب عامل خارجي أساسي هو الاحتلال العسكري الإسرائيلي لجزء من الأراضي اللبنانية طابعه السكاني شيعي. وصلت هذه الظاهرة إلى ذروة مجدها السياسي مع الهرولة الإسرائيلية من لبنان في ربيع 2000 وإلى ذروة مجدها العسكري في حرب صيف 2006.
أما الآن، بعد أكثر من ربع قرن على ولادتها، فلقد وصلت هذه الظاهرة إلى مأزق صعب. هذا الكلام لا يعني بتاتاً أن «حزب الله» ذاهب إلى الاضمحلال، بل يعني أن الحزب يواجه اليوم إشكاليّة سياسيّة وعسكريّة وأمنيّة ومعنويّة هي من دون أي شك المأزق الأصعب في تاريخه. وكيفما تعامل «حزب الله» مع هذا المأزق فإنه سيضطر في المستقبل القريب إلى القيام بـ«انعطاف استراتيجي ما»…. فإما أن يتحوّل تدريجياً إلى حركة سياسية لبنانية ويتخلى بشكل أو بآخر عن سلاحه، ويكف عن محاولته الهيمنة على الكيان اللبناني… وإما أنه سيستمر في رفضه لسيرورة قيام الدولة وسيدخل عاجلاً أم آجلاً في دوامة اللجوء المعلن إلى العنف، ما سيقوده في نهاية المطاف إلى وضع شبيه بما تعيشه «حماس» في غزة حالياً. نعم، يبدو «حزب الله» اليوم وكأنه في أوج قوته.
بينما دقت ساعة الحقيقة أمامه وسيضطر قريباً إلى الاختيار المر، أيّاً كان. منذ بداية الحرب اللبنانية، مرت الطوائف اللبنانية الثلاث الأساسية بالسيرورة ذاتها. فلقد راهن الموارنة على الغرب ومن ثم على إسرائيل لكي يهيمنوا على الطوائف الأخرى في لبنان، ففشلوا وعادوا إلى الخيار اللبناني. وراهن السنة على الفلسطينيين وعلى سورية لكي يهيمنوا على الآخرين ففشلوا وعادوا إلى الخيار اللبناني. وها هم الشيعة بعد أن راهنوا على إيران وعلى سورية يحاولون الهيمنة على الآخرين. وهم لا شك سيفشلون وسيعودون إلى الخيار اللبناني. لكن المشكلة هي الثمن الذي سيدفعه لبنان والجواب على هذا السؤال هو في يد… «حزب الله»…