#dfp #adsense

14 آذار وموجبات الإنتقال إلى “إستراتيجية المواجهة”

حجم الخط

بعد عام كامل أمضته بين “استراتيجية الصمود” في موقع دفاعي و”استراتيجية التفاوض”

14 آذار وموجبات الإنتقال إلى “إستراتيجية المواجهة”

نصير الأسعد

 

خلال الأسابيع الأخيرة، كثرت الأسئلة ضمن جمهور 14 آذار ـ أي ضمن “الرأي العام” الـ14آذاري ـ عمّا “تفعله” قيادة الحركة الاستقلالية حيال الاستحقاق الرئاسي، ما يعني انّ إستراتيجية 14 آذار التي تُبنى عليها التكتيكات غير مفهومة لدى شطر واسع من تيار “ثورة الأرز”.


ومن أجل الاجابة عن هذه الأسئلة، لا بدّ من التوقّف عند القراءة التي يبدو انّ قيادة 14 آذار بنت على أساسها تقديرها لما يحيطُ بالاستحقاق الرئاسي وإستراتيجيها للتعاطي مع هذا الاستحقاق.


أثر سياسة الإستيعاب الدولية على 14 آذار


في الفترة الفاصلة بين بداية المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس ونهايتها أواخر تشرين الثاني الماضي، لمست 14 آذارـ على مستوى القيادة ـ انّ ثمّة تحوّلاً على صعيد تعاطي المجتمع الدولي والنظام العربي مع النظام السوري. وبالفعل، كان هناك تحوّل تمثّل في الانتقال من سياسة الضغط السياسي بوتائر متسارعة على هذا النظام والتلويح بإجراءات قاسية ضدّه إلى سياسة “إستيعابه”. وفي إطار سياسة الإستيعاب هذه التي تزامن الإفصاح عنها مع مؤتمر أنابوليس، كان التحرّك الفرنسي باتجاه دمشق مدعوماً من المجتمع الدولي، وكان التحرّك الأردني نحو سوريا باسم النظام العربي.
يمكن القول، ربمّا اليوم أكثر من أي يوم من أيام الأسابيع الماضية، إنّ سياسة الإستيعاب هذه كانت مشروطة دولياً وعربياً بتغيير النظام السوري سلوكه في ملفات عدّة لا سيما في لبنان، وإنها كانت محاولة لـ”فصل” نظام الأسد عن إيران لإعادته إلى “الإستراتيجية العربية”. يمكن قول ذلك اليوم أكثر من أي يوم مضى بدليل الوقائع التي تفيدُ انّ الأمور بقيت على حالها في ظلّ سياسة الإستيعاب.


نظام الأسد بالغ استقواءً و14 آذار أصابت وبالغت


غير انّ طرفين معنيَين بها تصرّفا إزاءها بنوعٍ من “المبالغة”. النظام السوري أخذ من سياسة الإستيعاب الإنفتاح الخارجي، الدولي والعربي عليه أي فكّ العزلة، واعتبر انّها تتيح له “الإستقواء وصولاً إلى إعادة فرض شروطه في لبنان بما انّ “العالم” يفاوضُه حول لبنان ولو من مدخل مطالبته بـ”تسهيل” حصول الاستحقاق الرئاسي. أما 14 آذار فقرأت في سياسة الإستيعاب من ناحية وفي الأداء المستقوي للنظام السوري في ظلّها من ناحية أخرى، ملامح صفقة دولية ـ عربية معه.
الحقّ يُقال هنا انّ فرقاء أساسيين في 14 آذار اعتبروا انّ “الصفقة” قائمة، فيما فرقاء أساسيون آخرون اعتبروا انّ لـ”الصفقة” في “أي وقت” احتمالاً كبيراً. على انّ “محصّلة التقدير” داخل 14 آذار كانت انّ ثمّة تموضعاً دولياً وعربياً مختلفاً أي انّ هناك تغيّراً خارجياً لا بدّ لـ14 آذار من أخذه في الاعتبار والتموضع على نحو مختلف حياله.


كانت “محصّلة التقدير” صحيحة. ذلك انّ إستحقاقاً رئاسياً في مناخ ضغط دولي وعربي مفتوح على إجراءات رادعة ضدّ نظام الأسد، غيرُ إستحقاق رئاسي “متفاوضٍ عليه” مع نظام الأسد.


بيد انّ 14 آذار انطلقت من “محصّلة تقدير” صحيحة لتتصرّف على انّ ثمّة خللاً فادحاً أو استراتيجياً أصاب موازين القوى، لا بل بدا انّ 14 تتصرّف على أساس انّ التوازن بالنسبة اليها هو توازن تراجع وتوازن إنكفاء. طرحت التسوية على الرئاسة والرئيس، وهذا ليس خطأ لان التسوية يمكن أن تتم بين “متكافئين”، لكن طرح التسوية جاء مصحوباً بخطاب سياسي ـ إجمالي ـ “رخو” أو دفاعي بدا منه نوعٌ من “الضعف السياسي”.


“إستراتيجية التفاوض” بعد “إستراتيجية الصمود”
في ظلّ ذلك التغيّر الخارجيّ، اعتمدت 14 آذار “إستراتيجية التفاوض” مع نبرات متفاوتة داخل صفوفها.
وهنا لا بدّ من إيراد عدد من النقاط الرئيسية.


خلال عام تقريباً، ومنذ أن انطلق إنقلاب “المعارضة” أو “الثورة المضادّة” لـ”ثورة الأرز”، تمترست 14 آذار في موقع دفاعي معتمدة “إستراتيجية الصمود”. وإذا كان صحيحاً ـ وهو صحيح ـ انّ “المعارضة” لم تحقق من “ثورتها المضادّة” أي إنجاز ولم تنجز شيئاً ممّا طالبت به ووعدت جمهورها بتحقيقه، فالصحيح أيضاً انّ “إستراتيجية الصمود” في موقع دفاعي لم تأخذ في الاعتبار ضرورة الاحتفاظ بـ”المبادرة” من ناحية وأهمية الاستمرار في تظهير التوازن الداخلي بما هو توازنٌ في صالح 14 آذار من ناحية ثانية. وهنا، فانّ التقويم إجمالي لانه لا يمكن إغفال انّ 14 آذار كانت “مبادرة” في محطّات معينة وكان خطابها السياسي عالياً ونبرته عالية أيضاً.


التوازن الداخلي


وإلى ذلك، يجب أن تُضاف “حقيقةٌ” سياسية. ثمّة في التيار السياسي ـ الثقافي ـ الشعبي “العريض” لـ14 آذار تقديرٌ عالٍ جداً لحرص قيادة حركة الاستقلال على البلد وتصرّفها بروحية “أمّ الصبي”، وحرصها على السلم الأهلي بل حرصها على التفتيش دائماً عن اختراق في جدار الأزمة. غير أن ثمة فارقاً بين عدم قيادة الناس والبلد بـ”تهوّر” وبين إفتراض أن 14 آذار مطالبةٌ دائماً بالبرهنة على “حكمتها” أو بتقديم الدلائل على التعطيل والمعطّلين. وإذا كان ما لا شك فيه أن جمهور “المعارضة” مُتعبٌ جرّاء سياسات قيادته، فإن 14 آذار معنيّة بأن تعيد إكتساب جمهورها أي تيّارها “العريض”، وبأن تتذكّر دائماً أنها تمثّل نصف الشعب اللبناني على الأقل، وبأن تدخله في معركتها السياسية الوطنية، وبألاّ تدع جماهيريّتها تتآكل. والأساس في ذلك هو أن 14 آذار إنتفاضة شعبية لبنانية أولاً ثم تلقت الدعم الدولي والعربي، وهي إنتفاضة غيّرت موازين القوى في لبنان. ومعضلة “المعارضة” مع 14 آذار أن هذه الأخيرة لم “تأتِ” الى لبنان من الخارج بعد إسقاط الوصاية عنه بل هي التي أسقطت الوصاية من الداخل.
الإستراتيجية الجديدة
لذلك، وتأسيساً على ما تقدّم، من المحتّم القول إن إستراتيجية جديدة واجبة الإعتماد من جانب 14 آذار. مِن “إستراتيجية الصمود” في موقع دفاعي و”إستراتيجية التفاوض” اللتين “تخلّلتهما” مبادرات أحياناً، يجب الانتقال الى “إستراتيجية المواجهة” التي يمكن أن “يتخلّلها” تفاوض.


إن هكذا إستراتيجية واقعية وإعتماد ها واقعي أيضاً. العامل الداخلي هو الأساس و14 آذار قوية في الداخل. والدعم الخارجي يأتي لعامل داخلي قوي، أي أن الدعم الخارجي لا يصنع “حالة” جماهيرية وانتفاضة شعبية وثورة وطنية. ولذا فإن “إستراتيجية المواجهة” واقعية بالصلة مع التوازن الداخلي من جهة ومع “إعادة اكتشاف” المجتمع الدولي والنظام العربي للنظام السوري الذي قدّم بـ”مبالغته” المشار إليها آنفاً خدمةً سياسية كبرى لـ14 آذار.. من جهة أخرى.
السبت حدّ فاصل؟


التيار العريض لـ14 آذار لا ينسى أن الاستقلال لم يغدُ معطى ناجزاً بعد. وما قامت به قيادة 14 آذار حتى الآن كافٍ للبرهنة على أصل الأزمة. ولا يجوز أن تتحكّم “المعارضة” بالمسارات وأن تنتقل من محطة الى أخرى في التعجيز.


التيار العريض لـ14 آذار يريد التسوية الجدّية. يريد السلم الأهلي. يريد رئيساً للجمهورية ويريد المؤسسات الدستورية. لكنه أيضاً يريد الاستقلال والحرية. ولتكن محطة ـ السبت المقبل ربّما ـ تطلقُ بعدها “إستراتيجية المواجهة”.


ذات يوم من ربيع 2005 أطلق فتى ثورة الأرز الشهيد سمير قصير صرخته من أجل إنتفاضة في الانتفاضة مستشعراً نبض التيار العريض لانتفاضة الاستقلال. واليوم هو نداء من أجل إستراتيجية جديدة، ينقل بأمانة ما يطالب به ناس 14 آذار، شبابها بالدرجة الأولى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل