#adsense

هل يستطيع سليمان قلب الطاولة ؟

حجم الخط

هل يستطيع سليمان قلب الطاولة ؟

سركيس نعوم  


لا أحد من اللبنانيين يعرف ماذا سيفعل قائد الجيش والمرشح “الإجماعي” لرئاسة الجمهورية العماد ميشال سليمان اذا استمر فريقا المعارضة والموالاة في اطالة ازمة استحقاق الانتخاب الرئاسي وظلا يصغيان الى حلفائهما الخارجيين الذين يتقاتلون بهما على ساحة لبنان ويحاولون بواسطتهما تأمين مصالحهما السياسية وغير السياسية وتعبيد الطريق أمام وضع أطماعهم المحلية والاقليمية موضع التنفيذ. لكنهم على بساطة الكثيرين منهم وتنوع انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والسياسية يعرفون ان “الخروج” من العماد سليمان مرشحاً وحيداً للرئاسة الاولى، اذا جاز التعبير، لم يعد ممكناً لدى فريق الموالاة الذي اعتبر انه بترشيحه اياه عبّر عن احترامه لمواقفه المتوازنة منذ شباط 2005 وقدم في الوقت نفسه تنازلاً للمعارضة وربما لحليفها الاقليمي اللذين جهرا دائماً بتأييدهما له لا بل هددا دائماً بطرح اسمه للترشيح.

 

ولم يعد ممكناً ايضاً لفريق المعارضة التي طالما كالت المديح له أيام النظام المشترك السابق الذي انتهى من دون ان يخلفه اي نظام آخر والتي لم تبدِ يوماً خوفاً منه ومن مؤسسته لاطمئنانها ربما الى عجزها عن مسها او التعرض لمرتكزاتها الاساسية وقواها الحية من مدنيين و”عسكريين” نظراً الى الحماية التي كان يوفرها لها صاحب الوصاية المعروفة على لبنان علماً انها اليوم لا تزال تكيل له المديح في العلن لكن لا أحد يعرف اذا كانت ضمناً مرحبة بوصوله الى قصر بعبدا رئيساً الا اذا كبّلته بالقيود المتنوعة الظاهر منها والمستتر. ذلك انها معه ومع مؤسسته ما دامت هي أقوى منها عسكرياً وسياسياً. لكنها قد تغيّر موقفها اذا اخذ الجيش موقعه الفعلي في الدولة ومارس دوره الطبيعي بتأييد داخلي واسع وعربي واقليمي ودولي أوسع. ويعرف اللبنانيون ايضاً ان اطالة ازمة الاستحقاق الرئاسي لا بد أن تأكل من رصيد المرشح الاجماعي الوحيد أي العماد سليمان وربما تنال من عزيمته ومعنوياته، علماً ان من يعرفونه يشددون على صلابته خلف مظهره الهادئ والوديع.

 

ويعرفون ايضاً ان الاصرار على تعديل لادستوري للدستور لانتخاب سليمان يجعل رئاسته معرضة للطعن الذي قد يستعمل للضغط عليه. وفي حال تأكد هذا يسأل اللبنانيون: ماذا سيفعل العماد سليمان؟ هل يقلب الطاولة على الجميع؟ وهل يستطيع ان يقلبها؟ وبأي طريقة يقلبها؟ وهل يفتح قلب الطاولة الباب امام دخول لبنان مرحلة من الاستقرار السياسي والامني تتيح الشروع في بناء الدولة وتصحح ما نفذ من اتفاق الطائف وتنفيذ ما لم ينفذ منه أم يفتح ابواب جهنم على اللبنانيين باعتبار ان جهات كثيرة في الداخل والخارج لن ترضى بأمر واقع كهذا ولذلك ستقاومه بكل ما تملك من امكانات؟ وامكاناتها على ما هو معروف ليست قليلة على الاطلاق.


طبعاً ليست هناك اجوبة عن هذه الاسئلة لدى أحد. غير ان الحكمة التي يتمتع بها العماد سليمان تفترض ان تدفعه الى الابتعاد عن قلب الطاولة والى عدم استسهال النجاح في ذلك لأن ما نجح على هذا الصعيد في دول عربية عدة لن ينجح في لبنان، بسبب تركيبته الديموغرافية التعددية المعقدة والخلافات بل العداوات بين مكوناتها. كما يجب ان تدفع اللبنانيين الى عدم تمني الوصول الى خيارات كهذه لأنها ستستعمل بالتأكيد لضرب آخر مسمار في نعش لبنان. طبعاً لا يعني ذلك ان على العماد سليمان ألاّ يفعل شيئا. ولا نشك في أنه سيفعل شيئا “حكيماً” في النهاية، اي عندما ييأس من احتمال تحلي اطراف الصراع اللبنانيين بالحكمة والوطنية الصافية والاستقلال الفعلي عن رعاتهم أو بالأحرى “حلفاء” الخارج سواء لعجزهم عن ذلك او لعدم رغبتهم فيه. لكن هذا الموضوع ليس مطروحاً الآن. وما هو مطروح او ما يجب ان يكون مطروحاً هو توصل فريقي الصراع في البلاد الى حل او الى تسوية لأزمة الاستحقاق الرئاسي بأقصى سرعة، ونجاحهما في ذلك يكون مضموناً اذا اقتنع كل منهما بالاقلاع عن محاولة تحقيق نصر عجز عن تحقيقه على مدى سنة على الأقل او محاولة فرض هزيمة. فقضية لبنان معقدة ومتشعّبة ومزمنة. والعوامل الخارجية المتداخلة فيها كثيرة وخطرة. وتوهم القدرة على امكان تجاوز ذلك كله لتحقيق النصر او لفرض الهزيمة، اي للتوصل الى تسوية شاملة تكون في مصلحة فريق على حساب الآخر، فيه الكثير من السذاجة والتبسيط وقلة الحكمة والافراط في الاعتداد بالنفس. وبكلام اوضح نقول ان فريق 14 آذار لم يُهزم كي يسلّم بمطالب فريق 8 آذار كلها وإن حقق الاخير تقدماً على الساحة في الاشهر القليلة الماضية وان حقق حليفه السوري تقدماً مماثلاً على الساحة نفسها وربما في ساحات خارجية اخرى. والاصرار على الهزيمة الطوعية له سيدفعه الى دخول طريق واحدة توصله اما الى النصر او الى الهزيمة. وفي ذلك كل الخراب للبنان. والعكس ايضاً صحيح.


في اختصار على فريق 14 آذار ان يعرف، واعتقد انه صار يعرف ان حليفه الدولي الذي ساعده ولبنان مشكوراً خلال سنتين ونصف سنة، وهذا رقم قياسي، لن يستطيع الاستمرار في المساعدة العملية لأنه لا يملك عصا “اضافية”، اذا جاز التعبير، كي يستعملها ضد اخصامه وخصوصاً غير اللبنانيين  او لأن لا مصلحة له ولحلفائه الاستراتيجيين في المنطقة في استعمالها ضدهم. وعليه ان يعرف او صار يعرف ان حلفاءه العرب لا يعتمد عليهم اذا جد الجد. كما على فريق 8 آذار أن يعرف ان حلفاءه الاقليميين، رغم قدرتهم على تقديم المساعدة المباشرة له، وقد فعلوا ذلك، لا يستطيعون تمكينه من الانتصار. وجل ما سيمكّنونه من تحقيقه هو تفجير حرب أهلية في لبنان قد يكون لهؤلاء الحلفاء او لاعدائهم مصلحة فيها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل