حق التنفس
سمير عطا الله
كان شعراء الزجل في لبنان يطاردون النجوم ويهزمون ابن شداد ويتكرمون على الزير بالعفو. أما أنا فمطالبي وأحلامي وطموحاتي بسيطة لم تتغير يوما. ان يكون وطني في هدوء وشعبي في سكينة. والقناعة كنز لا يفنى. وكل مائدة عليها زيتون ونعناع، تكون هذه وجبتي الأشهى والأطيب والأكمل. والحمد لله.
ولكن على مدى العمر وجدت أن هذه المطالب صعبة في لبنان. ودائماً هناك اسباب وجيهة لا يمكن الطعن فيها: من تحرير فلسطين إلى إسقاط الامبريالية. وكنت أرى جميع العواصم العربية صامتة وتذهب إلى أعمالها وإلى مقاهيها، إلا بيروت. فهي غالباً مغلقة، في انتظار أن يتحرر أهل الفيتنام. أو أن ينتصر هوغو شافيز، الذي وجد في الرئيس السابق اميل لحود رفيقاً ثورياً لا يكن ولا يهدأ ولا يرتاح له بال قبل انتصار الثورة العالمية. اليوم قبل غد.
تعلمت مع مرور الزمن أن أخفض سقف مطالبي. ومنذ أن عاد النائب ميشال عون من باريس أقام على مدخل فيللته سدا تلفزيونيا وأخذ يصرح كل يوم. كل يوم. ايام العمل وايام العطل وايام الأعياد وايام الجنازات الكبرى. وأصبح لي ـ كمواطن ـ مطلب واحد: ان اسمع النائب عون، في يوم، في شهر، في سنة، يتفوه بكلمة حسنة عن أحد، وجملة واحدة في هدوء، وألا يتوعد الناس كل صباح. مع العلم طبعا بأنني أوافقه على ان الجميع فاسدون و«زواحف» و«واوية» و«تحت الزنار» و«مقرفون»، ويتصرفون كأنهم «شموا ريحة كريهة».
يبدو أن طموحاتنا لا تطاق. فاللبنانيون قد سلبوا عون «حقه»؟ وقد خاطب اللبنانيين من خلف السد التلفزيوني اليومي قائلا: «لقد تنازلت عن حقي». وحقه، كما هو معروف، رئاسة الجمهورية.
وقال إنه يقبل بالعماد ميشال سليمان رئيساً شرط ألا يبقى في القصر اكثر من عامين. وعندما رشحت الاكثرية اللبنانية العماد سليمان في بيان رسمي يحمل تواقيعها، اعترض عون قائلا: «الأكثرية تناور والعماد سليمان ليس مرشحها الحقيقي». وسارع رئيس مجلس النواب إلى إغلاق برلمانه، أو حقه، للمرة التاسعة أو العاشرة.
لا يخرج عون من فيللته في الرابية ولا يجتمع إلا بنوابه. ولو تمشى قليلا بين الناس الذين يدافع عنهم لسمعهم يقولون، يا جنرال، خذ الرئاسة، وخذ البلد وخذ مجلس النواب، وخذ كامل حقوقك وتعويضاتك من الجيش التي قلت مرة انها تبلغ 3 ملايين دولار. خذ أيها الجنرال ما تشاء. ولكن افتح للفقراء وسط بيروت. واترك الأولاد يذهبون إلى أعيادهم. وارفع هذا الحزن المخيم على بلدك، كل يوم بموجب شعار جديد، وفراغ جديد، ووعيد جديد. خذ حقك أيها الجنرال. واترك لهذا البلد فقط حق التنفس.